شرح لمعة الاعتقاد 8

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 8، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

منهج السلف وأئمة الخلف في إثبات الصفات

اتفق السلف الصالح وأئمة الخلف على إمرار صفات الله على ظاهرها اللائق به دون تأويل أو تعطيل، مع نفي الكيفية والتشبيه. ويستدل المقطع بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والأئمة كمالك والأوزاعي وأبي حنيفة على وجوب اتباع هذا المنهج والتحذير من البدع.

موقف ابن قدامة من الصفات ووجوب اقتفاء السلف

يؤكد الإمام ابن قدامة إثبات الصفات كما وردت بلا تأويل، وينفي كونه من المفوضة المجهلة للصفات. ويشدّد على وجوب اقتفاء آثار السلف الصالح والاهتداء بهديهم مع التحذير من المحدثات المخالفة لمنهج الصحابة.

وحدة السنة والتمسك بمنهج السلف الصالح

يبيّن المقطع أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين شيء واحد لا يتعارض، ويوجب التمسك بها بالنواجذ. ويحذر من المحدثات والبدع مستدلاً بأقوال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز على وجوب الوقوف حيث وقف السلف.

تحذير من اتباع آراء الرجال وتمييز السلف عن الخلف

يؤكد المقطع وجوب التمسك بآثار السلف الصالح وعدم الانجراف وراء آراء الرجال مهما زُخرفت، لأن منهج السلف كافٍ لكل زمان. ويوضح الفرق بين السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الخلف من بعدهم محذراً من التعصب للأشخاص.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين، وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في هذا الجزء النافع من أجزاء علم الاعتقاد، الذي عُرف كما في بعض المخطوطات بـ "لمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد"، من تأليف شيخ الإسلام أبي محمد الموفق ابن قدامة رحمه الله، المتوفى سنة عشرين وستمائة للهجرة، رحمه الله تعالى. وهذا الجزء من الأجزاء العقدية المقروءة على أهل العلم، ولهذا نحن نقرؤه ونفهم ما يسره الله جل جلاله من مقاصده ومعانيه، عسى أن نكون ممن هدي إلى سبيل الرشاد. يقول الموفق رحمه الله تعالى: "وعلى هذا درج السلف، وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف، رضي الله عنهم كلهم، وإن اختلفت ألفاظهم، متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تعرُّضٍ لتأويله. وقد أُمرنا باقتفاء آثارهم والاهتداء بمنارهم، وحُذِّرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم». وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كلامًا معناه: «قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى. فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم». وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي رضي الله عنه: «عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول». وقال محمد بن عبد الرحمن الأذرمي لرجل تكلم ببدعة ودعَا الناس إليها: «أخبرني عن مقالتك هذه، هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أو لم يعلموها؟» قال: «لم يعلموها». قال: «فشيء لم يعلمه هؤلاء علمته أنت؟» قال الرجل: «فإني أقول: قد علموها». قال: «فوسعهم ألا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه، أم لم يسعهم؟» قال: «بلى، وسعهم». قال: «فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعك أنت؟» فانقطع الرجل، فقال الخليفة وكان حاضرًا: «لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعه». قرن