الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 132، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش حكم الشهادة بالجنة لأحد معين، سواء كان حيًا أو ميتًا، ويبين أن هذا الأمر لا يجوز لأحد إلا إذا شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم. يستدل على ذلك بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية.
يتناول مسألة الشهادة للناس بدخول الجنة، ويفرق بين الشهادة العامة والتعيين، ويشير إلى أن التعيين لا يجوز إلا لمن شهد لهم النبي بالجنة. يحذر من الشهادة للناس بالجنة بدون دليل شرعي.
يناقش مسألة الشهادة لشخص بالجنة، ويبين آراء العلماء في ذلك، حيث يرى البعض جوازها لمن استفاض خبره واشتهر بالصلاح. يستعرض استدلالهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في الجنازتين.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يؤكد على علم الله تعالى المطلع.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن لم يشهد لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فهو صاحب بدعة وضلالة، شاك فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الفقر، إخواني في الله، في حكم المؤلف رحمه الله تعالى على من اعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكامه. فحكم نبينا لطائفة من الناس ولأعيان من الأشخاص بأنه من أهل الجنة، ما ينبغي أن يستدرك، فقول القائل مصححًا ومستدركًا على نبينا عليه الصلاة والسلام بقول: بأن فلانًا في الجنة، وتقول: لا، ليس في الجنة، هذا إعراض عن نبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال المؤلف: هو صاحب بدعة وضلالة، بل إن من أهل العلم من أطلق الكفر، وقال: بأنه كافر. فمن شهد له نبينا صلى الله عليه وسلم بالجنة، فإنه يشهد له بالجنة، وهذه المسألة، أخواني في الله، الشهادة بالجنة من المسائل التي ينبغي أن ينبه عليها؛ لوجود الخطأ في أحكام الناس، وخاصة في هذه الأزمان، في حكمهم على شخص ما. فمن منهج أهل السنة والجماعة أنه لا يشهد لأحد بأنه من أهل الجنة، لا تجزم ولا تخصص ولا تعين كائنًا من كان بأنه من أهل الجنة، فهذا ليس لك. وهذه المسألة يقول علماء رحمهم الله تعالى: حكم عدم الجواز بأنك تجزم بأنه فلان من الجنة؛ لأن هذا من باب الشهادة. وما هي الشهادة؟ الشهادة هي الإخبار بعلم، الإخبار بعلم، هذه الشهادة. فكونك تقول: بأنه فلان في الجنة، هذا جزم، وكأنك علمت من الله جل وعلا بأن الله قد أطلعك بأنه من أهل الجنة. ومن هذا الذي يتألى على الله جل وعلا بأن الله أطلعه على أنه فلانًا في الجنة؟ سواء كان هذا الذي عين في مياه الأحياء أو كان من الأموات، لا تجزم لهذا ولا تجزم لذاك. فمثلًا، لو أن رجلًا من الأحياء تقول: ترى من صلاحه، وترى من استقامته، ومن تدينه، تقول: فلان في الجنة، هذا رجل من أولياء الله، هذا من أهل الجنان، فهذا لا يجوز. وجه عدم جواز ذلك؛ لأنك لا تدري بماذا يختم له. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الدالة على أن الأعمال بالخواتيم، وإن الرجل لربما يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار. فالرجل لربما في دنيا في بداية أمره على صلاح وسداد ورشاد وهدى وتقى، لكن لربما في نهاية أمره أن يؤول أمره إلى الانحراف. بل أهل الصلاح، وهم أهل الصلاح، كذلك كانوا على تخوف من ماذا؟ أن يسلبوا من نعمة الصلاح: «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا»، «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا». ونبينا صلواته ربي وسلامه عليه كان من دعائه، وكان يستعيذ بالله من الحور بعد الكور، ويستعيذ بالحور بعد الكور، أي الرجوع بعد التقدم. فإذا كان هذا في حق الصالحين، وفي حق الأنبياء، في باب أولى، فما ينبغي إذا كان المسلم هو بنفسه لا يستطيع أن يجزم بأنه يستمر على الخير حتى يلقى الله، فكيف يأتي آخر ويحكم عليك يا عبد الله بأنك من أهل الجنة، أو تحكمون على أن فلانًا من أهل الجنة؟ هو في الحياة الدنيا، هذا لا يتأتى لأحد، لا يتأتى لأحد؛ لأن الأعمال بالخواتيم. وهكذا بالممات، حتى ولو أن رجلًا من الناس مات، ورأيت من صلاحه، ورأيت من تدينه، وأنه مات على حسن خاتمة، فكذلك لا تجزم له بالجنة، لا تجزم له بالجنة؛ لأنه قد أفضى إلى ما قدم، أفضل إلى مولاه، فالله أعلم به، الله أعلم به. ومن هنا كانت أقوال علماء في عدم جواز الحكم بالشهادة على من مات في سبيله، ولو كان في ساحة الجهاد، ولو كان في ساحة القتال، قتل من قبل أعداء الدين، نرجو له الشهادة. وأثر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مشهور في هذا الباب، بأنه: ماذا تقولون؟ فلانًا شهيدًا؟ الله أعلم من يقتل في سبيله، الله أعلم من يقتل في سبيله. كم من رجل ربما يذهب إلى ساحة الوغى، وترى أن ظاهره الذب عن الدين، وربما في باطنه أمرًا آخر، أراد الدنيا، أراد حظًا، قاتل حمية، قاتل عصبية، قاتل مكرها، ليس له رغبة في القتال، فغير ذلك من الأمور. فإذا هذا هو مات على حسن خاتمة، ومع ذلك لا يجزم له، لا يجزم له بالجنة. فهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة أنك لا تجزم لأحد في الجنة، لا من الأحياء كما قلنا؛ لأن الأعمال بالخواتيم، ولا كذلك للأموات؛ لأنهم قد أفضوا إلى ما قدم، والله أعلم بأمورهم، ببواطنهم وبظواهرهم. هذا، أخواني في الله، فيما يتعلق إذا كان كونك تحكم بالجنة لأحد معين. أما إذا كنت ستحكم بالجنة بوصف عام، هذا لا شيء فيه، كونك تحكم بالجنة بالوصف، فهذا لا شيء فيه، والأدلة كثيرة دلت على ذلك. تقول: لا شك ورايب أن أهل الإيمان من أهل الجنة، هذا ما فيه إشكال، لا شك ورايب أنا أجزم بأن المتقين من أهل الجنة. ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. فكونك تأتي بالوصف العام، هذا لا إشكال فيه، بل هذا قد ذكر في القرآن: أهل التقى في الجنة، أهل الإحسان في الجنة، أهل آداء والأخلاق من أهل الجنة، وصف عام. فالوصف العام ما فيه شيء، أنك تحكم بالعموم بالوصف العام، هذا ليس إشكالنا من الإشكال، أخوانا في الله، فيما يتعلق بالتعيين. فقلنا: التعيين، كونك تعين شخصًا بعينه، فهذا لا يجوز. قلنا: للعلل الذي مر ذكرها؛ لأن الشهادة هي عبارة عن إخبار بعلم، وأنت ليست عندك علم يا عبد الله عز وجل بأن فلان في الجنة. ونبينا صلواته ربي وسلامه عليه قد جاءت عنه الآثار والأحاديث في حق أنه أنكر في بعض الأحاديث وبعض المواقف، أنكر على بعض الصحابة، وأنكر على بعض الصحابيات عندما جزموا لفلان معين بالجنة، كما وقع للعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، وقول عائشة، أو تلك الصحابية: «عصفور من الجنة». فأنكر نبينا هذه المقالات؛ لما فيها أنها جزموا لفرد معين في الجنة. فنبينا أنكر هذا الأمر، وسد هذا الباب، وأنه لا يجزم لأحد بالجنة. بقي: هل هذا الباب على إطلاقه لا يمكن أبدًا؟ نقول: هذه قاعدة العامة، وعاقبة أهل السنة والجماعة في هذا الباب: أنهم يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء، يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء. فمن مات من أهل الصلاح، من مات من أهل التقى، من أهل استقامة، من أهل الصلاة، فإننا نرجو له الجنة، نرجو له الجنة، ونسأل الله أن يدخله الجنة، وأنه كذلك أعمال إن شاء الله تدله وتجره إلى الجنة، نرجو من الله ذلك، أما الجزم فلا. وهكذا من مات وعلى ذنب وعلى معصية، كذلك لا نجزم له بالنار، لكن نخاف عليه، نخاف عليه. وهذه عاقبة أهل السنة والجماعة. نرجع إلى التعيين، فهل هذا الباب أغلق تمامًا؟ لا، هناك مسائل العلماء فتحوا فيها المجال، وذلك لوجود أدلة شرعية أنه لا بأس، لا بأس بالتعيين لبعض الأشخاص بالجنة. ومن هؤلاء الذين يعينون، ولا بأس أنك تخصهم بالأسماء، تقول: فلان في الجنة. من أهل العلم من قال: هذا يكون للأنبياء فقط، هذا لك أن تجزم به في حق الأنبياء، هذا ما في إشكال، تقول: إبراهيم في الجنة، إبراهيم عليه السلام، أقول: الأنبياء، هل ستعاتب إذا قلت: في الجنة؟ لا تعاتب، تقول: إبراهيم عليه السلام في الجنة، إسماعيل في الجنة، إبراهيم، يوسف في الجنة، يونس في الجنة، عليهم السلام، رسل الله، أنبياء الله، هؤلاء في الجنة. فيقول علماء: هذا خاص بالأنبياء، أنك تجزم لهم بالجنة، هذا لا إشكال، وإن كانوا تعيين، لكن الأدلة قد تضافرت عليهم. هناك من أتى بقول ثان، وفيه توسع، وهو أن من شهد له النص، فإنك تشهد له بالجنة. فمن شهد له نبينا عليه الصلاة والسلام بأنه من أهل الجنة، فهذا يا عبد الله لك أن تجزم له بالجنة. مر معنا ما يتعلق بحديث العشرة الذين بشرهم نبينا صلوات ربي وسلام عليهم بالجنة. فهل لك بعد ذلك أن تجزم لهؤلاء بالجنة؟ نعم، يجوز لك أن تجزم لهم بالجنة، تقول: أبو بكر في الجنة، عمر في الجنة، عثمان في الجنة، علي في الجنة، سعد في الجنة، عبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسائر العشرة، تقولها وأنت مطمئن البال، ليس في قلوبنا شك ولا ريب أن هؤلاء من عمار الجنة ومن سكان الجنة؛ لماذا؟ لأن الدليل قد شهد لهم بذلك. هل هذا خاص بالعشرة؟ قال علماء: ولكل من شهد لهم نبينا عليه الصلاة والسلام بالجنة، نبينا عاشر ذلك، مثل جيل الرائع من الصحابة الذين قد ضربوا لنا أروع الأمثلة في البذل والعطاء والنفح والدفاع عن دين الله جل وعلا، فكان النبي يقوم ويبشر بعضهم بأسمائهم بأنهم في الجنة: الحسن والحسين، والعكاشة، وبلال، وجماعة، وفاطمة، وخديجة، غير هؤلاء كثير من الصحابة، جاءت النصوص النبي قد صرح بأنهم وأشار إليهم بأنهم من أهل الجنان. فهؤلاء نأتي على ذكر أسمائهم، وهؤلاء نجزم لهم بالجنة. فإن قال قائل لأخينا: قد درسنا وقد علمنا أنه لا يجزم، نقول: نعم، لا نجزم؛ لأن ما عندنا علم، لكن الذي قد شهد لهم النص، فهذا عندنا به علم، عندنا به علم من وحي السنة أن الله جل وعلا قد رضي عنهم وأدخلهم هؤلاء الجنة. أما بقية هؤلاء، فيقول علماء: نسكت، بقية هؤلاء ما يشهد لهم النص، فنسكت. فقالوا: فهذا التوسع وارد في السنة، وعليه ماذا أقوال العلماء، وعلى الكثير من أهل العلم، على هذا المذهب: أنك تشهد لمن شهد له النص، من شهد له النص فتشهد، وأما ما عدا ذاك فلا يجوز. أما ليس أحد لم يدل عليه النص، فلا تجزم. ويقولنا: هذا من الأخطاء التي وقع فيها الناس، أنهم يأتون إلى أفراد، يشهدون لهم بالجنة، إما تصريحًا وإما تلميحًا، تجد بعضهم مثل التصريح، كم يقول بعضهم: ترى من مات؟ تجد في الجرائد والمجلات: فلان فلان يا ساكن الجنان، وبأشكال حكم بأنهم من الجنة، هذا لا يجوز، أنك تجزم لهذا الميت، ولو ظهر لك ما ظهر من صلاحه، هذا لا يتأتى لك أنك تقول: فلان من الجنة، يا ساكن الجنة، أو يا عمار الجنة، لشخص لم يدل عليه الدليل، لم ينقرأ، لم ينسن. أو تأتي بعضهم بالتلميحات، يلمح بوصف، وهذا يرفع مآله إلى الجنة، مثل كما يقول بعض الناس من بعض المفكرين: إذا مات منهم من مات في ساعة الوغى، قال: الشهيد فلان، هذا لا يجوز؛ لأن الشهداء أين مآلهم؟ الشهداء مآلهم إلى الجنة، فكونه تقول: فلان شهيد، معناه: فلان في الجنة. ولهذا لا تقول: فلان شهيد، وإنما نقول: فلان نحسبه من الشهداء، نحسبه من الشهداء، تحسبه وترد أمره وعلمه إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا يا عبد الله، مثل بعض يقول: فلان في الرفيق الأعلى، فلان في الرفيق الأعلى، وهذا كثير، أو بعضهم: هذا كثير جدًا في الجرائد إذا جاءوا عند النعي، يتقول: فلان مات، فلان بم فلان، ويجعل الإعلان: «يا أيته النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية»، يقول العلماء: هذا في ما معنى؟ معنى أنك حكمت على روح هذا الميت أنها ماذا؟ ستدخل الجنان، الله جل وعلا، وأنها راضية مرضية، هذا ما لك، ليس لك به علم. فما ينبغي أنك تأتي، إما بالتصريح، وإما بالتلميح، وإنما نرجو، نرجو في ذلك. وحتى كلمة: مرحوم، وإن كان فيها خلاف، منهم من كره أن تذكر: المرحوم، ولا المغفور له؛ لما فيها من الجزم. وإن بعضهم إن أخرجها مخرج آخر، إن أراد به الدعاء، فلا بأس، إن أراد بها الدعاء، فلا بأس. وهذا يذكره بعض العلماء في المطولات في مثل هذه الألفاظ. لكن يرى البعض أن ما كل عبارة فيها التصريح أو فيها التلميح أو فيها الإشارة بأنه من أهل الجنة، فلا تفعلها، وإنما تدعو الله جل وعلا وتدعو الله بالجنة، نسأل الله أن تكون من أهل الجنة، نسأل الله يتقبلك في الصالحين، تدعو بالدعاء، تطلب من الله؛ لأنك تجزم بأنه من أهل الجنة. فشاهد المذهب الثاني في هذه المسألة، وهو أن من شهد له النص، فإنك تشهد له. هناك مذهب آخر، وهو فيه توسعة، توسعة أكثر من مذهب الأول والثاني، وهو أن بعض العلماء يقول: أن من شهد له النص، وأجمعت الأمة على فضله، واستفاض خبره، فإن هذا يشهد له بالجنة، يشهد له بالجنة. طبعًا هذا ما يمكن لأي أحد، لأي مواطن، أو لأي مسلم، هذا إنما يكون لمن ذاع صيته، ولمن انتشر اسمه، ولهم من الفضائل ما جعل أن القاصي والداني يشير إليه بالصلاح، رجل الأمة اتفقت على فضله، اتفقت على عدالته، اتفقت على صلاحه، أو استفاض خبره في الأمة، لا يذكر عند الأمة إلا بخير. فبعض العلماء يرى أن هذا من كان هذه صورته، فهذا إن جزم له بالجنة، فلا بأس، يجزم لهم بالجنة، مثل الصحابة، وغير الصحابة، وهكذا من بعض سادات التابعين ممن عرف فضله، بل حتى من علماء، من قال: من أئمة الدين، من أصحاب المذاهب الأربعة، كالشافعي، كأحمد، يرى البعض: لا بأس أنك تجزم لهم بالجنة. وهذا قول مروي عن الحنابلة، وذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ومن يقول بهذا القول استدلًا بما جاء في الصحيح في تلكم الجنازة التي مرت على نبينا عليه الصلاة والسلام، فقام الصحابة وأثنوا عليها خيرًا، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «وجبت». ثم جاء بجنازة أخرى، فقام الصحابة وأثنوا عليها شر، فقال عليه الصلاة والسلام: «وجبت». فقالوا: يا رسول الله، ما وجبت؟ قالوا: تلك أثنيتم عليها خيرًا، وجبت لها الجنة، وتلك أثنيتم عليها شرًا، وجبت لها النار، «أنتم شهداء الله»، «أنتم شهداء الله». فاستفاد من هذا بعض من أهل العلم، واستنبط من هذه المسألة أن إذا رجل ذا صيت في الأمة بالخيرية والصلاة، فإن هذا تجب له الجنة، تكون في حق الجنة، يقول: فلان في الجنة؛ للشهرة واستفاضته. وهذا كما قلنا: بعض المعاصرين يقول بهذا القوم من أهل العلم المحققين، يرون جواز ذلك، أن لا بأس أن تقول: فلان في الجنة، وإن لم يشهد له النص، لكن أمره استفاض، أمره استفاض. والمقصود بالاستفاضة: من كان من أهل العدل، من كان من أهل الحق، أما من كان من أهل البدع والضلال، فإنك لا تبالي به. طبعًا هذا الدليل قد استشكل بعض من أهل العلم من رأى أن هذا الدليل لا ينفع ولا يستدل به، يقولون: لأن من الذي حكم له بالجنة؟ النبي حكم له بالجنة، إذا رجع الأمر إلى المسألة الثانية: أن النبي هو الذي شهد له بالجنة، قال: «وجبت»، قال: «وجبت». فقال بعضهم: أن هذه ليست من استفاضة، وإنما شهود لهؤلاء بالجنة إنما جئت من النبي عليه الصلاة والسلام. لكن أخواني في الله، أدل أخرى تدل أن السلف الصالح فهموا على أن استفاضة والكثرة تنفع في الشهادة بالجنة. من ذلك ما جاء في البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في زمنه حضر جنازة، فسمع أناسًا يثنون على جنازة خيرًا، فقال عمر: أنظروا، ليس الرسول، قال عمر رضي الله تعالى عنه: «وجبت». فجئ بجنازة، فقال عمر: وأثنوا عليها شرًا، قال عمر: «وجبت». فسألوا عمر عن ماذا قال: «وجبت»؟ قال: سمعت رسول الله يقول: «أي مسير مات فشهد له أربعة وجبت له الجنة»، أي: شهده بالصلاح، «وجبت له الجنة». فهنا ليس هناك نبي حتى يحكم، إنما عمر حكم بماذا؟ حكم عمر باستفاضة، أربعة، أم الناس قد شهدوا له بالجنة، فأخذ عمر باستفاضة هؤلاء، واستأنس بحديث رسول الله أن هؤلاء يجب في حقهم: «وجبت» في حقهم، جنان، والحليف البخاري. فالحاصل، إخواني في الله، فالمسألة في هذا الباب بهذه القيود، وإن كان المشهور عند أهل السنة وجماعة، وهذا الذي يسطر في كتبهم، عليه جمهور أهل العلم من أهل السنة: على أن الصحيح أنه لا ينزل أحد في منزلة الأبرار وأهل الجنان إلا من شهد له النص، إلا من شهد له النص. وأما تلك المسألة ذكرناها فيما احتمل الاجتهاد بين أهل العلم. هذا هو ما يتعلق بهذه المسألة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.