الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 5، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع معنى الأسماء الحسنى بأنها الأسماء البالغة في الحسن والكمال، ويذكر شرطين لها: الكمال المطلق والجواز في الدعاء بها، مبيناً أنها غير محصورة وأن معرفتها أصل العلوم النافعة. كما يضرب مثالاً باسم الرزاق وأثر الإيمان به في طمأنينة القلب، ويفرق بين الأسماء المفردة والأسماء المركبة.
يوضح المقطع الفرق بين أسماء الله وصفاته، فالأسماء تدل على الذات وتتضمن الصفات بينما الصفات تدل على الصفة أو الفعل فقط. يفسر معنى استواء الرحمن على العرش عند السلف بأربعة معان: العلو، الارتفاع، الاستقرار، والصعود، ويؤكد وجوب التسليم لأسماء الله وصفاته.
يشرح المقطع معاني العزة والحكم لله تعالى مستدلاً بالآيات والأحاديث، مبيناً أن العزة هي الغلبة والمنعة، والحكم هو المنع من الظلم وإشاعة الخير. ويؤكد أن الله وسع كل شيء رحمة وعلماً، وأن عجز الإنسان عن الإحاطة بمخلوق صغير يدل على بطلان المجادلة في أسماء الله وصفاته.
ينبه المقطع إلى خطورة الكلام في أسماء الله وصفاته بلا علم، مستدلاً بآيات تثبت أن علم الله محيط بكل شيء بينما لا يحيط البشر به علماً. ويرد على فرق كالجهمية والأشعرية والمعتزلة الذين يعطلون الصفات أو يؤولونها بغير حجة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. لا نزال في هذا الجزء النافع، جزء الاعتقاد، الذي كتبه الإمام شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له، المتوفى سنة عشرين وستمائة للهجرة، رحمه الله تعالى. يقول رحمه الله تعالى: «له الأسماء الحسنى والصفات العلى، الرحمن على العرش استوى، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى». فالله عز وجل من خصائصه أن له أسماء حسنى، والأسماء الحسنى لفظ مبالغة من الحسن، الحسنى لفظ مبالغة من الحسن، أي عظيمة الحسن إلى منتهاه، عظيمة الحسن إلى منتهاه، بالغة في الحسن إلى نهايته، فأسماءه حسنى حسنى، أي أنها بالغة في الحسن والجمال المنتهى. فعندنا حسن، وعندنا أحسن، وعندنا حسنى. فكل ما سمى الله به نفسه من الأعلام فهو من أسمائه، ما سمى الله به نفسه من الأعلام فهو من أسمائه الحسن. والضابط في أسماء الله أنها ما كانت بالغة في الحسن، ما كانت بالغة في الحسن غايته ومنتهاه، وجاز أن يدعى بها، فهذا ضابط معرفة الاسم من أسماء الله عز وجل. يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، فدل على أن أسماء الله تضمنت شرطين حتى تكون أسماء لله: الشرط الأول أن تكون حسنا، أي بالغة في الحسن غايته ومنتهاه، والشرط الثاني أن يمكن أن يدعى بها. ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. وأسماء الله عز وجل غير محصورة، أسماء الله عز وجل غير محصورة، وأصل العلوم كلها معرفة معاني الأسماء الحسنى ودلالاتها ومقتضياتها، فإلى هذا يعود كل العلم النافع، العلم النافع يعود إلى معاني أسماء الله الحسنى ودلالاتها ومقتضياتها. وما في الكون شيء إلا وهو من مقتضى وأثر أسماء الله الحسنى، فهو الرزاق، فما يأتي في أيدي العباد من الرزق سواء كانوا مؤمنين أو كانوا من الكافرين أو كانوا من البشر والناس أو كانوا من الدواب أو غير ذلك، فالله هو الرزاق ذو القوة المتين، الله هو الرزاق ذو القوة المتين. فإذا علمت معنى معنى اسم الرزاق أيقنت أن الرزق من خصائص الله عز وجل، فهو الذي يملك الرزق، فإذا دعوته في سجودك في ظلمة الليل أو في وقت إجابة أو في مكان إجابة أو في موضع إجابة أو في محل إجابة كالسجود ونحوه، وتضرعت إلى الله وسألته الرزق الواسع، أعطاك الله الرزق الواسع لأن الله هو