هذه الجمل النافعة والدرر الماتعة من هذه الرسالة الجامعة والعقيدة النافعة التي ينتفع بها من شاء من عباده. يقول رحمه الله: "وعلى هذا"، أي: على إثبات الصفات على ظاهرها اللائق برب الأرباب سبحانه وتعالى، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، درج السلف، أي: السلف الصالحون من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، درجوا على هذا. وسيأتي أن اتباع السلف أمر واجب، خالفه سائر أهل البدع والضلال، فهم عن طريق السلف ناكبون، وعن منهجهم خارجون. ووفق الله أهل السنة والجماعة فلزموا طريقة السلف وتمسكوا بها. "وعلى هذا درج السلف"، أي: من الصحابة والتابعين وأتباعهم. "وأئمة الخلف"، أي: الأئمة المشهود لهم بأنهم خلفٌ بفتح اللام صالحٌ للسلف الماضي، فإن الخلف هو التابع الصالح لمن سبق، والخلف بالضم هو التابع السيء لمن سبق. الخلف بفتح اللام: التابع الصالح لمن سلف، والخلف بسكون اللام: التابع السيء لمن سلف. قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]، هؤلاء خلف بسكون اللام. هؤلاء خلف، فخلف من بعدهم خلف، لكن الخلف هم الصالحون. ولهذا فأهل البدع خلفٌ أم خلفٌ؟ خلفٌ بسكون اللام، لأنهم أساءوا إلى السلف الماضي. "وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف". أئمة الخلف مثل: مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن جرير الطبري، وابن سريج، وغيرهم من أئمة الخلف، رضي الله عنهم وأرضاهم. ونحن اليوم إن شاء الله تعالى ماشون على ما مشوا عليه، سائرون في ركابهم إن شاء الله تعالى. كلهم، وإن اختلفت ألفاظهم، قد تختلف المعاني والألفاظ، فتجد الإمام المشرقي كسفيان الثوري يكتب عقيدة لا تختلف عن العقيدة، ويكتبها أبو حاتم الرازي وأبو زرعة فيما أملياه على تلميذهما أبي محمد عبد الرحمن، وتجد الإمام أحمد في العراق يكتب عقيدة هي أصول السنة لا تختلف عما يكتبه الحميدي في مكة، محمد بن الزبير، في آخر كتابه المسند. كلهم متفقون، وإن اختلفت الألفاظ أو العبارات فالمعنى واحد عند الجميع. وقد يسر الله وقرأنا بعض عقائد السلف، قرأنا أصول السنة للإمام أحمد في مجالس سابقة، وقرأنا أصول السنة للرازيين في مجالس سابقة، وفي غير هذه البلاد يسر الله بقراءة جماعة من كتب عقائد السلف غير هذه المذكورة. ونحن نقرأ الآن جزء الاعتقاد لابن قدامة، وهو من صالح أئمة الخلف. كلهم، وإن اختلفت ألفاظهم، متفقون على الإقرار، والإمرار، والإثبات. الإقرار يكون بالقلب واللسان، فيُقرُّ قلبُه إقرار تصديق أن الله موصوفٌ بهذه الصفات كما وصف نفسه، فهو في باطنه مصدقٌ بها مُقِرٌ لها، وفي لفظ قوله يُسلِّم بها ويقول: «قد أقررتُ بما أثبته الله لنفسه من الصفات». متفقون على الإقرار والإمرار، أي: على ظاهرها دون تعرُّضٍ لكيفيتها. هذا معنى الإمرار: أن تُمرَّ على ظاهرها دون تعرُّضٍ لكيفيتها، فعلم الكيفية لا يعلمه إلا الله جل جلاله. ولهذا قال السلف رضي الله عنهم: «أمرُّوها كما جاءت بلا كيف». وقال السلف رضي الله عنهم، مثل مالك وسفيان ووكيع وجماعة من أئمة السلف وابن المبارك وغيرهم، صرَّحوا بهذه العبارة: «أمرُّوها كما جاءت بلا كيف»، أي: نمرُّها على ظاهرها اللائق بالله عز وجل، لا نجادل فيها، ولا نحرِّفها، ولا نقيدها، ولا نتأولها بتأويل يخالف ظاهرها اللائق بالله عز وجل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. والإثبات: أي نُثبتها ولا نردُّها كما يصنع ذلك المعطِّلون، فنحن مُثبتون وهم نفاة معطِّلون