الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 60، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في الخروج لملاقاة قريش فاختاروا الخروج، ولبس لأمة الحرب فتراجع بعض أصحاب الرأي الأول، وانصرف عبد الله بن أبي بن سلول بمن معه ثلث الجيش، وهمت طائفتان من المؤمنين بالفشل فثبتهم الله.
نزلت آية ﴿وَإِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ في بني سلمة وبني الحارث اللذين كادا يقعدان عن الخروج، فتولاهما الله وأثبت قلوبهما، ورتب النبي ﷺ الجيش فجعل الرماة على الجبل ووزع الميمنة والميسرة والقلب.
خرج الرماة عن موقفهم فاستغل خالد بن الوليد الفرصة وهاجم المسلمين من الخلف، فوقعوا بين صفين وقتل سبعون وجرح النبي وكسرت رباعيته، ومع شدة ما أصابه اعتبر يوم الطائف أشد عليه لصده عن الدعوة، وكانت الغزوة ابتلاء للمؤمنين وتقبل الله الشهداء.
استهل المتحدث المقطع بحمد الله تعالى رب العالمين، وهي الافتتاحية المعتادة للخطب والدروس الشرعية، مقدمة للحديث عن غزوة أحد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ إلى قوله جل وعلا: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾. قال رحمه الله: وذلك يوم أحد، حين خرج صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمسلمين، حين وصل المشركون بجمعهم إلى قريب من أحد، فنزلهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم منازلهم، ورتبهم في مقاعدهم، ونظمهم تنظيماً عجيباً يدل على كمال رأيه وبراعته الكاملة في علوم السياسة، كما كان كاملاً في كل المقامات عليه الصلاة والسلام. والله سميع عليم لا يخفى عليه شيء من أموركم. فهذه الآيات نزلت في غزوة أحد، هذه الغزوة التي كانت فيها العبر الكثيرة والمسائل العظيمة، وأيضاً كذلك الفوائد. وقد أشبع هذا الموضوع الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "زاد المعاد"، وذكر هذه الغزوة، وذكر فوائدها ومسائلها. فربنا جل وعلا هنا يذكر ما حصل، أو شيئاً مما حصل في هذه الغزوة. وهذه الغزوة كانت في شوال في السنة الثالثة على الصحيح من أقوال أهل السير. وكانت هذه الغزوة رداً من قريش وحنقاً منهم، أرادوا أن يردوا ما حصل منهم في بدر من الهزيمة، وأيضاً من قتل صناديدهم وكبارهم، فأرادوا أن ينتقموا من المسلمين. فتحرك منهم ثلاثة آلاف من المشركين إلى المدينة. فاستشار النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة، فأشار بعضهم إلى أنهم يتحصنوا في المدينة ويتركونهم يدخلون، حتى إذا دخلوا حاصروهم، فيصير الكفار مكشوفين ويصير أهل الإسلام متحصنين. فكانت هذه خطة من بعض الصحابة رضي الله عنهم. واختار بعض الصحابة أنهم يخرجون إليهم، واختار النبي عليه الصلاة والسلام هذا الرأي. وكان الرأي السابق فيه خطة عظيمة، لكن يخشى أن تذهب فيها الأموال والذرية، أن يقتل الأموال والذرية. فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام اختار الخروج، فدخل عليه الصلاة والسلام بيته وتجهز للغزو، ولبس لأمة الحرب. فلما لبسها تراجع بعض من كان من أصحاب هذا الرأي، فقالوا: يا رسول الله، لنجلس في المدينة. قال عليه الصلاة والسلام: «ما كان لنبي أن يضع لأمته ثم يقعد». فخرج النبي عليه الصلاة والسلام، وتمسك بعضهم برأيه، واستغل هذه الفرصة عدو الله عبد الله بن أبي بن سلول، فأربك بعض الناس، واستغل هذا الموقف في التحريض على عدم الخروج. فخرج بعضهم، لكن بعد ذلك رجعوا مع عبد الله بن أبي، رأس المنافقين، وهو ثلث الجيش، رجع مع عبد الله بن أبي بن سلول. ومن ثم أيضاً أرادت طائفتان، طائفتان من المؤمنين ومن خيرة الأنصار، أن يرجعوا كذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. جاء في البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: الطائفتان اللتان همتا بالفشل هما بنو سلمة وبنو الحارث. قال في الحديث: «فينا نزلت هذه الآية: ﴿ وَإِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾ في بني سلمة» - وهو جابر من بني سلمة - «وبني الحارث». وهم من خيرة دور الأنصار. لكن الظاهر أنهم كان - والله أعلم - كان من رأيهم أنهم يجلسون في المدينة، فلذلك هم بعضهم أن يفشل ويدع الجيش ويأخو إلى المدينة. لكن الله عز وجل ثبت قلوبهم، فلذلك قال جابر بن عبد الله: فينا نزلت هذه الآية: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾، قال: بنو سلمة وبنو الحارث. قال جابر: «وما أحب أنها لم تنزل». فقال: وما أحب أنها لم تنزل لقوله جل وعلا: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾. أنا يقول جابر: ما كنت أحب أنها لم تنزل، بل أحب أنها نزلت، وإن كان فيها عيب لبني سلمة وبني الحارث، لكن فيها من قبلهم، وفيها أيضاً كذلك ثناء عليهم، وهو أن الله عز وجل تولاهم، فقال: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾. أنا يقول جابر: معنى كلامه أننا فرحنا بهذا، وأن ولينا الله، فلذلك ثبتهم الله عز وجل على القتال، ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾. ولهذا قال المؤلف: إذ هم الطائفتان منكم أن تفشلا، قالهم بنو سلمة وبنو حارثة، لكن تولاهم الباري بلطفه ورعايته وتوفيقه. ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾، فإنهم إذا توكلوا عليه كفاهم وعانهم وعصمهم من وقوع ما يضرهم في دينهم ودنياهم. فما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى القتال، فتوكلهم على الله عز وجل هو الخروج مع النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يخشون ضرراً ولا يخشون شيئاً، حتى لو حصل الضرر فإنه فائدة لهم، وكذلك أيضاً مرضاة أو رضا الله عز وجل عنهم. ولو حصل فيهم قتل أو حصل فيهم جرح، فإن ذلك كله يهون في الله عز وجل. فلذلك خرج النبي عليه الصلاة والسلام بالجيش في أحد، ورتبهم ترتيباً عظيماً عليه الصلاة والسلام، كما قال جل وعلا في وصفه: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾. وهي خرج من الغد من أهله، وخرج إلى أحد، ﴿ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾، أي تنزل كل إنسان في منزله. ﴿ مَقَاعِدَ ﴾ معنى مفعول ثاني، فلذلك جعل الله عز وجل نبيه، أو وصف الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بهذه السياسة العظيمة، وتنزيل كل إنسان في منزله. فلذلك جعل في الجبل الصغير الرماة، ورتب أهل الحرب والذين يواجهون الكفار، رتبهم إلى ميمنة وميسرة وقلب، وأعطى الراية مصعب بن عمير رضي الله عنه، وأعطى راية القلب حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه. فخرج، وكان هذا الترتيب العظيم من النبي عليه الصلاة والسلام، حتى جاء الكفار، فهجموا عليهم، أي هجم المسلمون عليهم، وكان في بداية الأمر النصر لأهل الإيمان، حتى هرب الكفار من شدة الهجمة التي هجموا عليهم. لكن خرج الرماة الذين كانوا في الجبل الصغير، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: «لا تخرجوا، وإن رأيتمونا نُقْطَع، وإن رأيتمونا نُغْنَم معنا، لا تخرجوا من مكانكم أبداً»، كأنه تحصين لنا. لكن لم يستمعوا لكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان أميرهم، أو من وضعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقدمتهم، عبد الله بن جبير، كان يذكرهم بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، لكن خرجوا، ظنوا أن الحرب انتهت. فجاء بعد ذلك خالد بن الوليد، وكان موجوداً مع الكفار، وجاء من خلف الجبل عندما رأى أن الرماة قد ذهبوا، فجاء من خلف الجبل، وجاء خلف أهل الإسلام، فجاء، فصار المسلمون بين الكفار، طائفة من قبل المدينة، وطائفة من قبل مكة - أقصد في الجهة - فصار أهل الإسلام في وسطهم. فحصل ما حصل من القتل، فقتل سبعون رجلاً من أهل الإسلام، وكذلك أيضاً جرح، وجرح النبي عليه الصلاة والسلام، وكسرت رباعيته، وشج وجهه الشريف عليه الصلاة والسلام، وكثرت رباعيته وهي أحد أسنانه التي بعد الثنايا. فأبلى عليه الصلاة والسلام بلاء عظيماً في تلك الغزوة، حتى قالت عائشة رضي الله عنها كما جاء في الصحيحين: «يا رسول الله، هل مر بك يوم أشد عليك من يوم أحد؟» فقال: «نعم»، فذكر يوم الطائف. وانظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في اختياره لذلك اليوم العظيم، يوم الطائف، جعله أشق وأشد من يوم أحد، مع أنه في يوم أحد ضرب عليه الصلاة والسلام، وشُج، وكسرت رباعيته، وكاد أن يقتل عليه الصلاة والسلام لولا عناية الله عز وجل به، حتى حاصره المشركون، فوقف طلحة بن عبيد الله كالأسد عند النبي عليه الصلاة والسلام، حتى صعد النبي عليه الصلاة والسلام الجبل، وصعد معه الصحابة، ونجاهم الله عز وجل. فتجد أن هذه الغزوة ابتُلي المؤمنون وزُلزلوا، والنبي عليه الصلاة والسلام، لكن لم يلتفت النبي عليه الصلاة والسلام إلى ما أصابه، صلوات الله والسلام عليه، في أحد، فجعل صد أهل الطائف، أو قريش، أو صدودهم عن دعوته، أعظم من أنه جرح أو ضرب عليه الصلاة والسلام. وهذا لكمال، لكمال توجهه إلى الله عز وجل، وخشيته لله، وعبادته له سبحانه وتعالى، فهو لا يبالي بما حصل له أكثر من دعوته لله عز وجل، فجعل أصعب يوم حصل فيه له، اليوم الذي أدى فيه ذلك اليوم، يوم الطائف، قال: «يوم عرضت نفسي على عبد ياليل بن كلال». فلذلك كما قلنا، حصل ما حصل في هذا اليوم، يوم أحد، وفي غزوة أحد. لكن الله عز وجل سلم نبيه عليه الصلاة والسلام، ومن معه من الصحابة، وحصلت وقتل أناس من المؤمنين، لكن الله عز وجل تقبلهم في الشهداء، ورضي عنهم، وعفا عنهم. فلذلك كانت ابتلاء لأهل الإيمان وللصحابة رضي الله عنهم. وكما قلنا، فإن فيها فوائد عظيمة ذكرها الإمام ابن القيم في "زاد المعاد"، فتراجع هذه الفوائد من هذه الغزوة. فإن شاء الله وتعالى نكمل في درس لاحق. صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله رب العالمين.