الدرس في قبس من السيرة النبوية 44، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
في المرحلة الجهرية لدعوة النبي، كان يبشر أصحابه بالنصر والتمكين رغم الاضطهاد، وكانوا يستبشرون بهذا ويزداد إيمانهم. من الأمثلة على ذلك ما حدث في غزوة الخندق حيث بشرهم بفتح الشام.
أخبر النبي بفتوحات عظيمة مثل فتح كُنوز كِسْرَى وانتشار الأمن والرخاء حتى يصير الرجل غنيًا. وقد تحقق بعض هذه المبشرات في عهد الصحابة.
النصر والتمكين للمسلمين في النهاية، سواء في ميدان القتال أو في ميدان الحجة والبيان، حيث يكون النصر دائمًا لصالح المسلمين إذا أقاموا الحجة.
العلماء مثل إمام أحمد وشيخ الإسلام تمسكوا بمبادئهم رغم الأسر، ويظهرون قوة في مواجهة التحديات مقارنة بالمعاندين المقيدين بالحديد.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، لَازِلْنَا أَخَوَانِي فِي اللَّهِ فِي ذِكْرِ السَّمَاتِ وَالْخَصَالِ الَّتِي يَسْتَفِيدُهَا الْمُسْلِمُ مِنْ سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَخَاصَّةً فِي الْمَرْحَلَةِ الْجَهْرِيَّةِ. وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ سِمَةِ هَذَا الْعَهْدِ وَهَذِهِ الْحِقْبَةِ الزَّمَنِيَّةِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِتَبْشِيرِ أَصْحَابِهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ. وَكَانَ هَذَا مِنْ الْغَرَائِبِ وَمِنْ الْعَجَائِبِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ الزَّمَنِيَّةِ كَانُوا فِي غَايَةِ مِنْ الذُّلِّ وَالِاضْطِهَادِ وَالِاسْتِضْعَافِ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يُسَوِّمُونَهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ. وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ مَعَنَا، إلَّا أَنَّهُ بِالْمُقَابِلِ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُزَكِّي نُفُوسَ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ يُوعِدُهُمْ بِوَعْدِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ، وَأَنَّ الْغَلَبَةَ لِهَذَا الدِّينِ، وَأَنَّهُ سَيَأْتِي زَمَانٌ تَصِيرُ الْمُدُنُ وَالْأَقَالِيمُ بِيَدِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَبِيَدِ الْمُسْلِمِينَ. فَكَانَ الْكُفَّارُ يَتَسَامَعُونَ لِمِثْلِ هَذِهِ الْآثَارِ وَلِمِثْلِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، فَكَانُوا يَتَّخِذُونَهَا هُزْوًا. ذَكَرَ أَهْلُ السِّيرِ أَنَّ الْمَلَأَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ إذَا مَرَّ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ قَامُوا يَتَغَامَزُونَ وَيَتَضَاحَكُونَ، وَيَقُولُونَ: جَاءَكُمْ مَلُوكُ الْأَرْضِ، جَاءَكُمْ مَلُوكُ الْأَرْضِ، ثُمَّ يُضْحِكُونَ وَيُصَفِّقُونَ وَيُصَفِّرُونَ اسْتِهْزَاءً وَاسْتِخْفَافًا بِأَصْحَابِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلَمَّا كَانَ يَصِلُهُمْ مِنْ تِلْكَ الْأَخْبَارِ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ بِالنَّصْرِ وَالْغَلَبِ وَالتَّمْكِينِ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْوَادِي كَثِيرَةٌ. مِنْ ذَلِكَ مَا مَرَّ مَعَنَا فِي حَدِيثِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عِنْدَمَا شَكَا لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا يَجِدُهُ مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ، فَأَخْبَرَهُ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِحَالِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الدِّينِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «هَذَا الْأَمْرِ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ قَوْمٌ تَسْتَعْجِلُونَ». فَأَخْبَرَ نَبِيُّنَا أَصْحَابَهُ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي زَمَانٌ أَنَّ هَذِهِ الرِّقْعَةَ -وَهِيَ أَرْضُ مَكَّةَ وَمَا سَيَأْتِي وَمَا سَيَتْبَعُ إلَى أَرْضِ الْيَمَنِ- حَتَّى إنَّ الرَّاكِبَ يَسِيرُ مِنْ صَنْعَاءَ إلَى حَضْرَمَوْتَ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا فِي ظِلِّ الْوِلَايَةِ وَفِي ظِلِّ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ. فَكَانَ هَكَذَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُلْقِي فِي رَوْءِ أَصْحَابِهِ رُوحَ الْأَمَلِ حَتَّى يَزْدَادُوا إيمَانًا مَعَ إيمَانِهِمْ، وَيَزْدَادُوا تَثْبِتًا فِي دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَتَمَسُّكًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ. وَكَذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُبَشِّرَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا جَاءَ كَذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ مَعَنَا. فَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ فِي أَحْلَكِ الْمَوَاقِفِ؛ إذْ حُوْصِرَ الصَّحَابَةُ فِي الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُمْ الْأَحْزَابُ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ بِأُلُوفِهِمْ، بِجُمُوعِهِمْ، بِكَثْرَتِهِمْ، بِعَدَدِهِمْ وَعُدَّتِهِمْ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ الْآلَافُ وَالْآلَافُ، هَؤُلَاءِ إذَنْ قَضَوْا عَلَى الْمَدِينَةِ، لَا زَالُوهَا وَاسْتَأْصَلُوهَا عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهَا. فَكَانَ الْخَوْفُ قَدْ مَلَأَ قُلُوبَ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَصَبَّ ذَلِكَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. زُلْزِلَ وَخَوْفٌ شَدِيدٌ وَقَعَ فِي قُلُوبِ الْأَصْحَابِ. لَكِنِ انْظُرُوا إلَى حَالِ الْقَائِدِ وَإِلَى حَالِ الْمُرَبِّي وَالنَّبِيِّ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِحَبْلِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. جَاءَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَهُوَ يُخْبِرُ عَنْ عَمَلِهِمْ فِي حَفْرِهِمْ لِلْخَنْدَقِ، قَالَ: «فَاعْتَرَضَتْنَا صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ لَا تَأْخُذُ مِنْهَا الْمَعَاوِلُ، مَهْمَا ضَرَبُوهَا بِالْمِعْوَلِ لَمْ تَزْدَدْ إلَّا صَلَابَةً». قَالَ: «فَشَكَوْنَا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَامَ نَبِيُّنَا حَتَّى أَتَى إلَى الْخَنْدَقِ، فَأَتَى بِالصَّخْرَةِ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ ضَرَبَ الصَّخْرَةَ ضَرْبَةً عَظِيمَةً، فَقَالَ عَلَى إثْرِهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إلَى قُصُورِهَا الْحُمْرِ السَّاعَةَ -أَيْ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى قُصُورِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ وَأَهْلِ... وَأَهْلِ الرُّومِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ-، ثُمَّ أَخَذَ الْمِعْوَلَ وَرَفَعَهُ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ ضَرَبَهَا الضَّرْبَةَ الثَّانِيَةَ، وَفِي خِلَالِ الضَّرْبَةِ الْأُولَى تَفَتَّقَ أَوْ تَكَسَّرَ جُزْءٌ مِنْ الصَّخْرَةِ، فَفِي الثَّانِيَةِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ ضَرَبَهَا، فَانْهَدَّ شَيْءٌ مِنْ الصَّخْرَةِ، فَقَالَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ فَارِسَ، أُعْطِيتُ فَارِسَ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إلَى قُصُورِ الْمَدَائِنِ الْآنَ -أَوْ إلَى قُصُورِ الْمَدَائِنِ الْأَبْيَضِ- وَثُمَّ أَخَذَ الْمِعْوَلَ لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَضَرَبَهَا ضَرْبَةً ثَالِثَةً، وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ بَعْدَمَا تَكَسَّرَتْ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إلَى أَبْوَابِ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا. أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، مَفَاتِيحَ فَارِسَ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَهُوَ أَيْنَ؟ لَا زَالَ فِي الْخَنْدَقِ، وَالْكُفَّارُ يُتَرَبَّصُونَ بِهِ الدَّوَائِرَ، وَأَصْحَابُ مَاذَا؟ قَدْ بَلَغَ بِهِمْ الْخَوْفُ مَبْلَغًا، وَمَعَ ذَلِكَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَطْمَئِنٌ بِوَعْدِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، مَطْمَئِنٌ بِوَعْدِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، يُبَثُّ فِي قُلُوبِ أَصْحَابِهِ مَاذَا؟ الْغَلَبَةَ وَالنَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ، وَأَنَّ الدِّينَ سَيَكُونُ هَذَا هُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ، وَعَلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ وَالْأَقَالِيمِ. وَهَكَذَا مَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ هَذِهِ الْمُبَشِّرَاتِ. يَقُولُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَإِذَا بِرَجُلٍ أَتَى، وَشَكَا إلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْفَاقَةَ -أَيْ الْفَقْرَ وَالضَّنْكَ-، ثُمَّ ذَهَبَ، فَجَاءَ الْآخَرُ، وَشَكَا إلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَطْعَ السَّبِيلِ -أَيْ قَطْعَ الطُّرُقِ مِمَّنْ يَعْنِي يُعْتَرِضُ الْقَوَافِلَ وَيُعْتَرِضُ أَهْلَ السَّفَرِ-، فَشَكَا إلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. قَالَ عَدِيٌّ: «فَالْتَفَتَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: يَا عَدِيُّ، أَرَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَها، وَلَكِنِّي أُنْبِئْتُ عَنْهَا». فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَا عَدِيُّ، لَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، انْظُرْ يَا أَخَوَانِي إلَى وَعْدِ اللَّهِ، لَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الضَّعِينَةَ -أَيْ الْمَرْأَةَ- تَرْتَحِلُ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ». قَالَ عَدِيٌّ: «فَقُلْت فِي نَفْسِي: فَأَيْنَ دَعَارَةُ طَيِّ الَّذِينَ سَعَرُوا فِي الْبِلَادِ؟ وَأَيْنَ قَطْعُ الطُّرُقِ؟ أَيْنَ اللُّصُوصُ؟ أَيْنَ الْمُرْتَزِقَةُ فِي الطُّرُقَاتِ؟ وَنَبِيٌّ يُخْبِرُ؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي زَمَانٌ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ... لَيْسَ جَيْشٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَرَسٌ، إنَّمَا امْرَأَةٌ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ». قَالَ: «فَقُلْت فِي نَفْسِي: فَأَيْنَ دَعَارَةُ طَيِّ الَّذِينَ سَعَرُوا فِي الْبِلَادِ؟». ثُمَّ قَالَ: «يَا عَدِيُّ، لَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاتِي لَتَفْتَحَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى». فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ»، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَدِيُّ، لَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاتِي لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يَخْرُجُ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ -أَوْ مِنْ فِضَّةٍ- يُرِيدُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ» -أَيْ يَعُمُّ الرُّخَاءُ وَيَعُمُّ السَّرَّاءُ فِي الْأُمَّةِ، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ بِالْمَالِ الْكَثِيرِ، أَحَدٌ يَطْلُبُ هَذَا مِنْ النَّاسِ؟ يَغْنِي عَنْ مَالِهِ-. قَالَ عَدِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «وَقَدْ تَحَقَّقَتْ فِيهِ الْآيَةُ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَطَالَ فِي عُمُرِهِ». فَقَالَ عَدِيٌّ: «فَكُنْتُ... فَقَالَ عَدِيٌّ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْحِيرَةَ، فَرَأَيْتُ الضَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ، فَأَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْنِي، تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ، عَمَّا أَمْضَى السُّلْطَةَ، وَعَمَّتْ كَذَلِكَ الدَوْلَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، حَتَّى عَمَّتْ هَذِهِ الْبُلْدَانَ، وَعَمَّ مَعَهَا الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ، فَأَخَذَ النَّاسُ يَرْتَحِلُونَ هُنَا وَهُنَاكَ تَحْتَ ظِلِّ الْخِلَافَةِ، وَلَا أَحَدَ يَخَافُ مِنْ أَحَدٍ». قَالَ: «فَقَدْ رَأَيْتُ الضَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ»، ثُمَّ قَالَ: «وَلَقَدْ كُنْتُ مِمَّنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ». سُبْحَانَ اللَّهِ، فِي عَهْدِ نَبِيٍّ كَانَ مُسْتَشْكَلًا، وَكَانَ مُسْتَبْعَدًا أَنْ تُفْتَتَحَ كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَمَا هِيَ إلَّا أَيَّامٌ وَأَعْوَامٌ وَسِنُونَ قَلِيلَةٌ، إذْ بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ مُسْتَبْعَدًا هَذِهِ الْحَادِثَةَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ: «وَلَقَدْ كُنْتُ مِمَّنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ». بَقِيَتْ الْآيَةُ الثَّالِثَةُ مَا رَآهَا. فَقَالَ: «وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاتِي -انْظُرْ لِلرَّجُلِ إذَا مَاذَا؟ إذَا دَخَلَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، وَصَدَقَ بِوَعْدِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، مَا يَشُكُّ بِوَعْدِ اللَّهِ وَعِيدِهِ جَلّ وَعَلَا-، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِ الْأَسْبَابِ: وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاتِي لَتَرَوُنَّ الرَّجُلَ يَخْرُجُ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، يُرِيدُ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ». هَكَذَا قَالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَفِي هَذَا أَخَوَانِي فِي الْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُبَشِّرَاتِ لَهَا مَاذَا؟ لَهَا آثَارٌ، بَلْ لَهَا وَاقِعٌ مَلْمُوسٌ. وَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْمُبَشِّرَاتِ أَخَوَانِي فِي اللَّهِ نَأْتِي إلَى مِثَالٍ مُهِمَّةٍ، وَهِيَ الْمَاحِيَةُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِبَابِ الْمُبَشِّرَاتِ وَالْغَلَبَةِ وَالتَّمْكِينِ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ الشَّرْعُ الْكَرِيمُ. مِنْ ذَلِكَ أَخَوَانِي فِي اللَّهِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَلِلْأَهْلِ الْإِسْلَامِ. يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ؛ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُؤْمِنِ، وَأَنَّ النَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ. قَالَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «بُشِّرَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِالسَّنَاءِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ، بِالسَّنَاءِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ». فَالْتَّمْكِينُ لَاحِقٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَا مَحَالَةَ. وَبِهَذَا نَعْلَمُ خَطَأَ وَخَلَلَ وَضَعْفَ بَعْضِ مَنْ الْخَائِفِينَ -مِنْ الدُّعَاةِ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ-؛ كَمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَرُبَّمَا ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، أَوْ لَرُبَّمَا تَهَاوَنَ فِي شَرْعِ دِينِهِ بَعْدَمَا رَأَى أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ ضَعُفَ، أَوْ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا تُرْفَعُ لَهُ رَايَةٌ إلَّا وَقَدْ ضُرِبَ، أَوْ قَدْ نُكِّلَ بِهِ، أَوْ تُسْقِطُ رَايَاتُهُ، فَظَنَّ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَنْ تَقُومَ لَهُ قَائِمَةٌ، فَأَصْبَحَ يَشُكُّ فِي وَعْدِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَلَا يُبَالِي بِنَصْرَةِ هَذَا الدِّينِ. وَهَذَا أَخَوَانِي فِي اللَّهِ مِنْ الِانْهِيَازِيَّةِ فِي الْفِكْرِ. بَلْ الْمُسْلِمُ لِمَاذَا يَثِقُ وَيَطْمَئِنُّ لِوَعْدِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا؟ وَالْأَمْرُ الثَّانِي أَخَوَانِي فِي اللَّهِ: لَيْسَ مَعْنَى النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ أَنَّ النَّصْرَ يَكُونُ لَا مَحَالَةَ مَعَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ دَائِمًا وَأَبَدًا فِي السَّاحَةِ. بَلْ رُبَّمَا أَنَّ الْبَاطِلَ يَنْتَصِرُ، نَعَمْ، قَدْ يَنْتَصِرُ الْبَاطِلُ أَحْيَانًا، كَمَا يَقَعُ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ، فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ تَرَى الدَوْلَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ تَسْقُطُ، فَيَأْتِي أَنْ تَكُونَ غَلَبَةً لِلنَّصَارَى وَلِلْكُفَّارِ وَلِلْمُشْرِكِينَ، فَيُسَوِّمُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ سُوءَ الْعَذَابِ، هَذَا قَدْ يَقَعُ. لَكِنَّ الْعِبْرَةَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِالنِّهَايَاتِ، الْعِبْرَةُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِالنِّهَايَاتِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. كَتَبَ اللَّهُ الْأَغْلَبِيَةَ لَنَا وَلِرُسُلِنَا. وَهُنَا أَخَوَانِي فِي اللَّهِ كَذَلِكَ نَنْتَبِهُ عَلَى مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّمْكِينِ. يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: إنَّ النَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ إنْ كَانَ فِي بَابِ السَّيْفِ وَالسِّنَانِ، فَهُوَ كَمَا سَمِعْتُمْ تَارَةً بِتَارَةٍ، تَارَةً تَكُونُ غَلَبَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَارَةً تَكُونُ غَلَبَةً لِأَعْدَاءِ الدِّينِ. مَعْنَى ذَلِكَ: لَا مُسَاوَاةَ، مَعْنَى الْأَصْلِ لَا مُسَاوَاةَ، حَتَّى إنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ لَوْ أَنَّهُمْ غُلِبُوا مِنْ قِبَلِ الْكُفَّارِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُسَامُونَ بِالْكُفَّارِ. وَلِهَذَا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ عِنْدَمَا وَقَعَ مَا وَقَعَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَذَهَبَ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ مِنْ الشُّهَدَاءِ، قَامَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَرَادَ فِي حَالِ كُفْرِهِ طَبْعًا أَنْ يَتَهَكَّمَ بِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ. قَالَ: «يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ -يَعْنِي قَالَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ؛ لِأَنَّ فِي بَدْرٍ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ، وَالْآنَ أَنْتُمْ انْهَزَمْتُمْ- يَعْنِي يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ». فَقَامَ نَبِيُّنَا وَأَمَرَ عُمَرَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قَائِلًا: «لَا سَوَاءَ، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ». قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، فَلَا مُسَاوَاةَ. فَإِنَّ النَّصْرَ فِي الْأَصْلِ أَخَوَانِي فِي اللَّهِ لَاحِقٌ لَهُ الْإِيمَانُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. لَكِنَّ فِي الظَّاهِرِ نَعَمْ، فِي الظَّاهِرِ تَارَةً تَكُونُ الرَّايَةُ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَتَارَةً تَكُونُ الرَّايَةُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَالشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَالْعِنَادِ. هَذَا إذَا جِئْنَا فِي بَابِ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي بَابِ السَّيْفِ وَالسِّنَانِ. لَكِنَّ فِي بَابِ الْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ وَاللِّسَانِ، فَإِنَّ الْغَلَبَ وَالتَّمْكِينَ دَائِمًا وَأَبَدًا مَعَ الْإِسْلَامِ، لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَا رَيْبَ. فَرَّقُوا الْآنَ بَيْنَ نَصْرٍ وَتَمْكِينٍ يَكُونُ تَارَةً بِتَارَةٍ، تَارَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَتَارَةً لِلْكُفَّارِ، هَذَا فِي أَيِّ سَاحَةٍ؟ فِي سَاحَةِ الْقِتَالِ، فِي سَاحَةِ الْجِهَادِ، مَا يُسَمَّى بِالسَّيْفِ وَالرِّمَاحِ وَالسِّنَانِ، تَارَةً بِتَارَةٍ. لَكِنَّ الْقِتَالَ فِي مَيَادِينِ الْعِلْمِ، وَفِي مَيَادِينِ إقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَمَا يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ بِالْبَيَانِ وَاللِّسَانِ، فَإِنَّ النَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ دَائِمًا وَأَبَدًا، أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ، لَا يُشَقُّ لَهُمْ غُبَارٌ فِي هَذَا فِي بَابِ الْحُجَّةِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ. وَرَجَعَ الْمُخَالِفُ، لَا أَحَدَ يُغْلِبُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَنِدُونَ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَلِهَذَا رُبَّمَا تَجِدُ أَنَّ الْمُسْلِمَ -مَثَلًا أَوْ السُّنِّيَّ فِي زَمَنٍ هُوَ مُسْتَضْعَفٌ أَيْ مَاذَا؟ بِعَدَدِهِ؟ بِعُدَّتِهِ؟ مُسْتَضْعَفٌ مَرْبُوطٌ بِالْحَبَالِ، مَرْبُوطٌ بِالْحَدِيدِ، مَرْبُوطٌ بِمَا هُوَ مَرْبُوطٌ فِيهِ، مَاذَا؟ تَحْتَ ذُلِّ السُّلْطَةِ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ الظَّالِمِ. لَكِنِ انْظُرْ إلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ بِالْحَدِيدِ، لَوْ عُرِضَ إلَى بَابِ الْعِلْمِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، لَا يُغْلَبُ أَلْفَ عَالِمٍ، كَمَا وَقَعَ لِإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَمَا وَقَعَ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. إمَامُ أَحْمَدَ كَانَ مَرْبُوطًا بِالْحَدِيدِ، مِنْ عُلِّقَ إلَى يَدِهِ وَإِلَى رِجْلَيْهِ، يُسَاقُ بِالْحَدِيدِ حَتَّى إنَّهُ كَانَ تَث