رادُّون. نُثبتُ لله ما أثبتَه لنفسه، فهو أعلمُ بنفسه سبحانه وتعالى، ونُثبتُ له ما أثبتَ له رسوله، فهو أعلمُ الناس بربِّه صلى الله عليه وسلم، ولا يُخبِرُ عن الله وعن صفاته أعلمَ بالله عز وجل سبحانه وتعالى، ولا يُخبِرُ عن الله عز وجل وعن صفاته أعلمَ بعد الله عز وجل من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنحن نُثبتُ ما أثبتَه الله جل جلاله وما أثبتَه رسوله صلى الله عليه وسلم من أحاديث الصفات، نؤمنُ بها ونُصدِّقُ بها، ولا نعلمُ كيفيتَها، إذ كيفيتُها لا يعلمُها إلا الله عز وجل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهذه الجملة تدلُّ على أن الإمام ابن قدامة رحمه الله ليس من المفوضة المجهلة، ليس من المفوضة المجهلة، خلافاً لمن غلط في ذلك من طلبة العلم وبعض العلماء، أرحم الله الجميع وغفر لهم وأثابهم وأجزل لهم الأجر والثواب. قال رحمه الله: "متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تعرض لتأويله"، أي: كما يصنع الزائغون الذين يقولون: نحن نبحث عن تأويل الصفات، وهم بالله جاهلون، وبذاته جاهلون، وبصفاته جاهلون، فكيف يعلمون تأويل ما له يجهلون؟ نسأل الله العافية والسلامة. فالتأويل هو التحريف، وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى مجازٍ لدلالة العقل، هكذا يقول المحرفون: صرف اللفظ عن ظاهره لقرينةٍ هي العقل، عند التحقيق وعند المباحثة العلمية. فهم يشبهون الله بخلقه ثم يتأولون ما شبهوه به في أنفسهم، والله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فهو سميع وهو بصير، وليس كمثله في سمعه شيء، ولا كمثله في بصره شيء، جل عن الأشباه والأنداد، وتعالى وتقدس عن الصاحبة والأولاد. كما تقدم من كلام المؤلِّف، لم يقل المصنف: "من غير فهم لمعناها"، إذ معناها معلوم، والله أمر بتدبر القرآن وأمر بتفهم عباراته، والقرآن عربي مبين، أي: واضح، ليس فيه ما لا معنى له. وقد يخفى المعنى على أحد الناس، ولكن خفاءه على جميعهم باطل، بلسان عربي مبين، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]، لو كان لا يفهم لقيل: وماذا نتدبر من كلام كالألغاز لا ندرك معناه ولا نفهم مقتضاه ولا ندري حقيقته؟ ولكن الله قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. "من غير تعرض لتأويله"، أي: نثبته كما هو، وكما أراد الله، وكما أخبر الله، على المعنى اللائق، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهذا يدل على أن ابن قدامة على عقيدة السلف. قال رحمه الله: "وقد أمرنا باقتفاء آثارهم"، أمرنا أي: من ربنا جل وعلا، فالله أمرنا باتباع السلف الصالحين، الله جل وعلا أمرنا باتباع السلف الماضين واقتفاء آثارهم، فاتباع السلف واجب وفرض، لا يجوز الرجوع عنه ولا الخروج عنه ولا خلافه. اتباع السلف الصالح واجب وفرض لا يحل مخالفتهم. قال جل وعلا: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، وسبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة رضي الله عنهم، وسبيل من تبع الصحابة من التابعين لهم بإحسان. ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، هذا وعيد. وقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾، أي: نفتح له طريق ما أراد امتحانًا وابتلاءً، فتراه يزبد ويرغي بالشبهات الفارغة والكلام الذي يضرب صدره، عجزة كلام مضطرب باطل، لو تأوله لو تأمله لعرف أنه باطل، كقول من يقول: نثبت لله العلم والحياة والسبع الصفات، ثم يرد سائر الصفات، والباب واحد، لا فرق بين إثبات صفة الرحمة وبين إثبات صفة العلم، كلها وصف الله بها نفسه وأخبر بها عنه نبينا صلى الله عليه وسلم، فكيف تفرقون بين المتماثلات؟ والقول في بعض الصفات كالقول في بعض، لا فرق بينهما، والقول في الصفات كالقول في الذات، فهم وإن أكثر الكلام متناقضون في تأصيلهم، لو أنهم تأملوا وتدبروا، والله يهدي من يشاء، الله يهدي من يشاء سبحانه وتعالى، ومن أخطأ نسأل الله أن يغفر له خطأ. "من غير تعرض لتأويله، وقد أمرنا باقتفاء آثارهم". يقول الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾ [التوبة: 100]، ثم قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100]. في هذه الآية الأمر باتباع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وأن الله رضي عنهم، وأن الله أرضاهم، وأن الله بيّن أن جزاءهم أن يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، وأن هذا لمن سلكه هو الفوز العظيم. والله جل وعلا بيّن أيضا أن الذين اتبعوهم أفلحوا وأنهم نجحوا، والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: 10]، أي: اتبعنا من سبقنا، فاللهم اغفر لنا ولمن سبقنا. ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10]، أي: بعد المهاجرين وبعد الأنصار، وهؤلاء الأخيار، والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وهم الصحابة، ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]. الذين سبقونا بالإيمان، فإيماننا هم سبقونا إليه، هذا يدل على لزوم السلف. "وقد أمرنا باقتفاء آثارهم"، أي: متابعة آثارهم، كأنك تمشي في صحراء فتجد أمامك آثار أقدام السلف، فأنت تتبع الأثر وتقول: يا جماعة، الطريق منها هنا، هذه آثار السلف قد مشوا في هذا الموضع ومشوا إلى هذا الاتجاه، فأنت تضع قدمك حيث الأثر، ثم تضع اليسرى في موضع اليسرى واليمنى في موضع اليمنى حتى تصل إليهم، هذا معنى اقتفاء آثارهم. "والاهتداء بمنارهم"، كأنك في ظلمة الليل في صحراء مدلهمة، أو في باطن البحر العميق، ثم ترى منارًا قد أشار إليك، فقلت لمن معك: الطريق أمامكم، هذا منار يريكم الطريق، فاتبعوه، فسرت في تلك الصحراء المظلمة نحو المنار، أو سرت في ذلك البحر الذي تلاطمت أمواجه إلى ذلك المنار. "والاهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات"، البدع والمحدثات التي حدثت بعد السلف، حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم منها غاية التحذير، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهي كل عبادة وكل قول لم يقله السلف الماضون، جاء به أقوام، كل قول أو فعل لم يأتِ به السلف الماضون من الصحابة رضي الله عنهم، وجاء به بعدهم قوم يريدون به زيادة الثواب والأجر ورضا الله عز وجل، فهذا القول الذي لم يقله الأوائل قول محدث لا يجوز اتباعه، بل يجب الحذر منه لأنه ضلال عن سواء السبيل. "وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها من الضلالات"، الضلالات التي من اتبعها ضل سواء السبيل. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، وهذا دليل على وجوب اتباع السلف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بلزوم الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، ولزوم منهج الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، وإنما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين سنته وسنة الخلفاء من أجل التمييز في النسبة، من أجل التمييز في النسبة، فتقول: هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه سنة أبي بكر رضي الله عنه، وهذه سنة عمر رضي الله عنه، وهذه سنة عثمان رضي الله عنه، وهذه سنة علي رضي الله عنه، والجميع سنة واحدة، الجميع سنة واحدة، وليست سننًا إلا باعتبار النسبة إلى من دل عليها، وإلا فسنة أبي بكر هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة عمر هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة عثمان وسنة علي هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «عضوا عليها»، فأفرد الضمير ولم يعدده، لم يقل: عضوا عليهما، أو عضوا على جميع ذلك، وإنما قال: «عضوا عليها»، أي: على ما تقدم من السنة، وهي شيء واحد لا يختلف ولا يتعارض. قال جل وعلا: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 115]، دلت الآية كما يقول إمامنا أبو عبد الله الشافعي على أن مشاقة الرسول هي اتباع غير سبيل المؤمنين، وأن اتباع غير سبيل المؤمنين هو عين مشاقة الرسول، والعذاب فيهما واحد، فالآية حجة على وجوب اتباع منهج السلف الماضي. ولهذا شرع الانتساب إليهم، فيقول القائل: أنا سلفي، بهذا الاعتبار، ولا عيب على من أظهر الانتساب إلى السلف الصالح، بل هذا محمود مشكور، كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، فهم راشدون وهم مهديون، جمعوا بين الرشد والهداية، جمعوا بين الرشد والهداية، والرشد هو لزوم الطاعة وكراهة المعصية، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7]، أولئك هم الراشدون. «الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها»، أي: تلك السنة، فهي شيء واحد، «بالنواجذ»، والنواجذ هي الأنياب، وهي من أقوى الأضراس، بل هي أقواها، أقوى الأضراس الأنياب. فتجد الإنسان هذا فيه تشبيه بليغ: إذا غارق في البحر فرأى الموت، ثم مُدَّ له الحبل، يأخذ الحبل فيمسكه بيده، ثم يمسكه بكلتا يديه، ثم لا يطمئن حتى يعضَّ عليه بنواجذه تمسكًا به في طلب النجاة. فإذا دار الزمان، افعل كما يفعل الغريق في زمن انتشرت فيه المحدثات والضلالات: «عضوا عليها، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». وهذا فيه ردٌ على من استثنى وقال: البدع خمسة أقسام، منها الواجب ومنها المستحب، وردٌ على من قال: البدعة بدعتان، بدعة حسنة، إلى آخره. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وكل بدعة ضلالة»، ولكن القائلين بذلك خلطوا بين الوسائل والمقاصد، والمراد: «وكل بدعة ضلالة» هي المقاصد والعبادات، وأما صنع السيارات وصنع المراوح والمكيفات والمكبرات الصوت، فمن عدَّه من البدع فقد تجاوز إلى لغة العرب وترك العرف الشرعي. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم»، أثرٌ عظيم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم»، أي: الزموا في دينكم ما تقدم به الصحابة ومن تبعهم، وإياكم والبدع، فإن ذلك يكفيكم في عبادتكم ودينكم. وقال عمر بن عبد العزيز، والخليفة الخامس، رضي الله عنه وأرضاه، كلامًا معناه: «قف حيث وقف القوم»، أي: ما سكتوا عنه فاسكت، ومن وقفوا عن الخوض فيه فقف ولا تخض فيه. «قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا»، وليسوا عن جهل، كما يقول بعض الناس: طريقة الخلف أسلم، أي: أنهم لقلة علمهم لم يخوضوا، ونحن لكثرة علمنا نخوض، لا، فإنهم عن علم وقفوا، «وببصر نافذ كفوا»، أي: تركوا الخوض لبصر في المسألة وبصيرة نافذة، أي: اخترقت ووصلت إلى حقيقة الأمر، «ولهم»، أي: وهم، «على كشفها كانوا أقوى»، اللام لام القسم، أي: والله هم على كشفها كانوا أقوى، لعظيم فضلهم كما أثنى الله عليهم، ولقرب عهدهم بالوحي والتنزيل، فهم أفهم الناس للقرآن الكريم ولسنة النبي العظيم صلى الله عليه وسلم. «وبالفضل لو كان فيها أحرى»، لو كان فيه التأويل والخوض بالجهل والتعطيل لنصوص الصفات خير، ولو كان فيه فضل لَسَبَقَكُمْ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ أَحْرَصُ مِنْكُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ. «فَلَئِنْ قُلْتُمْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ»، أي: الزمان تغير، والوضع ما هو الوضع، اختلف الوقت، أين زمن الصحابة؟ أين زمننا الآن؟ كل زمان بظروفه، كل وقت فيه مسائله، لا تتحجروا، لا تجمدوا، لا تكونوا ظاهريين جفاة، لا تفهمون ولا تعقلون، هذا معنى كلام. «فَلَئِنْ قُلْتُمْ قَدْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ»، أي: حوادث، قال رحمه الله: «فَمَا أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنْ خَالَفَ هَدْيَهُمْ وَرَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ»، هذه الأمور المحدثات والفتن لم تأتِ من السلف، لأنهم ببصر نافذ نظروا وكفوا، وبعلم قالوا ووقفوا وكفوا، وأنتم لقلة علمكم وخفة عقولكم خضتم كما خاض الجاهلون، فقلتم كما قال. قال رحمه الله: «فَلَئِنْ قُلْتُمْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ فَمَا أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنْ خَالَفَ هَدْيَهُمْ وَرَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ، وَلَقَدْ وَصَفُوا مِنْهُ مَا يَشْفِي»، نعم والله، وصفوا من الحق ما يشفي صدور من أراد الله له الشفاء، وصفوا منه وصفوا منه ما يشفي لمن أراد الله له الشفاء. «وَتَكَلَّمُوا مِنْهُ بِمَا يَكْفِي»، نعم والله، تكلموا بكلام جزل وقول فصل لمن أراد الله له الكفاية، وأما من لم يرد الله له الشفاء ولا الكفاية فهذا قد ضل ضلالا بعيدا. «فَمَا فَوْقَهُم مُّحْسِرٌ»، تقول العرب: رجل محسر، وتقول العرب: رجل محسر ومحسر، تقول العرب: رجل محسر بفتح السين مع تشديدها، أي: رجل محتقر ذليل، هذا معنى. فما فوقهم محسر، عندنا بكسر السين، الصواب فتحها، عندكم أيش؟ بكسر السين، الصواب الفتحة، الله أعلم، لأن العرب تقول: رجل محسر، أي: محتقر، محقر، مهين، ذليل، هذا معنى. المعنى: أن من تجاوز منهج السلف، يريد من تجاوز السلف، من تجاوزه منهج السلف، الزيادة في الخير والزيادة في العلو والعز والدين، فإنه يجد نقيض ما قصد، يجد نقيض ما قصده، فما فوقهم محسر، أي: ذليل غير عزيز، ذليل غير عزيز، خائب غير ناجح في مقصود، حسير، أي: كليل قد تعب، كما قال الله عز وجل في تبارك: ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: 4]، أي: كليل متعب، وهكذا كل من غلا فإنه يتعب ويصير ذليلا ولابد، فهو حسير وهو محسر. «فَمَا فَوْقَهُم مُّحْسِرٌ وَمَا دُونَهُم مُّقَصِّرٌ»، كسر الصاد وتشديدها، «وَمَا دُونَهُم مُّقَصِّرٌ»، الذي لا يأخذ منهج السلف كاملا فقد قصر أعظم التقصير، قصر أعظم التقصير، تقصير. ولهذا فقول بعض من أخطأ فقال: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، ينادي قوله هذا عليه بالجهل وبالغباء، فالسلف أسلم والسلف أعلم والسلف أحكم، ولا يمكن أن يكون الخلف بسكون اللام أعلم أو أحكم، لا يمكن. وفي الحاشية موجود كلام لابن تيمية في هذا الموضع تقرؤونه إن شئتم فيما بعد. يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله من هذه المقالة أيضا: ما نسمعه من بعض دعاة الفتن: «طريقة السلف أو منهج السلف، سلفية العقيدة وعصرية المواجهة»، وهي أيضا من كلمات الضلال العظيم، فكأن منهج السلف ليس فيه ما يعين على عصرية المواجهة، والمواجهة حكم شرعي يتعرض فيه الإنسان إلى الحرمة والحلم والوجوب ونحو ذلك، فكان حكما شرعيا يجب رجوعه إلى الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة. «لَقَدْ قَصَّرَ عَنْهُمْ قَوْمٌ فَجَفَوْا وَتَجَاوَزَهُمْ آخَرُونَ فَغَلَوْا وَإِنَّهُم بَيْنَ ذَٰلِكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ» [الزخرف: 43 تقريباً، لكن السياق يشير لقول عمر بن عبد العزيز]. قال: قال الأوزاعي، قال الإمام أبو عمرو الأوزاعي رضي الله عنه: كل هذه الآثار صحيحة كما في الحاشية لمن أراد أن يقرأ التخريج. «عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس»، أي: في زمانك، وقالوا عنك: متشدد، قالوا عنك: متحجر، قالوا عنك: متخلف، قالوا عنك: أصولي، قالوا عنك: سباب للعلماء، قالوا عنك ما قالوا، «وإن رفضك الناس، عليك بآثار من سلف، وإياك وآراء الرجال»، آراء الرجال مصيبة، يقول الرجل القولة وقد يكون فاضلة ثم يرجع عنها، وقد يقول القولة فيكون من زلات الأقدام التي لا يطلع عليها كثير من الناس، فيكون ذلك سببًا لضلال الناس، فإذا قيل: إن هذا غلط، قالوا: أنتم تسبون هذا العالم، هكذا المعادلة عند بعض الناس، إذا قلت له: هذا القول يخالف الكتاب والسنة، قال: أنت أعلم بالكتاب والسنة أو فلان؟ لا ينظر إلى قولك ولا إلى حجتك، وكأن ذلك العالم نبي من الأنبياء أو رسول من الرسل، أو كلام من كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، البشر يخطئون ويصيبون ويعلمون ويجهلون، فلا نتعصب لأحد، «وإياك وآراء الرجال»، لا تجعل رأي الرجال ميزانًا لك تلزم به الناس. الآن كثير من الفتن ناتجة عن آراء الرجال، آراء رجال قد يكونون فضلاء وعلماء، ولكن الرأي قابل للنظر، قابل للأخذ والرد، قابل للبحث والتأمل، وليس البحث ولا التأمل يعتبر جريمة إلا عند المتعصب. «وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول»، كثير من الناس ينخدع بالزخارف، كما قال أهل العلم، فتراه يرد المقالة بألفاظ ويقبل عين المقالة بألفاظ أخرى لأنها غيرت الألفاظ، وهذا يدل على الجهل وقلة البصيرة، كما قال القائل: «تقول هذا مجاء النحل تمدحه، وإن تشاء قلت ذاقيء الزنابير، مدحا وقدحا، وما جاوزت وصفهما»، والحق قد يعتريه سوء تعبير، قد تكون الألفاظ تجعلك ترد هذا الحق وتقبل الباطل وهو باطل، فينبغي للإنسان أن ينظر إلى أعماق الكلام ومقاصده. «عليك بآثار، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول». لعلنا نقف عند هذه المناظرة العظيمة إن شاء الله تعالى التي وقعت مع الواثق، رحمه الله، يأتي ذكرها غداً. فإذا كان لكم شيء، وإلا وقفنا هاهنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. السلف هم الصحابة، عرفت السلف هم الصحابة في الأصل، ثم يدخل في السلف التابعون لهم بإحسان، وكذلك أتباع التابعين إن شاء الله، ثم يأتي عصر الأئمة، من عصر أتباع التابعين يأتي عصر الأئمة، ولهذا فرق المصنف رحمه الله بين السلف وأئمة الخلف، فرق بينهم، وكذلك فرق بينهم الأئمة، كما قرأناه في كتاب الشريعة للآجري، فقد عدد أسماءهم، عدد أسماءهم، فعلى هذا السلف هم الصحابة والتابعون، وأئمة الخلف هم أتباعهم من أتباع التابعين، من أتباع التابعين إلى زماننا هذا، والله أعلم.