الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 6، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع منهج السلف الصالح في إثبات صفات الله كما وردت في القرآن والسنة بالقبول والتسليم، مع النهي عن الرد والتأويل والتشبيه. ويرد على انحرافات الجهمية على ثلاث درجات (الغلاة، المعتزلة، الكلابية والأشعرية)، مبيناً أن رد شيء من الصفات الثابتة كفر، وأن صرف النصوص عن ظواهرها بالعقل تحريف وضلال.
يشرح المقطع قاعدة ابن قدامة في التعامل مع نصوص الصفات، وهي وجوب الإيمان بها وإثبات معانيها الظاهرة اللائقة بالله دون تحريف أو تعطيل أو تشبيه. ويبين أن قوله "ما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه" ليس تفويضاً للمعنى بل استثناء للعالم الذي يخفى عليه فهم صفة معينة، فيؤمن بلفظها ويسكت عن كيفيتها.
يبيّن المقطع أن الواجب عند الإشكال في بعض آيات الصفات أو الأحاديث هو إثبات اللفظ، وتفويض المعنى إلى الله، ورده إلى المحكمات، اقتداءً بالراسخين في العلم، محذراً من اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة والتأويل الباطل كما يفعل أهل الزيغ.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله التوفيق لفهم كلام الأئمة والعمل بنصوص الكتاب والسنة، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لا زلنا في هذا الجزء النافع في عقيدة أهل السنة والجماعة والرد على أهل البدع. يقول المؤلف في كتابه المسمى بـ «لمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد»: «موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم، وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن، وجب الإيمان بها، وجب الإيمان به، وتلقيه بالقبول والتسليم، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل. وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله». اتباعاً لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله سبحانه عليهم في كتابه المبين، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. في هذا الموضع شرع المصنف رحمه الله في مضمون هذا الكتاب، فالأول كان توطئة بين يدي هذا الكتاب، والباقي هو الكتاب وهو المقصود في التأليف. فبدأ رحمه الله بهذه المسألة العظيمة وهي إثبات الصفات لله عز وجل. وهذا الباب ضلت فيه فئام، وانحرفت عن الحق فيه أقوام. أولهم الجهمية، أتباع الجهم بن صفوان، الذين أنكروا أسماء الله وصفاته، وقالوا: لو قلنا إن له أسماء وله صفات شبهناه بخلقه. هذا مضمون كلامهم. ثم جاءت منهم المعتزلة، ثم جاءت من الجهمية المعتزلة، وأثبتوا الأسماء وأنكروا الصفات. ثم جاءت الأشاعرة، ثم جاءت الكلابية والأشعرية، فأثبتوا أسماء الله وبعض صفاته، وتأولوا الباقي. الجهمية ثلاث درجات: الدرجة الأولى الغلاة، أتباع الجهم بن صفوان، وهؤلاء كفار عندهم، من نواقض الإسلام نحو ستة نواقض، كما تقدم ذكره في شرح عقيدة الرازيين، عند قول الإمام أبي حاتم وأبي زرعة: «والجهمية كفار». جلسنا مجلساً أو مجلسين في الكلام على هذه الكلمة من هذا الإمام: «والجهمية كفار». الدرجة الثانية من الجهمية هم المعتزلة، وهم مسلمون ضلال، إلا من أتى بناقض آخر، بناقض من نواقض الإسلام. الدرجة الثالثة من الجهمية هم الكلابية والأشعرية. هذه ثلاث درجات للجهمية، وكل هؤلاء يوصفون بأنهم جهمية، غير أنهم مراتب. ومن أصول ضلال هؤلاء انحرافهم في باب صفات الله عز وجل. والحقيقة أن ما أثبتوه من الأسماء لم يثبتوا ما في الاسم من الصفة، فكانوا منحرفين في باب أسماء الله التي يدعون إثباتها. والأشاعرة أثبتوا بعض الصفات، وفي إثباتهم لها نظر. المصنف رحمه الله كتب هذا للرد عليهم، وبيان باطلهم، وبيان منهج السلف الصالح وعقيدة أهل السنة والجماعة، وهو أنهم يعتقدون أن الله موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم. فما وصف الله به نفسه نؤمن به، وما وصف رسوله، وما وصف الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم نؤمن به. لا نرده كما سيأتي، ولا نتأوله، ولا نحرفه، ولا ننكره، ولا نجحده، ولا نبطله، ولا نشبهه، ونقول: كصفة هؤلاء المخلوقين، أو نحو ذلك مما هو من التشبيه بالخلق، ولا نمثله، فنقول: هو مثل صفة المخلوق، أو مثل بعض المخلوقات. كل ذلك من الأقوال المنكرة العظيمة. يقول المؤلف رحمه الله: «وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام». لا بد أن يكون صح، فأما ما لم يصح فإننا لا نثبت به عقيدة، إنما الذي نثبت به العقيدة ما صح وثبت، أو تلقاه الأئمة بالقبول كما سيأتي. «وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن، وجب الإيمان به، وتلقيه بالقبول والتسليم». والقبول يكون بالقلب، فيقبل، تقبل قلوبهم ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. والقبول يكون باللسان كذلك، فيقولون: قبلناها، أمرها كما جاءت، نؤمن بها، نثبتها على ما يليق، إلى غير ذلك. والتسليم، والتسليم نوع من الانقياد، أمر الله به. قال الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، إلى أن قال ربنا عز وجل في الآيات: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. لا بد من التسليم التام لما جاء عن الله عز وجل في كتابه العظيم، وما ثبت على لسان نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم. ومن لم يفعل ذلك فليس من المؤمنين حقيقة، بل هو من المدعين. يقول رحمه الله: «وتلقيه بالقبول والتسليم، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل». الرد أعظم خطراً من التأويل، وأعظم حكماً من التأويل، لأن الرد يتضمن الرفض والإنكار والجحد والتكذيب. الرد يتضمن الإنكار والجحد والرفض والتكذيب. فمن رد شيئاً من القرآن فقد كفر بإجماع المسلمين، ومن رفض شيئاً من القرآن فهو كافر بالله العظيم، ومن جحد شيئاً مما أنزله الله فهو كافر بالله العظيم، ومن كذب بشيء مما جاء به القرآن الكريم أو النبي العظيم صلى الله عليه وسلم فهو كافر بالإجماع. ولهذا فالرد كفر. الرد لصفات الله عز وجل، أو لآية من القرآن، أو لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، الأصل أنه كفر، ولا بد من إقامة الحجة على صاحبه. ثم قال رحمه الله: «وترك التعرض له بالرد والتأويل». والتأويل المراد به صرف اللفظ عن ظاهره، هذا هو التأويل. التأويل عند المتكلمين: صرف اللفظ عن ظاهره إلى مجازه. والأصل أن التأويل عندهم له قرينة، لكن القرينة عندهم هي العقل، وهو أن العقل يرفض أن يصف الله، أن يوصف الله بتلك الصفة. فهذا ضلال مبين. ولهذا فهم شبهوا ثم أولوا. فهم شبهوا ثم أولوا. فإذا قرأوا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، قالوا: المراد النعمة. وهذا تحريف. الصواب أن هذا ليس من التأويل، وإنما هو تحريف. الأولى أن يسمى تحريفاً، وإن كانوا هم يسمونه تأويلاً. لأن التأويل قد يراد به التفسير، وقد يراد به ما يؤول إليه حقيقة الشيء، ما يؤول إليه الشيء في حقيقته، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. تأويل رؤياي، أي حقيقتها التي وقعت وحصل، إذ رأيت الكواكب والشمس والقمر، وها أنا أراكم تحييونني بتحية السجود، وكانت مشروعة في شرعه. الحاصل أن هذا تحريف. النعم ليست نعمتين، بل نعم. قال الله: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. هذا لفظ عام. فالقول بأن المراد: بل نعمتاه مبسوطتان، غلط. لأن النعمة لا توصف بالبسط، وإنما توصف بالبسط الصفة التي هي اليد، على ما يليق بجلاله سبحانه. فهذا تحريف، وحكمه أنه كفر، لكن صاحبه متأول، تنزيهاً لله عز وجل. ولهذا قال ابن تيمية لهؤلاء: «لو قلت بقولكم لكفرت، وأنتم عندي لستم كفار». لو قلت بقولكم لكفرت، وأنتم لستم عندي كفار. لأن هذا القول كفر، الذي يقوله المعتزلة والأشاعرة كفر، لكن عندهم شبهة التأويل، فلولا وجود الشبهة لكفروا. فهم مسلمون ضالون مضلون منحرفون زائغون مفتونون، مسلمون، ولولا الشبهة لكان لهم حكم آخر. «وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه». التشبيه: أن يقول: يشبه صفة كذا من المخلوقات. والتمثيل: أو يقول: مثل صفة المخلوق. هذا هو التمثيل. والله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال رحمه الله: «وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه». هذه الجملة أشكلت على بعض المشايخ، هذه الجملة أشكلت على بعض أهل العلم والمشايخ، حتى قال بعضهم: إن ابن قدامة على مذهب المفوضة، الذين يفوضون المعاني ويثبتون الألفاظ مجردة عن معانيها وعن ظاهرها. وهذا غلط. فابن قدامة في كتابه هذا يرد مذهب المفوضة في مواضع عدة، كما سيأتي ذكره. هذا الفهم غلط. فابن قدامة رحمه الله يرد مذهب المفوضة في مواضع عدة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وله كتاب اسمه «ذم التأويل». من قرأه عرف أن هذا الإمام قائل بإثبات المعاني الظاهرة على ما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى. فهذا قول غلط من قائله، له فيه أجر واحد لأنه خطأ. قد يقول قائل: فما معنى كلامه وما توجيهه؟ قلنا: ارجع إلى سياق الكلام، ارجع إلى سياق الكلام وسباقه ولحاقه. فقد قال في الجملة التي قرأناها: قرر قاعدة عامة وأصلاً عاماً، وهو قال رحمه الله: «وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن، وجب الإيمان به، وتلقيه بالقبول والتسليم». وهذا لا يكون إلا إذا أثبتنا معانيه. «وجب الإيمان به، وتلقيه بالقبول والتسليم، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل». هذه قاعدة عامة في نصوص الصفات. في كل نص من نصوص الصفات نثبته ونؤمن به ونسلم له ونقبله، ولا نرده، ولا نعترضه، ولا نقول: تأويله كذا، أو هذا يشبه صفة المخلوق، أو هذا مثل صفات المخلوق. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. بل نؤمن به كما أراد الله عز وجل، على المعنى اللائق بالله عز وجل، على ظاهره اللائق بالله عز وجل. فاليد مثلاً صفة من صفات الله، واليد أيضاً صفة من صفات المخلوق. اليد أيضاً صفة من صفات المخلوق. قال الله في اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾. فاليهود والبشر لهم أياد، ولهم أياد، ولكل واحد منهم يدان. وللإبريق يد، تقول: خذ الإبريق بيده. وللبعير يد، وللنملة يد، وللفيل يد. لكن حقائق هذه الأياد مختلفة، لا يجمع بينها إلا الاسم. وللبعوضة يد، للبعوضة يد. لكن هذه المخلوقات كل له يد تليق به. فيد الفيل ليست مثل يد البعوض. البعوض لها يد تليق بها، والفيل له يد تليق به، والإبريق له يد تليق به. وليست حقيقة يد الإبريق كحقيقة يد الفيل، ولا حقيقة يد الفيل كحقيقة يد البعوض أو النملة. هذا في مخلوقات نراها ونبصرها. فكيف بالخالق الذي لا نعلم ذاته ولا ندرك صفاته سبحانه؟ ولله المثل الأعلى. أنت لا تدرك حقيقة أصبعك، من ماذا تركب، ومن أي شيء تكون، ولماذا أصبعك ينحني إلى كذا، ولماذا فيه ثلاثة أنامل، ولماذا كل أنملة فيها خطوط، ولماذا خطوطها دائرية وليست بالطول. أنت لا تدرك حقائق يدك وأصبعك. فكيف تتكلم في صفة الخالق العظيم الذي أحاط بكل شيء علماً؟ ولهذا نقول: نثبت لله ما أثبته لنفسه، على ما يليق بجلال الله عز وجل. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. إذا فهمت هذه القاعدة العامة، فإن العالم والعلماء يتفاوتون في العلم والإدراك. العلماء يتفاوتون في العلم والإدراك والفهم وغير ذلك. أفهام الناس وعلومهم ومحفوظاتهم هم فيها متفاوتون، هم فيها متفاوتون. ولهذا فقد يخفى على بعض أهل العلم معنى صفة من صفات الله عز وجل. قد يخفى على بعض أهل العلم معنى صفة من صفات الله، فيقول: لا أدري معناها، لكنه مؤمن بها، مسلم لها، لكنه لم يفهم معناها. فالإشكال عنده حاصل في ذلك الموضع. إشكال عنده، لا عند الناس كلهم، في فهمه هو، لا في فهم الناس كلهم. فهو لا يدرك، أو يتردد في معنى ذلك الموضع، أو معنى تلك الصفة. ما الواجب عليه؟ قال ابن قدامة رحمه الله: «وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه». الواجب عليه إذا لم تفهم، أو يتضح لك، وأشكل عليك: إثباته لفظاً، لا تحرف كلام الله. قل: آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. آمن، لكن لا تخض فيما لا تعلم. قال رحمه الله: «وترك التعرض لمعنى». لأنه غير متضح عنده. هذا معنى كلامه، وهذا الذي أراده رحمه الله. فهو كالاستثناء من القاعدة العامة. «وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى، وكل ما جاء في القرآن العظيم أو صح عن المصطفى الكريم، وجب إثباته». فإننا نؤمن به ونتلقاه بالقبول وبالتسليم. «وما أشكل من ذلك، ولا نتعرض له بالرد، ولا بالتأويل، والتشبيه والتمثيل». هذه القاعدة عامة في كل صفات. في أحد العلماء قد يقع الإشكال في فهمه، في علمه يتردد: ما معنى هذه الصفة؟ قد يقول قائل: هل عندك لما تقول أمثلة؟ الجواب: نعم، الأمثلة موجودة ومدونة. الأمثلة موجودة ومدونة في أحاديث وآيات، اختلف العلماء: هل فيها الصفة أم ليست فيها الصفة؟ هل هي صفة، وما معنى هذه الصفة؟ اختلافات كثيرة. كقوله سبحانه في قول الظالم لنفسه: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾. اختلف العلماء: هل نثبت لله صفة الجنب؟ اختلافاً كثيراً، طال من كني، من الأئمة المتقدمة من أثبته، وعد زلة قدم، وأثبته شيخ المشايخ الإمام عبدالعزيز بن باز رحمه الله. وقال آخرون: ليست لله هذه الصفة. أخذ وعطاء. ليس هذا موضع البحث والتحقيق فيها. الشاهد: أشكلت هذه الآية على بعض العلم. ما الواجب؟ يقول ابن قدامة: «وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله». نرد علمه إلى قائله، كما يأتي في القرآن الكريم، ونجعل عهدته على ناقله، كما يأتي في سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. فنقول: الله أعلم بمراده، الله ورسوله أعلم بمراده. يقول رحمه الله: «كلمة وما أشكل». الإشكال مأخوذ من الغموض. كلمة الإشكال تدور على معنى الغموض والخفاء والاشتباه. هذا ما تدور عليه كلمة الإشكال. «وما أشكل»، إشكال يدور على معنى الغموض والخفاء. ولهذا يسمى مشكلاً، وقد يسمى مشتبهاً أو متشابهاً، بمعنى أنه مشكل في تحقيق معناه، فيه غموض، فيه خفاء، فيه عدم ظهور، في حق العالم المعين، لا في نفس الأمر. هل هو مشكل في نفس الأمر؟ الجواب: لا. إنما الإشكال حصل أين؟ في فهم الفاهم، في نظر الناظر، في علم العالم. فالإشكال مخصوص بالعالم، وليس في نفس الآية أو الحديث إشكال في نفس الأمر. وإنما الإشكال في فهم الفاهم، في نظر الناظر، في علم العالم. يشكل عليه، يشكل عليه، يقال له: قال هذا مشكل عندي، أو مشتبه عندي. اشتبه علي معناه، غمض علي، خفي علي. هذا معنى هذا، معنى الإشكال. هذا معنى الإشكال. ولهذا كتب ابن قتيبة كتاباً عظيماً سماه «تأويل مشكل القرآن»، «تأويل مشكل القرآن». الإشكال وقع في نفس الأمر، أو في نظر الناظر؟ عندك يا زبير، الإشكال في نفس الآية ونفس الحديث مشكل، أو أنه الإشكال حصل في نظر الناظر والعالم إلى هذه الآية؟ في نظر الناظر وعلم العالم، أشكلت عليه معنى الآية، أشكل عليه معنى الحديث. فهذا إشكال عنده، قد يكون عند غيره في غاية الوضوح. قد يقول غيره: أنا أراها كالشمس في كبد السماء وضوحاً وجلاءً وبياناً. ألف ابن قتيبة كما تقدم «تأويل مشكل القرآن». ألف أيضاً، حاول أيضاً له كتاب في المشكل، «مشكل الآثار»، يعني أحاديث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول رحمه الله: «وما أشكل، اتباعاً لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله سبحانه عليهم في كتابه المبين، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾». هذا منهج الراسخين في العلم. ما جاء عن الله لا نرده، بل نؤمن به. إذا لم نفهمه قلنا: الله أعلم بمراده. في هذا عندي خفاء، لكني أمرها كما وردت، ولا أتعرض لها بالتأويل، كشأن الزائغين. قال رحمه الله: «وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه التنزيل». المتشابه له عدة معانٍ: منها المشكل على بعض الناس، يسمى متشابهاً، وفسرت الآية بهذا. وقيل المتشابه غيره، وهو ما لم يعلم حقيقته أيضاً. هذا معنى من معاني المتشابه. «وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه التنزيل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾». في هذا الموضع من الآية بيان منهج أهل السنة والجماعة، وهو الأخذ بمحكمات النصوص، وهي الأمور الواضحة الجلية، والتمسك بها. فإذا أشكل عليهم نص أو آية أو حديث، ردوه إلى المحكم. فعندهم محكمات هي مسلمات لا يجادل فيها، واضحة بينة. وعندهم بعض المواضع قد يحصل فيها اشتباه، فيقولون: نرد المحكم، نرد المتشابه إلى المحكم. لكن أهل الزيغ، وهذا مرض في القلب، عندهم مرض في قلوبهم، في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضاً. ما منهجهم؟ يأخذون المتشابه ويجعلونه أصلاً لهم، يشبهون ويشغبون به على المحكمات، ويطالبون برد المحكمات إلى المتشابه، ويقولون: نحن نريد التأويل والفهم. وهم إنما يريدون الفتنة، عياذاً بالله. قال الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. هذا قصدهم، وهذا نيتهم، وهذا مرادهم: ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وهم عاجزون عن ذلك. قال الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. قيل المعنى: وما يعلم حقيقته إلا الله. وينبني على هذا الوقف في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾، ما معناه؟ هل هو وقف لازم أم هو وقف جائز؟ وكذلك الواو في ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾، تفاصيل عند أهل العلم، ليس هذا موضع بسطها. الشاهد: قال رحمه الله: «فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه، وما يعلم تأويله إلا الله، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾». هذا الموضع له أمثلة. مثلاً: ذكر الحافظ ابن رجب في كتابه النافع «شرح حديث اختصام الملأ الأعلى»، وهو في حديث رؤيا المنام: «رأيت ربي في أحسن الصورة». يقول الحافظ ابن رجب: «وأما وصف النبي صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل بما وصفه به، فكل ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم به ربه عز وجل فهو حق». انظروا للعلماء: «فكل ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم به ربه عز وجل فهو حق وصدق، يجب الإيمان به والتصديق به، كما وصف الله عز وجل به نفسه، مع نفي التمثيل عنه». ثم قال: «ومن أشكل عليه فهم شيء من ذلك واشتبه عليه، فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العلم، وأخبر عنهم أنهم يقولون عند المتشابه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: في القرآن ما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه». أخرجه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما. «ولا يتكلف ما لا علم له، فإنه يخشى عليه من ذلك الهلكة». انتهى المراد. فهذا هو مراده رحمه الله، وبسط الكلام، وذكر الأمثلة، وذكر النقاش في مقدمة هذه الرسالة الموجودة بين أيديكم، إن شاء الله تعالى، في وجوه كثيرة. أسأل الله عز وجل أن يوفقنا لحسن الفهم لكلام الأئمة، لحسن العمل بنصوص الكتاب والسنة، وأن يعيننا على تقواه ورضاه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر