الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 34، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع سبب نزول آية الهجرة في قصة ضمرة بن بكر الذي مات في طريقه مهاجراً فأجره الله على نيته الصادقة. كما يوضح سبب نزول آية صلاة الخوف في غزوة عسفان تحسباً لغدر المشركين بقيادة خالد بن الوليد.
يستعرض المقطع كيفيات صلاة الخوف الواردة في السنة كصفة الصفين والطائفتين مع النبي صلى الله عليه وسلم. ويناقش استدلال العلماء بالآية على وجوب صلاة الجماعة لاغتفار الشارع فيها أفعالاً كثيرة لأجل الجماعة.
يشرح المقطع الفرق الجوهري بين صيغتي "حدثنا" و"عن" مبيناً أن التحديث يقطع بالسماع بينما العنعنة تحتمله. ويناقش رواية مجاهد عن أبي عياش حيث خالف جرير بن عبد الحميد الجماعة بالتحديث فحمل على الوهم.
يناقش المقطع ضعف حديث مجاهد عن أبي عياش الزرقي في صفة صلاة الخوف بسبب تدليس مجاهد وانقطاع السند. ويقرر الأئمة ضعفه واعتباره مرسلاً لا يصح كسبب لنزول الآية مع ثبوت الصفة بروايات صحيحة أخرى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال ابن جرير رحمه الله: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا شريك، عن عمر بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾. وكان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر، وكان مريضاً، فقال لأهله: أخرجوني من مكة، فإني أجد الحر. فقالوا: أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو المدينة. فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. ومعنى هذا الحديث: أن الله عز وجل لما توعد من لم يهاجر من أهل مكة من المؤمنين في هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾، قالوا: ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾، قالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، قالوا: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. فلم يهاجروا ولم يفروا بدينهم. فلما نزلت هذه الآية، كان بمكة رجل من المؤمنين يقال له ضمرة، وكان مريضاً. فلما سمع هذه الآية والوعيد الشديد لمن لم يهاجر، قال لأهله: أخرجوني من مكة، ما أريد أن أجلس في هذه البلد، وكانت بلد كفر، فإني أجد الحر. قال ذلك -والله أعلم- تعمية على قومه، لأنهم لو علموا أنه يريد الفرار بدينه لمنعوه، منعوه من الهجرة. ولكن قال لهم: فإني أجد الحر، يعني أن الحر في مكة شديد وأنا لا أطيقه، فأخرجوني إلى بلد آخر جوها ألطف وأرحم من هذا الجو. فقالوا له: أين نخرجك؟ أين تريد أن نذهب بك؟ فأشار بيده نحو المدينة. فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. ومعنى: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾، يعني لم يصل إلى المدينة، وإنما مات في الطريق. بل حتى لو مات وهو في مكة، لكنه عزم عزماً أكيداً ونيّة طيبة أن سيخرج، فقد وقع أجره على الله، أي نال أجر الهجرة، نال أجر الهجرة لما وقع في قلبه من النية الصادقة ومن الإخلاص لله سبحانه وتعالى. هذا هو معنى هذه الآية: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، يعني لم يخرج لدنيا يصيبها، ولا لامرأة ينكحها، ولا لغرض من أغراض هذه الدنيا، وإنما خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله. ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾، يعني قبل أن يتم هجرته، ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، أي أن الله عز وجل يجازيه أجر المهاجر، أجر المهاجر في سبيل الله. وهذا فيه فضل النية الحسنة، فإن صاحبها يدرك أجر العامل وإن لم يعمل عمله. انظر إلى هذا: نال أجر الهجرة ولم يعمل عمل المهاجر، ما أتم هجرته، وما وصل إلى البلد التي يريد أن يهاجر إليها، ومع هذا فقد جازاه الله عز وجل أتم الجزاء، فجازاه جزاء المهاجر. فرب عمل صغير أو قليل تعظمه النية، ورب عمل كبير أو كثير تقلله النية. قد يجهد إنسان نفسه ويعمل الأعمال العظيمة، ولكن ليس في قلبه إخلاص، يعمل هذه الأعمال رياء وسمعة، أو لينال حطاماً من حطام هذه الدنيا، فلا ينال من الأجر إلا بقدر نيته. وذاك الذي يعمل العمل القليل بهدوء وسكينة وإخلاص، فيجزيه الله عز وجل الجزاء العظيم. وهذا الحديث أورده شيخنا في "الصحيح المسند"، وتكلم على إسناده، وبين أن إسناد ابن جرير هذا الذي ذكره إسناد ضعيف بسبب شريك هذا القاضي، وهو ضعيف. لكن ذكر في آخر البحث أن الحافظ في "الإصابة" ذكر لهذا الحديث طرقاً أخرى، فكأن الشيخ رحمه الله يحسن هذا الحديث بمجموع الطرق، بمجموع الطرق، والله تعالى أعلم. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ الآية. قال: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي قال: عندكم عياش، أو عياش؟ بلى، عياش هذا عندنا في النسخة خطأ. من معه نسخة؟ نسخة مثل نسختي مكتوب "عياش". صح، الصواب "عياش". قال: عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون، يعني قدموا إليهم محاربين، فكانوا قريبين منهم، كانوا قريبين منهم. فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، هذا قبل إسلامه رضي الله تعالى عنه، وإلا فقد أسلم وحسن إسلامه وجاهد مع المسلمين وقتل في المشركين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ولكن هذا كان قبل إسلامه. قال: فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، يعني أمامهم من جهة ماذا؟ من جهة القبلة. المسلمون ها هنا، والمشركون أمامهم باتجاه القبلة. قال: فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر. فقالوا، يعني المشركون: قد كانوا على حال، أي أن المسلمين قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، يعني غفلتهم. ثم قالوا، يعني المشركون: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. يعني معنى هذا الكلام: أن المشركين قالوا: طالما أن المسلمين يصلون فهم منشغلون بالصلاة، فإذا قاموا إلى الصلاة هجمنا عليهم، فسنجدهم مشغولين بغير القتال وبغير الجهاد. هذا معنى كلام المشركين. فقالوا: الآن قد صلوا هذه الصلاة، وفاتتنا هذه الفرصة. ستأتي عليهم صلاة أخرى، وهذه الصلاة أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم، فإذا دخلوا في الصلاة مرة أخرى أصبنا غرتهم وهجمنا عليهم، وهجمنا عليهم. هذا معنى كلامهم، كلام المشركين. قال: فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات بين الظهر والعصر، بعدما فرغوا من صلاة الظهر، نزلت هذه الآية لكلام المشركين، وأن يحذر المسلمون من غدر المشركين: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. قال: فحض، قال: فحض، يعني صلاة العصر. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح، يعني أمرهم بأن يستعدوا للقتال ويأخذوا السلاح معهم، ويأخذوا السلاح معهم. قال: فصففنا خلفه صفين. رسول الله عليه وسلم إمام، وهم صفوا خلفه صفين: صف يلي النبي عليه الصلاة والسلام، وصف آخر خلف الصف الأول، خلف الصف الأول. قال: ثم فركعنا جميعاً. هذه رواية. وفي رواية في الصحيح أنهم ما ركعوا جميعاً، إنما ركع أهل الصف الأول فقط. وسيأتي كيفيات صلاة الخوف. هذه الآن تسمى صلاة الخوف. إذا لم يكن الخوف فيه مسايفة ومقاتلة، إنما فيه رباط وحراسة، رباط وحراسة، فهنا تشرع في هذا الحال صلاة الخوف بهذه الكيفية التي جاءت في هذه الآية، وبينتها السنة، وبينتها السنة. فجاء في هذا الحديث: أن جاء سلم، أمرهم بأخذ السلاح، ثم صفهم صفين، ثم صلى بهم وهم قيام، الكل يصلي معه عليه الصلاة والسلام، ثم ركع، فركع جميعاً على هذه الرواية. قال العلماء: لأن الركوع فيه فترة يسيرة، ما يستطيع العدو في هذه الفترة أن يهجم، فلذلك ركع الجميع. وجاءت رواية أخرى: أن الذي ركع هم أصحاب الصف الأول فقط، أما أصحاب الصف الثاني فبقوا قائمين، بقوا قائمين. قال: ثم رفع، فرفعنا جميعاً. ماذا عندكم بعد هذا الحديث؟ وأنتم الحديث كلكم، الحديث هنا اختصر الشيخ الحديث. الحديث معناه، يعني تكملة الحديث، اختصار لفظ الحديث، اختصر الحديث. ومن باب الفائدة نتم لفظ هذا الحديث كما جاء عند الإمام أحمد. فقال بعد ذلك: ثم رفع، فرفعنا جميعاً. ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه، الصف الذي يليه سجد فقط، أما الصف الذي خلف الصف الأول فبقوا قائمين، ما سجدوا، يعني يحمون ظهور الصف الأول وإمامهم النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم. قال: فلما سجدوا وأقاموا، يعني أهل الصف الأول سجدوا وقاموا، جلس الآخرون، جلس الآخرون، يعني جلس أصحاب الصف الثاني، فسجدوا في مكانهم. ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء. ثم ركع، وركعوا جميعاً. ثم رفع، فرفعوا جميعاً. ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم. فلما جلسوا، جلس الآخرون، فسجدوا. ثم سلم النبي عليه صلى الله عليه وسلم. هذه كيفية من كيفيات صلاة الخوف. الآن هذا أصحاب الصف الأول، وهذا أصحاب الصف الثاني. قلنا في رواية: هذه الرواية أنهم كلهم ركعوا. لكن جاءت رواية في الصحيح: أن الذي ركع هم أصحاب الصف الأول، أما الصف الثاني فبقوا واقفين يحرسون، وهم في الصلاة وينتبهون. وجاز هذا الفعل في صلاة الخوف لأنها صلاة خاصة، فجازت فيها أعمال لم تكن في صلاة الطمأنينة: من المراقبة، من حمل السلاح، من كذلك عدم متابعة الإمام. أصحاب الصف الثاني ما يتابعون الإمام في السجود. طيب، يبقون واقفين؟ جاز هذا الفعل لأنها صلاة خاصة. فأصحاب الصف الأول يسجدون، يركعون ويسجدون، والصف الثاني يحرسون. طيب، فإذا انتهى أصحاب الصف الأول من القيام، من السجود، قاموا، تقدم أصحاب الصف الثاني، ورجع أصحاب الصف الأول. وهذا جازت هذه الحركة في هذه الصلاة. الذين كانوا أمام، بعدما قاموا، يرجعون خلف، والذين خلف يرجعون أمام، فيسجد أو يركع أصحاب الصف الثاني. طيب، والنبي عليه الصلاة والسلام والصف الأول قيام؟ واضح هذا الآن، فيركع ويسجد أصحاب الصف الأول الذين كانوا الصف الثاني، وأصحاب الصف الأول الذين انتهوا من السجود والركوع يبقون واقفين يحرسون الصف الأول الذي كان الصف الثاني. واضح؟ فإذا انتهى هؤلاء من السجود قاموا، فصار الجميع قائمين. فإذا ركع النبي عليه الصلاة والسلام، ركع أصحاب الصف الأول، والصف، والصف الثاني بقوا قائمين يحرسون هم. فإذا رفعوا وقاموا، سجد وركع أصحاب الصف الثاني. واضح؟ فإذا انتهى الجميع، سلم النبي عليه الصلاة والسلام، فسلم الجميع. واضح. هذه كيفية من كيفيات صلاة الخوف. ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ﴾، يعني الطائفة الثانية، لأنهم لو كلهم سجدوا لربما باغتهم العدو. ولكن جماعة تسجد وجماعة تحرس، جماعة تسجد وجماعة تحرس، يكون فيه تقدم وتأخر. واضح. هذه كيفية. وردت كيفية أخرى أيضاً لصلاة الخوف في هذا الموضع، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام يصلي بالطائفة الأولى، والطائفة الثانية لا تصلي، تحرس. طيب، فيصلي النبي صلى الله عليه وسلم والطائفة الأولى ركعتين. طيب، فتسلم الطائفة الأولى، ويقوم النبي عليه الصلاة والسلام، تخرج الطائفة الأولى تحرس، وتأتي الطائفة الثانية تصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام ركعتين. فتكون، فتكون صلاة النبي عليه الصلاة والسلام رباعية، وصلاة من خلفه من المقاتلين ثنائية. كل فريق يصلي ركعتين، فالكل يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أن الطائفة الأولى تفصل عن النبي عليه الصلاة والسلام فتصلي ركعتين فقط. واضح هذا الآن؟ هذه أيضاً كيفية ثانية من كيفيات صلاة الخوف. وجاءت في بعض الطرق أيضاً كيفية ثالثة أجازها العلماء، وهي أن النبي عليه الصلاة والسلام ركعتين، وكل طائفة تصلي معه ركعة واحدة بدلاً من ركعتين، تصلي معه ركعة واحدة. قال بهذا بعض أهل العلم. وأشهر الكيفيتين هي الكيفية الأولى والكيفية الثانية. قال الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله: قال في تفسيره عند تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، قال: ما أحسن ما استدل به، أي بهذه الآية، من ذهب إلى وجوب الجماعة، من هذه الآية إلى وجوب الجماعة، يعني صلاة الجماعة. من هذه الآية الكريمة، حيث اغتفرت أفعال كثيرة، اغتفرت، يعني جازت في هذا الموضع مع أنها في غيرها في غيره لا تجوز. اغتفرت، تسومح فيها. فقال: حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك، يعني ما جاز ذلك. ففي هذا الموضع لم تسقط صلاة الجماعة. لو كانت غير واجبة، لكفى أن يصلي كل واحد لوحده. صح؟ لماذا هذا الكيفية؟ وصف ويأتي الصف الثاني ويرجع الصف الأول. كل واحد يصلي وحده، والكل يحرسه، وهذا يصلي، وهذا يصلي، وهذا يصلي. هذا دليل على ماذا؟ نعم، وجوب صلاة الجماعة، وأنه لا يفرط فيها أبداً، ولو كان في هذا الموضع موضع الخوف، لا يفرط فيها. بل ذكر بعض أهل العلم، وهو قول مرجوح، أن من صلى مفرداً وهو يستطيع أن يصلي جماعة، فلا صلاة له. ولكن هذا قول مرجوح، والصحيح أن صلاته صحيحة لكنه مع الإثم، لأنه ترك واجباً، ترك واجباً. فإذا لا ينبغي للمسلم أن يتهاون وأن يفرط في صلاة الجماعة، طالما أنه قادر على الصلاة، لم يكن مريضاً، ولم يكن عاجزاً، ولم يكن مسافراً ونحو ذلك، فيجب عليه حينئذ أن يحرص على صلاة الجماعة، وأن لا يفرط فيها، وأن لا يفرط فيها. قال شيخنا: طيب، هذا الحديث كذلك مما اختلف في صحته، وذلك بسبب أبي عياش. ولابد أن نقرأ، من باب الفائدة، ما ذكره شيخنا، حتى ننشط علماً، أو ننشط ما تعلمناه في باب مصطلح الحديث. ومن باب الفائدة، قال شيخنا: الحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف، في المصنف، والطيالسي، والحاكم في المستدرك، ورواه البيهقي في المعرفة بلفظ: حدثنا أبو عياش. وفي هذا تصريح بسماع مجاهد من أبي عياش، لأن الحديث مجاهد عن أبي عياش. وفرق بين العنعنة والتحديث. ما هو الفرق بين العنعنة والتحديث من حيث الكلام على سند الحديث؟ ما هو الفرق؟ هذا أخذناه في علم المصطلح في البيقونية، ذكرنا هذا. فمن يذكر؟ نعم، التحديث لا يمكن أن يحمل على التدليس، أما العنعنة فإذا كان المعنع ممن اشتهر بالتدليس فترد هذه العنعنة. لماذا؟ لاحتمال أنه دلس في هذا الحديث أو في هذا السند. لذلك قال شيخنا هنا: وفي هذا تصريح بسماع مجاهد من أبي عياش، وفي هذا نفي العنعنة في الروايات التي جاءت بصيغة العنعنة. وهذا فيه تحري أهل المصطلح، أو تحري أهل الحديث في الفاض التحمل، الفاض التحمل. فلا تقول الأمر سهل، أيش الفرق؟ قلت عن فلان، أو حدثنا فلان؟ لا، المحدثون عندهم فرق، ينبني عليه ربما صحة الحديث من ضعفه، ينبني عليه صحة الحديث من ضعفه. فلذلك شيخنا نبه على هذا: أن أبا عياش، أو أن مجاهداً صرح في رواية بالتحديث عن أبي عياش، فانتفى تدليسه، انتفى تدليس مجاهد رحمه الله. قال: الحديث أخرجه أحمد، ونسائي، عبد الرزاق، وطبراني في الكبير، ومبعده الطيارسي، البيهقي في الكبير، وابن أبي شيبة، والبيهقي في المعرفة. قال البيهقي عقبه: هذا إسناد صحيح، إلا أن بعض أهل العلم بالحديث يشك في حديث مجاهد عن أبي عياش، كأنه بسبب العنعنة. وقال الإمام الترمذي: مجاهد معلوم التدليس، فعنعنته لا تفيد الوصل، يعني يكون الحديث منقطعاً لاحتمال إسقاط راوٍ بين مجاهد ومن روى عنه، لأنه يدلس. انظر التهذيب. وبعد كلام البيهقي والترمذي: فقد روى هذا الحديث عن مجاهد بالعنعنة، يعني من روى هذا الحديث عن مجاهد بالعنعنة: جرير بن عبد الحميد، وكلما إمه، وسفيان الثوري، وعبد العزيز بن عبد الصمد، وشعب بن الحجاج، وورقاء، وزائدة، وعلي بن صالح، وأبو الحسن، وجعفر بن الحارث، وإسرائيل. عشرة، كلها، ولا لا إمه، أرووا هذا الحديث بالعنعنة، أي أن مجاهداً يرويه بالعنعنة، ليس بالتحديث. قال: ورواه بصيغة التحديث بين مجاهد وأبي عياش: جرير بن عبد الحميد، وهو إمام، لكنه واحد، كما عند البيهقي في المعرفة، كما تقدم. وداود بن عيسى، كما عند الطبراني. اثنين: داود بن عيسى مع جرير بن عبد الحميد. فقد وافق جرير بن عبد الحميد الأئمة، الأئمة في روايته بالعنعنة. وذكر التحديث من طريقه يحمل على الوهم. تقدم معنا أن جرير بن عبد الحميد له في هذا الحديث روايتان: رواية بالعنعنة كما حسبناه مع العشر الأولين، صح. ورواية جاءت عنه برواية التحديث. فحمل العلماء ما رواه جرير بن عبد الحميد بالتحديث، حملوه على الوهم، أنه وهم في ذلك، لاسيما وقد رواه في رواية أخرى بالعنعنة. هذا معنى كلام شيخنا رحمه الله. قال: وقد ذكر ابن جرير رحمه الله فائدة في دخول الوهم في صيغ التحديث. انظر كيف دقت أهل العلم، حتى في صيغ التحديث، في صيغ التحديث. أيش الفرق بين "أخبرنا"، "حدثنا"، "عن"؟ أن ما هو الفرق بين هذا؟ ذكر فائدة في هذا. قال: وقد ذكر ابن جرير رحمه الله فائدة في دخول الوهم في صيغ التحديث، في شرعه للعلل. فقال: وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، يعني بدلاً من "عن" يأتي أحد الرواة فيقول "حدثنا". وهنا فرق كما تقدم. قال: ويقول: هو خطأ، يعني ذكر السماع خطأ، أن يأتي الحديث بـ "عن"، أنت تقول "حدثنا"، هذا خطأ. قال: في رواية هدبة عن حماد، عن قتادة: تحدثنا خلاد الجهني. قال: هو خطأ. خلاد قديم، ما رأى قتادة. خلاداً، وذكر أمثلة. فكيف تقول "حدثنا"؟ إذا قلت "حدثنا"، معنى أنك أثبت السماع، وهذا كذب صريح، إذا تعمده صاحبه فهو كذب. أرأيت لو أنني قلت "حدثني" مثلاً على سبيل المثال في العصر الحاضر؟ أنا ما عاصرت مثلاً الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، أنا ما عاصرته، فلو قلت "حدثني محمد بن إبراهيم"، أنا أعدك كاذباً. وقال لي: تعال هنا، أين حدثك؟ أين التقيت؟ بما إن شاء الله أنت ولدت عام ربما 72 للميلاد، وهو ربما قبلك بخمسين أو ستين سنة، من أين عاصرته؟ من أين حدثك؟ وهكذا في هذا المثال. من قال عن قتادة قال "حدثنا خلاد الجهني"، قال أحمد: هو خطأ. خلاد قديم، ما رأى قتادة، خلاداً. يعني قتادة ما رأى خلاد، كيف تقول؟ يعني عن قتادة قال "حدثنا خلاد"، وقتادة ما عاصر خلاداً، هذا كذب، أثبت له التحديث. لكن لو قال "عن"، ما يعد كاذباً، لأن "عن" محتملة، صيغة محتملة، قد يكون عاصره، وقد يكون لم يعاصره. صح. لو قلت الآن هذه فائدة: "عن محمد بن إبراهيم"، أنا قلت هذا، طيب. فهذه، هذا الكلام مني ليس فيه خطأ، لأن "عن" تحتمل، يحتمل فيها السماع وعدمه. واضح هذا الآن؟ هذا هو المراد. قال: فقال ابن رجب رحمه الله: وحينئذ ينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد، ينظر هل فعلا سمع فلان من فلان حتى قيل "حدثنا". ينظر في ترجمة كل واحد منهما، هل من شيوخ قتادة خلاد الجهني؟ ينظر، فسترى أنه ليس من شيوخه، إذن لا يجوز أن نقول "حدثنا قتادة، حدثنا خلاد"، ما يجوز. واضح. يتفطن لهذا، يتفطن لهذا. وهذا يعرفه أهل الحديث، ويتفطن له أهل الحديث. فالمعنع ما يتجرأ أن يقول "حدثنا"، لأن الكل سيقول: لو أنت كذب، ما لقيت فلان، وما سمعت من فلان. فهمتم؟ يقال له: ما لقيت فلان، ولا سمعت من فلان، فكيف تقول "حدثنا"؟ لكنه يعرف أنه ما سمع من فلان، فيأتي بصيغة محتملة، فيقول "عن". فإذا كان من عرف بالتدليس، فلا تقبل عنعنته. ومن عرف بعدم التدليس، فتقبل عنعنته، لأنه لا يدلس. وهذا يعرفه أهل الحديث. قال شيخنا: فقد ذكر ابن معين أن شعبة، وجدوا له غير شيء يذكر فيه الإخبار من شيوخه، ويكون منقطعاً. يعني الإخبار عن شيوخه بـ "عن"، قد يكون سمع من شيخه، سمع من شيخه أحاديث، ولم يسمع منه أحاديث أخرى. طيب، فحتى يجمل الحديث ويجعل سنده عالياً، وهو لم يسمع هذا الحديث من شيخه، فيأتي بصيغة العنعنة، يأتي بصيغة العنعنة. فالذي يراه يقول: إذن سمع من شيخ هذا الحديث. فيقال: لا، إذا عنعن وهو معروف بالتدليس، وإن سمع من شيخه بعض الأحاديث، طيب، فيحمل هذا الحديث على العنعنة، إلا إذا صرح إمام من الأئمة أن هذا الحديث ممن سمعه فلان من شيخه، وإن كان معنعناً، وإن كان معنعناً. هذه قواعد مهمة في علم المصطلح وعلم الجرح والتعديل. قال: وأما داود بن عيسى، مترجم في الجرح والتعديل. داود بن عيسى، يعني الذي وافق جرير بن عبد الحميد، وافقه في رواية الحديث بالتحديث، بالتحديث. ما حاله؟ قال: مترجم في الجرح والتعديل، تاريخ البخاري، وسكت عنه البخاري، وابن أبي حاتم. وقال ابن حبان: كان متقناً، عزيز الحديث، يعني قليل الحديث. وعلى هذا، فإذا ثبت الوهم في التصريح بالتحديث، يعني من جرير بن عبد الحميد، ومن هذا الذي هو داود بن عيسى، فيكون الحديث ضعيفاً، هذا الحديث يكون ضعيفاً، يعني بهذا السند، لقول الإمام الترمذي: مجاهد معلوم التدليس، فعنعنته لا تفيد الوصل. الآن أثبت شيخنا في هذا الحديث: أن من روى هذا الحديث بالعنعنة هم أتقن وأكثر، فتكون رواية التحديث أضعف، شاذة. واضح. فرجح الشيخ رواية العنعنة، فيكون الحديث ضعيفاً، لأن مجاهداً مدلس. قال: وكذلك قول البيهقي: إلا أن بعض أهل العلم بالحديث يشك في حديث مجاهد عن أبي عياش، والله أعلم. يعني هذا قول البيهقي: يشك، يعني من حيث التحديث. قال الإمام الترمذي في العلل الكبير: قال: سألت محمداً، يعني البخاري، فقلت له: أي الروايات في صلاة الخوف أصح؟ فقال: فقال: كل الروايات عندي صحيحة، وكل يستعمل، وإنما هو على قدر الخوف، إلا حديث مجاهد عن أبي عياش الزرقي، فإني أراه مرسلاً، يعني ضعيفاً. ولعله أراد باصطلاح "مرسلاً" يعني أحياناً يعبر بعض القدماء على كل انقطاع بالإرسال، على كل انقطاع بالإرسال. فإذا هذه الرواية ضعفها الأئمة، وفيها زيادة غير موجودة في الروايات الأخرى، وهو ركوع الجميع. في رواية أبي عياش هذه جاءت في الصفة، صفة صلاة الخوف، أن الجميع ركع. لكن جاء في الصحيح: أن الذي ركع فقط هم أصحاب الصف الأول، أما الصف الثاني فبقوا واقفين. قال: وقال ابن الأثير في "أسد الغابة" في ترجمة أبي عياش: قال أبو عمر، وزيد بن الصامت: أصح ما قيل فيه، وهو معدود في أهل الحجاز. روى عنه أنس بن مالك من الصحابة، يعني هذا قاله في أبي عياش. ومن التابعين: أبو صالح، ومجاهد. ولا يصح سماعه ما منه، لأنه قديم الموت. وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": روى عنه مجاهد، أبو صالح، إن كان محفوظاً. يعني، يعني، يعني، شكك في سماع أبي عياش من مجاهد، أو سماع مجاهد من أبي عياش. قال: ونقل العلائي عن الترمذي، كما في "جامع التحصيل": لا يعرف سماع مجاهد عن أبي عياش الزرقي. فإذن هذا يحمل على الانقطاع. وقال الحافظ ابن رجب في "شرح البخاري" حول حديث أبي عياش الزرقي: نقل قول البخاري في الحديث، وقول: إني أراه مرسلاً. قال ابن رجب: وإنما مراده أن هذا الحديث، الصواب عن مجاهد إرساله عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر أبي عياش، يعني بحذف أبي عياش، فلم يذكر. ومجاهد تابعي، ليس صحابياً. وتعريف الحديث المرسل: ما أضافه التابعي إلى النبي عليه الصلاة والسلام. كذلك رواه أصحاب مجاهد عنه، بخلاف رواية منصور عنه. هذا توجيه لقول الحافظ، لقول الحافظ، لقول البخاري. نعم، البخاري: أني أراه مرسلاً. منهم من قال: يريد الانقطاع، لأنه قد يستعمل ذلك. ومنهم من قال: يريد أن الحديث مروي من غير ذكر أبي عياش، مباشرة مجاهد إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فرواه عكرمة بن خالد، وعمر بن ذر، أو أيوب بن موسى، ثلاثة، عن مجاهد، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، من غير ذكر أبي عياش. وهذا أصح عند البخاري. وكذلك صحح إرساله عبد العزيز النخشبي، وغيره من الحفاظ. وأخرج ابن جرير، والحاكم، وقال: على شرط البخاري. وسكت الذهبي. عن ابن عباس مثله. فالشيخ، الله أعلم، ذكر هذا الحديث في هذه الآية، في سبب نزول هذه الآية، من أجل أن يبين علته. وكما ذكرنا أن شيخنا رحمه الله يحب أن يفيد طالب العلم، فمثل هذه الفوائد لا شك أن طالب العلم يفرح بها، ويزداد بها علماً. فهو يذكر الحديث أحياناً، ويبين رتبته ودرجته. ومن أحال فقد أعذر. فليس لمنتقد أن ينتقد، ويقول: كيف الشيء يقول "الصحيح المسند" وفيه أحاديث ضعفها؟ فيقول: نعم، ضعفها مع ذكر السبب. ومن أحال فقد برئت ذمته، ومن أحال فقد برئت ذمته. فهذه الرواية في سبب نزول هذه الآية لا تصح. لكن في صفة صلاة الخوف، فقد جاءت روايات كثيرة في الصحيح وفي غيره، وقد أشرنا إلى بعضها، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر