الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 89، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
اتفقت دعوة جميع الأنبياء على أصول العقيدة كالتوحيد والإيمان باليوم الآخر والأخلاق الفاضلة وتزكية النفس، كما دل عليه القرآن في صحف إبراهيم وموسى. بينما اختلفوا في كيفيات أداء العبادات وتفاصيل الشرائع كصفة الصيام والصلاة، وهذا الاختلاف في الفروع لا في الأصول.
يستعرض المقطع الأدلة العامة من القرآن على أن جميع الرسل دُعوا إلى توحيد الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. كما يسوق الأدلة الخاصة المفصلة من قصص نوح وصالح وهود وشعيب وإبراهيم وموسى ومحمد - عليهم السلام - الذين صرحوا لأقوامهم بإفراد العبادة لله وحده ونبذ الشرك.
يؤكد المقطع أن جميع الأنبياء اتفقوا على دعوة التوحيد وأصول العبادة والإيمان باليوم الآخر والأخلاق الفاضلة. بينما اختلفوا في تفاصيل الشرائع من حلال وحرام وكيفية أداء بعض العبادات ابتلاءً من الله وامتحاناً للأمم، كما ظهر في تحريم صيد السبت على بني إسرائيل دون غيرهم.
يختم المتحدث الجلسة مشيراً إلى أن مزيداً من التوضيح سيأتي في الأسئلة المستقبلية. ويكتفي بهذا القدر اليوم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: يقول الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال التاسع والثمانون: هل اتفقت دعوة الرسل فيما يأمرون به وينهون عنه؟ ومعنا السؤال: هل كل الأنبياء والمرسلين يدعون بدعوة واحدة، فيأمرون بأمور اتفقوا عليها وينهون عن أمور اتفقوا عليها، أو أن هناك اتفاقاً في قدر من الأمر والنهي واختلافاً في قدر آخر من الأمر والنهي؟ ولا شك أن الصواب هو الثاني، أي أن الأنبياء والمرسلين اتفقوا في قدر واختلفوا في قدر آخر من حيث الدعوة والأمر والنهي. فهذا هو معنى هذا السؤال. لذلك أجاب المؤلف بقوله: "اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم على أصل العبادة وأساسها وهو التوحيد، بأن يفرد الله تعالى بجميع أنواع العبادة اعتقاداً وقولاً وعملاً، ويكفر بكل ما يعبد من دونه". هذا القدر الذي اتفقوا فيه: العقيدة في الله عز وجل، سواء كان من جهة الألوهية، وهذا هو أصل اختلاف الأنبياء والمرسلين مع أقوامهم، الدعوة إلى توحيد العبادة، إلى توحيد الألوهية. وكذلك من جهة توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وكذلك ما يتفرع من هذه العقيدة وهذا الإيمان. والمراد بقولنا "ما يتفرع منهم" أي دعوتهم إلى الإيمان باليوم الآخر، وهكذا بالأخلاق الفاضلة من الصدق ومن الأمانة وغير ذلك. وهذا أيضاً موضع اتفاق بين الأنبياء والمرسلين. وكذلك من مواضع الاتفاق بين الأنبياء والمرسلين ما يتعلق بتزكية النفس وأصل العبادة. ويستدل على ذلك بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. "إن هذا" أي المتقدم، "إن هذا" يعني المتقدم: تزكية النفس والصلاة ونحو ذلك. ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾، أي مما أمر به بنو إسرائيل من اليهود، وكذلك مما أمر به أو أمر به النصارى. لأن ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. فدل ذلك على أن أصل العبادة كان مأموراً به. لكن الخلاف كما سيأتي معنا في كيفية أداء هذه العبادة. ومما يدل على ذلك أيضاً في أمر الصيام قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. إذن ممن كان قبلنا كتب عليهم الصيام. لكن هل كيفية صيامهم ككيفية صيامنا؟ الجواب: لا. الكيفية والطريقة في العبادة هذه ما تسمى بالشرائع، فهي تختلف كما سيأتي معنا في سؤال مستقل يتعلق بذلك. إذن الخلاصة: أن من أعظم ما اتفقت عليه الرسل في دعوتهم هي الدعوة إلى توحيد الله عز وجل والتحذير مما يضاده، وهو ماذا؟ وهو الشرك بالله عز وجل. وهذا له أدلة عامة، وله أدلة خاصة، أي أدلة مجملة وأدلة كذلك مفصلة. المراد بالأدلة المجملة: كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. "بعثنا في كل" كل من ألفاظ العموم، فكل نبي يُبعث إلى أمة أمره الله عز وجل أن يأمر هذه الأمة بتوحيده وإفراد العبادة له. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ﴾، و﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ﴾. "رسول" هنا جاء في سياق النفي، وهو نكرة في سياق النفي، فيفيد العموم. يعني كل رسول، يعني كل رسول بعثه وأرسله الله عز وجل، أوحى إليه ماذا؟ ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. هذان دليلاَن عامّان مجملان، يدلاّن على ما ذكره المؤلف: أن جميع الأنبياء والرسل يدعون إلى توحيد الله عز وجل. وهذا مما اتفقت عليه الرسل. وأما الأدلة الخاصة أو المفصلة: ففي قصص أنبياء الله عز وجل، أغلب المرسلين يصرحون لأقوامهم بإفراد العبادة لله عز وجل وحده. فعلى سبيل المثال: نبي الله نوح، وصالح، وهود، وشعيب. هؤلاء ماذا قالوا لأقوامهم؟ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾. وهذه دعوة إلى أي شيء؟ إلى التوحيد. وهكذا الخليل إبراهيم عليه السلام، ماذا قال لقومه؟ ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. وهذا هو النفي: لا إله إلا الذي فطرني، فإنه سيهدين. وهذا هو الإثبات، وهو معنى لا إله إلا الله، وهو معنى توحيد الله عز وجل في العبادة. فهذا أيضاً من الأدلة الخاصة. وهكذا نبي الله موسى عليه السلام، ماذا قال لقومه؟ ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾. وقال: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. فقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي وحدوا الله، فأمر بتوحيد الله عز وجل. وقوله: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ تحذير من الشرك وبيان خطر الشرك بالله سبحانه وتعالى. فهي دعوة إلى التوحيد. وأكد نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، منذ أن بعثه الله عز وجل إلى أن توفى، وهو يدعو إلى توحيد الله عز وجل. ففي القرآن قوله سبحانه وتعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. نعم، أمره ربه عز وجل أن يقول لقومه ذلك، وامتثل أمر ربه، وكان يدعو الناس ويخرج إلى أسواقهم ويقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». وهكذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، لأنهم يعبدون غير الله، يعبدون اللات والعزى ومناة وهبل وغيرها وغيرها من تلك الآلهة الباطلة. فأمره ربه أن يتبرأ من تلك العبادات الباطلة ومن أهلها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. وهذا في القرآن كثير. فإذن هذه كلها دعوة الأنبياء والمرسلين. وهذا فيه، أيها الإخوة ومعاشر طلاب العلم، أهمية التوحيد، وينبغي للدعاة إلى الله عز وجل أن يركزوا على هذا الجانب، وأن يكون من أولويات دعوتهم، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي لفظ: «إلى أن يوحدوا الله». وقول المؤلف هاهنا: «فقد يفرض على هؤلاء من الصلاة والصوم ونحوها ما لا يفرض على الآخرين». بمعنى: ليس أصل الصلاة والصوم، وإنما المراد كيفية الصلاة والصوم. فقد سمعت قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. فكتب على من كان قبلنا. وهذا اتفاق بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في شريعته وبين من تقدمه من الأنبياء. وكذلك في الصلاة: تقدم قول الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. أي الأمر بتزكية النفس والصلاة مما جاء في صحف إبراهيم وموسى. وقال: «ويحرم على هؤلاء ما يحل للآخرين امتحاناً من الله»، كما هو معلوم في القرآن. ذكر الله عز وجل أنه حرم على بني إسرائيل الشحوم، وكذلك حرم عليهم أموراً كثيرة صارت لنا حلالاً. وقد اختص النبي صلى الله عليه وسلم بشرائع لم تكن في الأمم السابقة، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا سيأتي معنا، قوله عليه الصلاة والسلام... قوله عليه الصلاة والسلام أنه قال عليه الصلاة والسلام: فضلت على الأنبياء بخمس»، وذكر منها: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، وغير ذلك مما جاء في تخصيص هذه الأمة ببعض العبادات وبعض الشرائع. فهذا معنى قوله: «ونحو ما لا يفرض على الآخرين، ويحرم على هؤلاء ما يحل للآخرين امتحاناً»، أي ابتلاء من الله، كما قال الله عز وجل: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. فمثلاً: بني إسرائيل حرم عليهم صيد يوم السبت. وهل هو حرام علينا؟ ليس بحرام علينا. هذا كله ابتلاء. ﴿كَمَا نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. فالخلاصة من هذا الجواب: أن الأنبياء اتفقوا في دعوتهم على أمور، واختلفوا في دعوتهم على أمور. فمما اتفقوا فيه: أصل العبادة وأساسها وهو توحيد الله عز وجل، وما يتبع ذلك من الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه، ومن الأخلاق الفاضلة، ومن بعض أصول العبادات ونحو ذلك. واختلفوا في الشرائع، في الشرائع من الحلال والحرام ونحو ذلك. وسياتي مزيد بيان في بعض الأسئلة التي سيذكرها المؤلف فيما سيأتي إن شاء الله تعالى. نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر