الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الكتاب بالتهنئة بشهر رمضان ثم ينتقل إلى تقديم كتاب "أخلاق حملة القرآن" للإمام الآجري، مشيرًا إلى أهمية الكتاب في بيان الآداب التي ينبغي لحملة القرآن التحلي بها. يُبين بداية الكتاب حيث ابتدأه الإمام الآجري بالحمد لله والثناء عليه.
يُبين أن أوامر الله تعالى فيها مصالح للعباد ودفع للمفاسد، ويُشير إلى أن القرآن يجمع بين النذارة للمُعاندين وبشارة للمؤمنين، ويُظهر صفات الله تعالى مثل الحكمة والرحمة والغفران.
يشرح مفهوم القدم المطلق لله تعالى ونعمه المتتابعة على الإنسان، ويشدد على أهمية شكر الله تعالى على نعمة حفظ القرآن والتوفيق للعمل به. يُظهر أيضًا أهمية الاعتراف بفضل الله تعالى والتواضع وعدم الغرور بالنفس.
يشير إلى أن الحديث سيتواصل حول موضوع الكتاب في الدرس القادم، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فبادئ ذي بدء نهنئ آباءنا وإخواننا وأبناءنا، بل والأمة جمعاء، بقدوم هذا الشهر المبارك، شهر رمضان، الذي نسأل الله جل وعلا أن يجعله شهر خير وبركة وفتح ونصر للإسلام والمسلمين. ونسأله سبحانه أن يمد في أعمارنا حتى يبلغنا إدراك هذا الشهر كله، وأن يوفقنا جل وعلا لصيام نهاره وقيام ليله وإعمار أوقاته بطاعته، وأن يجعلنا سبحانه وتعالى وإياكم فيه من عتقائه من النار. نبتدئ وإياكم القراءة في مثل هذا الوقت بإذن الله في كتاب «أخلاق حملة القرآن» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، المتوفى عام ستين وثلاثمائة للهجرة. وهو كتاب ماتع نافع يحتاج له طالب العلم وحفظة القرآن حتى يتحلى بالأخلاق الفاضلة والأخلاق الكريمة النافعة. وهذا الكتاب أملاه المصنف رحمه الله في المسجد الحرام بمكة عام أربع وخمسين وثلاثمائة، أي قبل وفاته بست سنوات. وهو كتاب يحث المسلم وطالب العلم على التخلق بالآداب الفاضلة وما ينبغي أن يظهر عليه من أثر حمله لكتاب الله سبحانه وتعالى، فيكون متأدبا بآداب القرآن. كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام، لما سئلت عائشة رضي الله عنها كيف كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: «كان خلقه القرآن». يعني كل ما في القرآن من الأخلاق الفاضلة والأخلاق الكريمة تجدها متمثلة في أخلاقه عليه الصلاة والسلام، سواء كان في باب العبادة والطاعة أو كان في باب المعاملة معاملة الناس، أو كان في باب الأقوال والألفاظ وغير ذلك من الأبواب والأمور التي ينبغي أن يكون عليها المسلم. فهو يعطي للمسلم بابا يسلك فيه مسلك التأدب والتخلق بالأخلاق الكريمة الفاضلة. وذكر أهل العلم أن هذا الكتاب يعد من أول ما ينبغي الاعتناء به في باب آداب حامل القرآن. زد على ذلك أن مصنفه هو هذا الإمام الأجري رحمه الله، الذي عرف بغزارة العلم وحسن التصنيف والتأليف. قال رحمه الله: «أحق ما استفتح به الكلام الحمد لمولانا الكريم، وأفضل الحمد ما حمد به الكريم نفسه، فنحن نحمده به: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا﴾». ابتدأ رحمه الله بسفتاح هذه الرسالة بحمد الله سبحانه وتعالى، أن يبتدئ بحمد الله جل وعلا، وحمد الله والثناء عليه سبحانه وتعالى بما له جل وعلا من صفات الكمال. فهو عز وجل الذي يحمد لكماله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ويحمد جل وعلا لكمال فضله وإنعامه. قال: «فنحن نحمده به: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما﴾». هنا حمد الله عز وجل نفسه وأثنى على نفسه جل وعلا بإنزاله على عبده، أي محمد عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والرسل وأفضل الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام، أنزل عليه الكتاب، والمراد بالكتاب القرآن الذي هو كذلك أفضل الكتب وخاتمة الرسالات والكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى. ووصف جل وعلا هذا الكتاب وصفين: أنه لم يجعل له عوجا، وأنه قيما. وصفه بأنه لا عوج فيه، أي أنه اجتمع على الأخبار الصادقة التي لا كذب فيها، وعلى الأوامر الكاملة التي لا ظلم فيها. فهو كتاب ليس فيه عوج، فلا ظلم فيه في أوامره، ولا كذب في أخباره. ووصفه كذلك بأنه قيم، ومعنى قيم أي مستقيم. أي مستقيم، فأخباره كلها أخبار حق، وأوامره كلها أوامر عدل. وكذلك فيها مصالح للعباد في دينهم ودنياهم وأخراهم، وأوامره كذلك فيها درء للمفاسد التي تضر العباد في الدنيا والآخرة. وهو كذلك يسوق العباد إلى الكمال في الهداية والاستقامة وسلوك الصراط المستقيم الذي يوصلهم إلى جنات النعيم. وهو مجتمع على البشارة والنذارة. قال: «لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر». إذا القرآن مجتمع على نذارة وبشارة، نذارة لمن عصى وعاند واستكبر، فهو ينذره بعذاب الله عقوبته. ويبشر أهل الإيمان من آمن بالله وعمل صالحا، أنقاد لأوامر الله ورسوله، فإنه يبشره بالنعيم: «لهم أجرا حسنا»، أي الجنة، فهم يبشرون. يبشر أهل الإيمان إذا آمنوا وعملوا الصالحات بما أعد الله عز وجل لهم من النعيم المقيم الذي لا يزول ولا ينتهي. قال: ﴿والحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور﴾. الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، أي كل ما في السماوات وما في الأرض فهو ملك لله سبحانه وتعالى، سواء كان ذلك من ملك أو كان من عبيد ومخلوقات، فكلها ملك لله جل وعلا. وله الحمد في الآخرة، وهنا خص الحمد في الآخرة مع أن الله عز وجل له الحمد في الأولى والآخرة، وفي الدنيا والآخرة، خص الحمد في الآخرة لأنه يظهر من محاسنه وكمال هذا الحمد في الآخرة ما لم يكن مثله في الدنيا. وهو الحكيم والخبير، الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها. فالله عز وجل حكيم في أوامره، وحكيم في نواهيه، فأفعاله جل وعلا كلها حكمة. وهو الخبير بواطن الأمور وخفايا الأشياء، فلا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى من أمور عباده وأحوال خلقه. يعلم، وهذا يعني ذكر إجمال في عموم وسعة علم الله سبحانه وتعالى والاطلاع، ثم ذكر شيئا من تفاصيل ذلك. فقال: «يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها»، ما يلج يعني ما يدخل إلى الأرض من بذور أو أموات، وما يخرج منها، أي من الأرض من نبات وزروع أو حيوانات. «وما ينزل من السماء وما يعرج فيها»، أي إلى السماء من ملائكة وأعمال صالحة. وهو الرحيم الغفور، فهو جل وعلا الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فرحمته جل وعلا واسعة لأهل الإيمان ولأهل التقوى، هذه الرحمة الخاصة، ورحمة عامة لجميع المخلوقات. وهو الغفور الذي يستر الذنوب العباد ويخفيها ولا يؤاخذهم بها. فإذا اجتمع هذان الاسمان كان معنى الرحيم الذي يغفر الذنوب ويمحوها، والغفور الذي يستر الذنوب والعيوب فلا يبديها ويظهرها. قال: «أحمده على قديم إحسانه وتواتر نعمه، حمد من يعلم أن مولاه الكريم علمه ما لم يكن يعلم، وكان فضله عليه عظيما». قال: «أحمده على قديم إحسانه»، أي أن إحسان الله جل وعلا قديم أزلي لا ينتهي ولا يزول. فهو جل وعلا موصوف بالإحسان منذ القدم، قال: «أحمده على قديم إحسانه»، أي بمعنى أنه الموصوف بالإحسان منذ القدم، فليس إحسانه بوصف جديد لم يكن متحليا به من قبل. ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم»، الحديث عند أبي داود، وهو من أذكار دخول المسجد. فهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سلطانه القديم»، وصف سلطان الله جل وعلا بالقدم، أي القديم المتصف به منذ الأزل، ولا يزال متصفا به جل وعلا. والمراد بهذا القدم القدم المطلق، القدم المطلق. فهذا لأن القدم على قسمين: قدم مطلق، وقدم مقيد أو نسبي. فالقدم المطلق كوصف الله عز وجل لنفسه بالقديم أو الأول، أي الذي الأول الذي لا شيء قبله سبحانه وتعالى، والآخر الذي لا شيء بعده، فهو موصوف جل وعلا بالقدم المطلق الذي ليس قبله شيء. وقد يكون القدم نسبي، مثل في قوله جل وعلا: ﴿حتى عاد كالعرجون القديم﴾، هذا قدم نسبي. فالله عز وجل له القدم المطلق سبحانه وتعالى. قال: «وتواتر نعمه»، تتواتر النعم، أي تتابع النعم، فنعم الله جل وعلا متتابعة تترى على الإنسان، لا تنقطع ولا تنتهي، ولا كذلك تتأخر، فنعمة بعد نعمة. كم من النعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها على الإنسان، وهو القائل جل وعلا: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان ظلوم كفار﴾، نعمة الله، أي نعم الله. وقال: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾، فنعم الله جل وعلا علينا كثيرة، وهي متتابعة، وهي متتابعة متوالية متواترة. قال: «حمد من يعلم أن مولاه الكريم علمه ما لم يكن يعلم»، وكأنه يشير إلى ما من الله سبحانه وتعالى به على نبيه عليه الصلاة والسلام بإنزال هذا الكتاب وتعليمه القرآن والعلم، كما في قوله عز وجل: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾، فهذه من من الله سبحانه وتعالى ونعمه. وكأنه يقول: يا حامل القرآن، اعلم أن الله عز وجل من عليك بهذه النعمة وتفضل جل وعلا بها عليك، فعليك أن تشكر نعمة الله، وأن تعرف لهذه النعمة قدرها وفضلها، وما ينبغي عليك أن تقوم بشكر الله جل وعلا بالتحلي بالأخلاق الفاضلة العظيمة التي اجتمعت عليها هذا القرآن. وأن حفظك لكتاب الله ليس هو بذكائك ولا بشطارتك ولا بحسن فهمك، وإنما هي منة امتن الله سبحانه وتعالى بها عليك. وإلا قد يوجد أناس هم في الحفظ والفهم لربما أفضل منك وأكثر منك، لكن ما وفقوا، ما وفقوا لحفظ القرآن كما وفقك الله سبحانه وتعالى. فاعلم فضل الله سبحانه وتعالى عليك، فلا ينبغي أن تتكبر أو أن تعجب بنفسك أو تغتر بهذه المنة العظيمة التي امتن الله سبحانه وتعالى بها عليك. قال: «وأسأله المزيد من فضله»، وهذا اعتراف من العبد بفقره وشدة حاجته إلى ربه ومولاه سبحانه وتعالى، وأن الفضل من الله، وأن هذا الفضل الذي تفضل الله سبحانه وتعالى به هو منة فضل من الله جل وعلا، تحتاج أن تسأله جل وعلا المزيد من فضله، بالتوفيق أن يوفقك لسلوك الصراط المستقيم والتحلي بالأخلاق الكريمة الفاضلة والأخلاق الطيبة الحسنة. قال: «والشكر على ما تفضل به من نعمه، إنه ذو فضل عظيم». نعم، فأنت تسأل الله عز وجل أن يعينك على شكر هذه النعمة التي امتن الله جل وعلا بها عليك. وشكرك للنعمة نعمة تحتاج إلى شكر، وهكذا تتوالى وتتابع شكر الله عز وجل على نعمه بما لا نهاية له. قال: «وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، عبده ورسوله ونبيه وأمينه على وحيه وعباده، صلاة تكون له رضا ولنا بها مغفرة، وعلى آله أجمعين وسلم كثيرا طيبا». نعم، فابتدأ هذه الرسالة بهذه المقدمة الدالة على حمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة العظيمة التي امتن الله سبحانه وتعالى بها وبإنزال القرآن العظيم، وهذا الكتاب المبارك على نبيه عليه الصلاة والسلام. وكان ذلك عظيم منة وفضل من الله سبحانه وتعالى على نبيه، وكذلك أيضا على سائر هذه الأمة الذين هم أتباع لنبيها عليه الصلاة والسلام في حمل هذا القرآن وحفظه وتدبره والعمل به. فهذه نعمة عظيمة لا بد للعبد أن يشكر الله سبحانه وتعالى وأن يعرف عظيم فضلها. ثم ذكر بعد ذلك رحمه الله شيئا مما يتعلق بذكر موضوع هذا الكتاب. نترك ذلك إلى الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.