الرزاق، ولأنك دعوت الرزاق، ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، فقلت: يا رازق العباد، يا من هو الرزاق أرزقني، يا ربنا يا رزاق أرزقني، اللهم أنت الرزاق ذو القوة المتين فارزقني، ونحو ذلك من صيغ الدعاء، سواء مثل: اللهم أنت الرزاق، أو يا رازق العباد، أو يا رزاق أرزقني، أو نحو ذلك. هذا في اسم الرزاق، فإذا علمت أن الأرزاق كلها بيده سبحانه اطمأن قلبك، وعظم توكلك، وذهب خوفك، وزاد إيمانك، لأنك آمنت بمقتضى اسم الله الرزاق، وقس على ذلك سائر أسماء الله الحسنى والأسماء العظيمة. ولهذا يقول ابن القيم وابن تيمية: إن أسماء، إن العلم بأسماء الله هو أصل العلوم، وكل العلوم ترجع إلى العلم بأسماء الله الحسن، والإيمان بها والعمل بمقتضاها، وكل ما في الكون فهو من أثر أسماء الله الحسن، الله عز وجل لا يكون في كونه شيء إلا بأمره وبعلمه، فهو العليم وهو الحكيم وهو العزيز. أسماء الله عز وجل نوعان: نوع مفرد، مثل الرحمن، الله، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، هذه أسماء مفرد. وهناك نوع آخر من أسماء الله هي أسماء الله المضافة، مثل: ذو الجلال والإكرام، ذو القوة المتين، مالك يوم الدين، أرحم الراحمين، ونحو ذلك، هذه أسماء مركبة. الغالب على أمره، هذا من الأسماء المركبة، والله غالب على أمره، سريع الحساب، شديد العقاب، شديد العقاب، كل ذلك من أسماء الله المركبة. له الأسماء الحسنى والصفات العلا، والصفات هي ما وصف الله به نفسه، يسمى صفة ويسمى نعتا، وصف هذه الصفات بالعلا أي العالية علوا مطلقا، والصفات العلا. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ سبحانه، فوصف نفسه بأن له صفات هي المثل الأعلى سبحانه وتعالى، والصفات العلا. الفرق بين الأسماء والصفات: أن صفات، أن أسماء الله عز وجل فيها الدلالة على الذات وعلى الفعل أو الصفة، الدلالة على الذات وعلى الفعل أو الصفة، أما دلالة، أما أما الصفات فإنما تدل على الصفة أو الفعل، الصفات تدل على الصفة أو الفعل. فلفظ الجلالة الله، وكذلك الرحمن، يدل على ذات الله عز وجل، الله الرحمن يدل على ذات الله جل جلاله، ويدل على إثبات صفة الإلهية لله من ذلك الاسم الله، ويدل على إثبات صفة الرحمة من ذلك الاسم وهو الرحمن، وقس على ذلك، فالأسماء تتضمن الصفات وتدل على الذات، الأسماء تدل على الذات وتتضمن الصفات، وأما الصفات فتدل على صفات الله عز وجل أو أفعال الله جل جلاله. يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ثم مثل للصفات بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، هذه صفة من صفات الله عز وجل، واسم من أسماء الله سبحانه وتعالى. أين الاسم وأين الصفة عندك يا أبا حمز؟ تفضل: الرحمن اسم الله، وهو اسم مختص، أسماء الله قد تكون مشتركة، لكن اسم الرحمن من أسماء الله المختصة بالله، ولا يجوز أن يطلق على غير الله رحمن إلا في كلام الجاهلين. هذا الاسم الرحمن، والصفة: استوى على العرش، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، إذن على العرش استوى هي الصفة، وهي الاستواء، وأن الله مستو على عرشه. له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، واستوى معناها عند السلف يدور على أربعة معان: استوى عند السلف يدور معناها على أربعة معان، وهي: العلو، المعنى الأول العلو، والمعنى الثاني الارتفاع، والمعنى الثاني الارتفاع، والمعنى الثالث الاستقرار، والمعنى الرابع الصعود. هذه الأربعة المعان فسر بها الاستواء في كلام الصحابة والتابعين، فسروه بأحد أربعة معان: العلو، والارتفاع، والاستقرار، والصعود. ذكر هذا السلف الصالحون الذين لا تجوز مخالفتهم وتجب متابعتهم، ونظمها ابن القيم في نونيته فقال: «فلهم عبارات عليها أربع قد فصلت للفارس الطعاني فلهم عبارات عليها أي على معنى الاستواء، على معنى الاستواء: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فلهم عبارات عليها أربع قد فسرت، قد حصلت للفارس الطعاني، وهي: استقر، وقد علا، وكذلك ارتفع، الذي ما فيه من نكراني، وهي: استقر، وقد علا، وكذلك، وكذلك ارتفع، الذي ما فيه من نكراني، وكذاك قد صعد، الذي هو رابع، المعنى الرابع الصعود، أربع، وكذاك قد صعد، الذي هو رابع». وأبو عبيدة صاحب الشيباني يختار هذا القول في تفسيره، أدرى من الجهمي بالقرآن. أبو عبيدة معمر بن المثنى رحمه الله من أئمة اللغة، له كتاب في غريب القرآن، أي الألفاظ التي تفسر في القرآن وهي غريبه. إذن معنى العلو يدور على أربعة معان. ﴿لَهُ مَا الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾، هذا يدل على كمال علمه سبحانه وكمال ملكه سبحانه، فهو مالك ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، الكل ملكه سبحانه. ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، فيه إثبات صفة العلم بالبواطن والخفايا، وهذا من خصائص الله عز وجل، كما يعلم ظواهر الأشياء. ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، لا تخفى عليه خافية سبحانه وتعالى، يعلم ما في الضمائر وما تسره السرائر، يعلم السر وأخفى، هذا من صفات الله سبحانه وتعالى. أحاط بكل شيء علما، فهو سبحانه قد أحاط بكل شيء علما، يقول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، أحاط بكل شيء علما، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾، فهو سبحانه أحاط بكل شيء علما. فإذا كان الله قد أحاط بكل شيء علما، وسمى نفسه باسم، أو وصف نفسه بصفة، أو بفعل، فالواجب على من آمن أن الله قد أحاط بكل شيء علما أن يسلم لله الأمر، ولا يجادل في أسماء الله تعالى وصفاته العلا، ويقول: هذا لا يليق بالله، وهذا لا أثبته لله، وهذا لا أقر أنه من أسماء الله، ونحو ذلك، لأن الله قد أحاط بكل شيء علما، وأنت أيها المجادل لم تبلغ منزلة من يعلم ما يصلح وما لا يصلح، إنما تجادل بالجهل. فإذا كان الله أحاط بكل شيء علما، فالواجب التسليم له، ولما أثبته من الأسماء الحسن، ولما أثبته لنفسه من الصفات العلى، وأن لا تجادل في الله وتماري فيه وتنازعه فيما هو سبحانه قد أحاط به علما، وأنت جاهل لا تدرك شيئا. أحاط بكل شيء علما، وقهر كل مخلوق عزة وحكما. يقول رحمه الله: «وقهر كل مخلوق عزة»، فالله عز وجل له العزة المطلقة التامة، لله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. وفي الصحيح في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني، فمن ينازعني في ذلك عذبته»، أخرجه مسلم في صحيحه. العزة معناها الغلبة والمنعة، معنى العزة أي الغلبة والمنعة، وقهر، وقهر كل مخلوق عزة، أي غلبة، فهو الغالب سبحانه على كل شيء، والمنعة، وهو المانع سبحانه لما أراد سبحانه، فالعزة تدور على معنى الغلبة والمنع. وقهر كل مخلوق عزة وحكما. يقول الله: ﴿فَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، فالله سبحانه يحكم، لا معقب لحكمه، والله سبحانه خير الحاكمين، وهذا من أسماء الله عز وجل، هذا من أسماء الله عز وجل. في حديث هاني بن يزيد الذي كان يكنى أبا الحكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وفد إليه قومه، وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه، وفد معه ووفد قومه معه، فسمعهم يكنونه أبا الحكم، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو الحكم، وإليه الحكم»، ثم سأله وقال له: لماذا؟ قال: إنهم إذا اختصموا جاءوا إلي فحكمت بينهم فرضوا، قال: «ذاك شيء حسن»، قال صلى الله عليه وسلم: «ذاك شيء حسن»، ثم قال: «من أكبر أبنائك؟» قال: «أن لك من الولد؟» قال: «نعم»، قال: «من أكبرهم؟» قال: «شريح»، قال: «أنت أبو شريح». شاهد أن الله هو الحكم وإليه الحكم سبحانه وتعالى. ومعنى كلمة الحكم، معنى كلمة الحكم في لغة العرب، معنى كلمة الحكم: المنع من الظلم والفساد، وبث الخير في الناس، هذا معنى الحكم، المنع من الظلم والفساد، وبث الخير في الناس، هذا معنى الحكم. فالذي يمنع الفساد ويمنع الظلم ويبث الخير هو أرحم الراحمين، وهو خير الحاكمين سبحانه وتعالى. من هذا قول الشاعر: «أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم، أي منعوهم من السفه، إني أخاف عليكم أن أغضب». شاهد: «أحكموا» أي منعوهم من السفه، ودلوهم على الرشد. «أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم، إني أخاف عليكم أن أغضب». أحاط بكل شيء علما، وقهر كل مخلوق تحت أمر الله، يفعل ما يشاء، وقهر كل مخلوق عزة وحكمة، حكم الله نافذ، ووسع كل شيء رحمة وعلما، فهو سبحانه الواسع الذي عم خيره في الناس، هو سبحانه الواسع الذي عم خيره في الناس، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾، فهو سبحانه، فهو سبحانه رحمته تسع ذنوب العباد، رحمة الله عز وجل تسع ذنوب العباد وخطاياهم وتقصيرهم وتقصيرهم ومعاصيهم، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، فالله عز وجل يغفر لهم ذنوبهم لأنه محيط بهم وبأعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، سبحانه ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، وسع ربنا كل شيء علما. يقول رحمه الله: «ووسع كل شيء رحمة وعلما»، ومن جليل رحمة الله عز وجل ما يتراحم به المتراحمون، هذا من آثار رحمة الله عز وجل، ترحم الأم وليدها، والبهيمة مولودها، سبحان الله، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، هذه من صفات الله عز وجل أنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علم، سبحانه. وإذا عجز الإنسان عن الإحاطة يحاطه بمخلوق، فكيف يتجرأ على الله عز وجل؟ لو رأى هذا الجبل الذي بجوارنا، قلنا: هل تحيط به ببصرك؟ قال: لا، لأنه ينظر ها هنا فيخفى عليه هذا، وينظر ها هنا فلا يرى هذا، وينظر في الأعلى فلا يرى ما تحت، وإذا نظر إلى الوسط فأته الذي فوق الجبل، فهو لا يستطيع أن يحيط ببصره فيرى الجبل من كل الجهات، هذا في جبل أو مخلوق لا يستطيع أن يحيط به. لو وقف أمامه إنسان فنظر إليه لم يحط بما وراءه، لا يستطيع الإحاطة بما في ظهره، قد يكون يحمل شيئا في ظهره لا يراه، إذن أنت لم تحط علما بمخلوق تراه أمامك، فكيف تتجرأ على أسماء الله الحسن وصفاته العلا؟ هذا الذي يريده أبو محمد الموفق رحمه الله تعالى في هذه المقدمة البديعة. إذا كان الله قد أحاط بكل شيء علم، وأنتم لا تحيطون به علم، فلم تجادلون في أسماءه؟ لم تجادلون في صفاته سبحانه وتعالى؟ وكأنكم قد أحطتم بربكم علم، والله عز وجل يقول: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، فالواجب لمن لا يحيط بشيء علم ألا يتكلم بالجهل وبقلة العلم. فالجهمية والأشعرية والمعتزلة والكرامية والسالمية وغيرهم من أهل الأهواء والبدع يخوضون في أسماء الله وفي صفات الله بغير علم، فكأنه يرد عليهم ويقول: حينما تتأولون، وحينما لصفات الباري تعطلون، هل أنتم أحطتم بربكم علم؟ والله يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، ويقول سبحانه مثبتا العلم المطلق له: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، أحاط، وأن الله قد أحاط بكل