شرح الهدايا والتحف في التعليق على منظومة طرفة الطرف 19

الدرس في شرح الهدايا والتحف في التعليق على منظومة طرفة الطرف 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف المقلوب وأقسامه وتطبيقاته

المقلوب هو إبدال لفظ بآخر في سند الحديث أو متنه، وينقسم إلى مقلوب السند ومقلوب المتن مع أمثلة وتطبيقات. يُشرح جواز قلب الأسانيد والأحاديث للامتحان.

مفهوم مختلف الحديث وحكمه الشرعي

مختلف الحديث هو الحديث المقبول الذي يعارضه مثيله مع إمكان الجمع بينهما، ويجب العمل به بعد الجمع. يُشرح مثال حديث 'لا عدوى ولا طيرة' وحديث 'فر من المجذوم'.

طرق الجمع بين الأحاديث المتعارضة ومعرفة الناسخ والمنسوخ

يجب الجمع بين الأحاديث المتعارضة، فإن لم يمكن الجمع، يُنظر في تاريخها لتحديد الناسخ والمنسوخ. يُشرح كيفية التعرف عليهما وأشهر المصنفات في هذا العلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الناظم رحمه الله: «وإن يكن بد لا راو أو سند، فهو مقلوب وفي المتن ورد». قال المقلوب: قال الشارع -حفِظَه الله- المقلوب لغة اسمه مفعول من القلب، وهو تحويل الشيء عن وجهه. تحويل الشيء عن وجهه، مثلا تقول: اقلب الإناء، فتجعل فتحة الإناء في الأسفل والأسفل في الأعلى، هذا قلب الشيء. قال: واصطلاحا إبدال لفظ بآخر في سند الحديث أو متنه بتقديم أو تأخير ونحوه. إبدال لفظ بآخر في سند الحديث، تأتي بسند وتأتي بمتن آخر غير متن هذا السند أو متنه بتقديم أو تأخير، في نفس المتن يحصل فيه قلب وعكس، يعني مثلا في حديث أبي هريرة: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، وقلبه الراوي: «حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله»، هذا يعتبر قلب في نفس المتن. قال: أقسامه. ينقسم المقلوب إلى قسمين، وهما مقلوب السند والمتن. فمقلوب السند وهو ما وقع الإقلاب في سنده، وله صورتان: الأولى أن يقدم الراوي أو يؤخر في اسم أحد الرواة أو اسم أبيه، كحديث مروي عن كعب من مرة، فيرويه عن مرة من كعب، هذا يعتبر قلب في اسم الراوي. هو كعب عن مرة، فقال: عن مرة من كعب. الثاني: أن يبدل الراوي شخصا بآخر بقصد الإغراب، بقصد الإغراب يعني يريد أن يجعل الحديث غريبا، يعني يكثر طالبه ومن يريد سماع هذا الحديث أو الوقوف عليه بكونه غريبا، كحديث مشهور عن سالم، فيجعله عن نافع أو عن مالك، جعل عن عبيد الله بن عمر، يعني مثلا الآن عبيد الله بن عمر، الآن المشهور أن سالم يروي عن عبد الله بن عمر أو نافع عن عبد الله بن عمر، فيجعل الرواية عن عبيد الله بن عمر، فيحصل الإغراب، يعني هذا شيء غريب أن يروي نافع أو سالم عن عبيد الله بن عمر، ومالك يروي عن نافع. المهم يقصد بهذا الإغراب وإظهار شيء جديد في رواية الحديث -كما سمعتم- حتى يقصد هذا الحديث ويكثر من يريد سماعه والوقوف عليه. قال: ومن كان يفعل ذلك حماد بن عمر النصيبي، وأبو إسماعيل إبراهيم بن أبي حية اليسعري، أولى من الوضعين. ومثال حديث رواه حماد النصيبي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: «إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدأوهم بالسلام»، فهذا حديث مقلوب، قلبه حماد، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة، هكذا أخرجه مسلم في صحيحه من رواية شعبة والثوري وجرير، من عبد الحميد وعبد العزيز الدراوردي، كلهم عن سهيل، فجاء فأبدل بدل سهيل، جعل الأعمش، والأعمش أوثق من سهيل. قال: وهذا النوع من القلب هو الذي يطلق على راويه أنه يسرق الحديث، إذا فعله عمدا، يقولون: فلان يسرق الحديث. إيش معنى يسرق الحديث؟ يعني يقلب بدل الراوي فلان يجعله عن فلان آخر، فيقولون: فلان يسرق الحديث. هذا النوع، هذا النوع الأول القلب في السند. قال: ثانيا مقلوب المتن، وما وقع الإبدال في متنه، وله صورتان: الأولى أن يقدم الراوي ويؤخر في بعض متن الحديث، مثاله حديث أبي هريرة في اسم مسلم في السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفيه: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله»، هكذا. يعني قلب الحديث. قال: هذا ممن قلب على بعض الرواة، وإنما هو: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». الإنسان لما ينفق ينفق باليمين لا بالشمال، فهو يعني من شدة الإخلاص تكاد اليد اليسرى لا تعلم بما أنفقت اليمنى، فقلب الراوي مثل الحديث وجعل متنه بالعكس: «لا تعلم يمينه ما تنفق شماله». إذن هنا الآن قلب حصل في متن الحديث. قال: ثانيا: أن يجعل الراوي متن هذا الحديث على إسناد آخر، ويجعل إسناده لمتن آخر، وذلك بقصد الامتحان وغيره. وهذا إذا قصد به الاختبار والامتحان فهو جائز، لكن لا بد من بيان الصواب بعد ذلك، بعد انتهاء هذا الامتحان والاختبار. قال: مثاله ما فعله أهل بغداد مع الإمام البخاري، إذ قلب له مئة حديث، وسألوه عنها امتحانا، فرد كل متن إلى سنده، ولم يخطئ في واحدة منها. والقصة مشهورة ذكرها الخطيب في تاريخ بغداد، وهكذا الذهبي في تاريخه، وهي من رواية عدة مشايخ. قال الخطيب: «حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن الرازي، قال: سمعت أحمد بن عدي، قال: سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد»، فذكر القصة. وهؤلاء المشايخ وإن كانوا يعني مجاهيل، يعتبرون مجاهيل، لكن كونهم مجاهيل والأصل في رواية المجاهيل أنها مردودة، لكن هنا قد تغتفر -كما قال الإمام السخاوي-. قال: ولا يضر جهالة الشيوخ من عدي فيها، فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم، ولأن القصة هي لا يتعلق بها حكم شرعي، وإنما حكاية تدل على قوة حفظ وإتقان الإمام البخاري رحمه الله. والسلف كانوا تساهلون في رواية يعني في الأسانيد التي فيها ذكر شيء من القصص والأخبار، ويشددون في الأحاديث فيها الأحكام -كما قال الإمام أحمد رحمه الله-: «أو من مهدي، إذا روينا الثواب والعقاب تساهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال». وكذا نحو عن الإمام أحمد رحمه الله. فذكر أهل العلم أو تتابع أهل العلم في ذكر هذه القصة، وهذه القصة يعني مجملها: أن الإمام البخاري رحمه الله لما قدم بغداد وقد اشتهر خبر الإمام البخاري بإمامته في الحفظ وقوة حافظته، أرادوا أن يختبروه، فأتوا بعشرة أشخاص وأعطوا كل واحد عشرة أحاديث قلبوا أسانيدها ومتونها، يعني يأتون بسند ويأتون له بمتن آخر غير متن هذا السند، وهكذا فعلوا بمئة حديث. فلما جاء الإمام البخاري واختبروه، جاء الأول فكان يقر عليه الأحاديث عشرة أحاديث التي يعطي إياه، والإمام البخاري يقول: «لا أعرفه، لا أعرفه، لا أعرفه» حتى انتهى، ثم جاء الثاني وأتى بعشرة الأحاديث التي معه حتى انتهى، ويقول: «لا أعرفه»، ثم الثالث حتى أكملوا المئة وهو يقول: «لا أعرفه». الناس الذين لا يعرفون القصة هذه وقصد الاختبار قالوا: هذا الإمام البخاري لا أعرف شيئا، مئة حديث قرأت علي ولا أعرف شيئا منها. فلما انتهى قال الأول: «أما حديث كذا فهو كذا وكذا»، ورد الحديث العشرة كل واحد سنده إلى متنه، ثم الثاني ورد أول حديث العشرة وبيّن سند كل حديث ومتن هذا الحديث، وهكذا حتى أكمل المئة، فرد كل سند إلى متنه، فشهد له الناس بالإمامة والحفظ. فالمقصود أن هنا قلب الأسانيد والأحاديث لقصد الامتحان، فمثل هذا يجوز، لكن متى منتهى هذا القصد يبين الصواب في هذا الحديث. لكن لو كان القصد هو الوضع -كما مر عن أول إغراب- هذا لا يجوز، هذا يعتبر من الكذب. قال: ما هي الأسباب الحاملة على القلب؟ قال: أولا قصد الإغراب ليرغب الناس في أخذ حديثه وروايته عنه، يعني أن يظهر هذا الحديث غريبا، يعني شيء ما يعرف عند الكثير، فيرغب الناس في أخذ هذا الحديث. قال: ثانيا قصد الامتحان والاختبار للتأكد من حفظ المحدث وضبطه، كما فعل البغداديون مع الإمام البخاري. قال: ثالثا: الوقوع في الخطأ والغلط من غير قصد، يحصل القلب غلطا من غير قصد، مثل ما يعني في حديث أبي هريرة: «حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله»، حصل على جهة الخطأ والغلط. قال: ما حكم القلب؟ يختلف حكم القلب باختلاف السبب الحامل على ذلك. فإن كان الحامل له على ذلك قصد الإغراب فلا يجوز، وهو من عمل الوضاعين، هذا من عمل الوضاعين، يعني يبدل في السند يغير يقلب في السند بدل فلان يأتي بفلان أو في المتن يجعل متن آخر غير متن هذا السند وهكذا، هذا من فعل الوضاعين، هو أمر محرم. قال: وإن كان لقصد الامتحان فهو جائز، بشرط أن يبين الصواب قبل انتهاء المجلس. وكان يحيى القطان يشدد في المنع، يعني يرهب أن يمنع القلب في قصد الامتحان. الإمام يحيى من سيد القطان. قال: والصحيح الأول هو قول أكثر أهل العلم. قال: ثالثا: وإن كان على خطأ وسهو فهو معذور، لكن إن كثر من الراوي ضعف بسببه، يعني إذا كان هذا الراوي يكثر منه القلب في الأسانيد أو في المتن، فإذا كان عن سبيل الخطأ هو معذور من حيث الإثم، لكن إذا كثر منه فإنه يضعف، يكون ضعيف سيء الحفظ. قال: ما حكم الحديث المقلوب؟ الحديث المقلوب من قسم الضعيف، لأنه مخالف لرواية الثقات. نعم، فالحديث المقلوب يعتبر من قسم الضعيف. قال: ما أشهر المؤلفات في الحديث المقلوب؟ كتاب «رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب» للخطيب البغدادي رحمه الله. نعم، الإمام الخطيب هو فارس هذا الميدان، ما تجد فنا يعني من فنون أو علما من علوم الحديث إلا وللإمام الخطيب فيه مؤلف رحمه الله. قال الناظم رحمه الله: «والثابت المقبول إن هو سلم من معارض فبالمحكم سم». قال الشارح -فقهه الله-: يعني أن الخبر الثابت إذا سلم من المعارض من المعارض له سواء كان مساويا أو أقوى، فيسمى بالمحكم. وغالب الأحاديث من هذا النوع، يعني الحديث الذي ليس له ما يعارضه فيما دل عليه من حكم، فيسمى محكما، حديث محكم. والثابت المقبول إن هو سلم من معارض فبالمحكم سم، سم يعني سمه. الحكم فالمحكم لغة اسم مفعول من أحكم بمعنى أتقن، أحكم بمعنى أتقن، تقول: أحكم هذا العمل، يعني أتقنه. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي متقنات، يعني سليمة من النقص أو شيء من الخلل ونحو ذلك من المعاني. قال: واصطلاحا: الحديث المقبول الذي سلم من معارضة مثله، يعني ليس هناك حديث يعارضه. وأكثر الأحاديث من هذا النوع، يعني محكمة. والأحاديث التي فيها معارضة قليلة جدا بالنسبة لكثير من الأحاديث. قال: حكمه: يجب العمل به. الحديث المحكم الذي لا يعارضه شيء يجب العمل به، ولا يجوز التوقف فيه أو رده أو معارضته بالعقل أو الرأي إلى آخره. قال: «وحيث لا والجمع فيه يحتذا، فإنه مختلف الحديث ذا». قال الشارح: معنى البيت: وحيث لم يسلم المقبول من المعارض، وأمكن الجمع بينهما، فإن هذا يسمى مختلف الحديث. إذا كان متساويين. وحيث لا يعني حيث أنه لم يسلم من عدم المعارضة، بل هناك معارض. وحيث لا والجمع فيه يحتذا، يعني يمكن أن يجمع بين هذا الحديث وهذا الحديث المعارض له. قال: فإنه مختلف الحديث ذا، هذا هو مختلف الحديث. هذا النوع من علوم الحديث الذي يسمى مختلف الحديث. قال: تعريفه: مختلف الحديث لغة اسمه فاعل من الاختلاف، ضد الاتفاق. واصطلاحا: هو الحديث المقبول المعارض بمثله مع إمكان الجمع بينهما. الحديث المقبول المعارض بمثله مع إمكان الجمع بينهما. مقبول بمعنى يقبل هذا الحديث، سواء كان صحيحا أو حسنا. أما إذا كان ضعيفا فهذا الاعتبار به المعتبر بالصحيح، لكن يكون مقبولا. ويعارض بمثله، يعارض بمثله بما هو مقبول مثله. أما إذا عارضه ضعيف، إذن لا تعارض هنا، الضعيف مردود والصحيح هو الذي يعمل به. قال: أي هو الحديث الصحيح أو الحسن الذي يجيء حديث آخر مثله في المرتبة والقوة، فيناقضه في المعنى ظاهرا، ويمكن لأهل العلم والفضل أن يجمع بين مدلوليها بشكل مقبول. نعم، هذا هو مختلف الحديث. قال: مثال المختلف: حديث «لا عدوى ولا طيرة» الذي رواه مسلم، مع حديث «فر من المجذوم فرارك من الأسد» الذي رواه البخاري. الجذام مرض يصيب الجلد تتساقط منه أعضاء من أصيب به. والاستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم منه من الجذام والبرص. فالآن عندنا حديثان وكلاهما صحيح. قال: فهذان حديثان صحيحان، ظاهرهما التعارض، لأن الأول ينفي العدوى «لا عدوى»، والآخر يثبتها في قوله: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». أجل، ماذا؟ أن لا يصيبك أو يعديك بهذا المرض، فالنبي صلى الله عليه وسلم حث على الابتعاد «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، كما أنك تفر من الأسد وتخاف أن يعني يفترسك، كذلك فر وابتعد من المجذوم حتى لا يعديك. وهذا في إثبات العدوى، والذي قبله فيه نفي العدوى، في الظاهر شيء من التعارض، وكل الحديثين صحيح. قال: وقد جمع العلماء بينهما، ووقف ووفقوا بينهما بأنواع من الوجوه. وأفضلها هو أن يقال: إن العدوى منفية وغير مثبتة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يعدي شيء شيئا». وقوله لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون بين الإبل الصحيحة فتجرب، فمن أعدى الأول؟ بمعنى أن الله ابتدأ المرض في الثاني كما ابتدأه في الأول. يعني لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى». قال له أعرابي: «يا رسول الله، إنا نرى البعير الأجرب يكون بين الإبل الصحيحة فتجرب». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أعدى الأول؟» طيب، هذا الأول من أين جاء له المرض؟ أليس من الله؟ فكأنه يقول: كذلك البقية جاءها المرض من الله، ليس من العدوى. قال: وأما الأمر بالفرار من المجذوم، إذا علمنا أنه لا عدوى، طيب كيف الحديث هذا؟ قال: وأما الأمر بالفرار من المجذوم، فمن باب سد الذرائع، لألا يتفق للشخص الذي يخالط المجذوم حصول شيء له من ذلك المرض بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته له، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الإثم، فأمر بتجنب المجذوم دفعا للوقوع في هذا الاعتقاد. نعم، هذا أفضل ما جمع به هذان الحديثان. إذن قوله: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، من باب سد الذرائع والأخذ، يعني قطع الأسباب التي قد توقع الإنسان باعتقاد وجود العدوى، باعتقاد وجود العدوى. لماذا؟ لأنه ربما يقترب فقد يصاب وقد لا يصاب، فإذا أصيب قد يعتقد أن هذا بسبب العدوى، وإنما هو حصل بتقدير الله سبحانه وتعالى، فلأجل سد هذا الاعتقاد حتى لا يعتقد الإنسان أن العدوى تعدي بنفسها، أمر بالأخذ بالأسباب وسد الذرائع والابتعاد عن المصاب بشيء من الأمراض المعدية، حتى تسلم عقيدته. وهذا الجامع قال به الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله. قال: ماذا يجب على من وجد حديثين متعارضين مقبولين؟ قال: يجب عليه ما يلي: أولا إذا أمكن الجمع تعين الجمع بينهما، وجب العمل بهما. هذا أولا، أول ما نجد حديثين متعارضين إذا كان يعني مقبولين، نجمع بينهما، نجمع بينهما على أي وجه من أوجه الجمع، فإذا استطعنا ذلك فهذا هو الواجب، وحينئذ نعمل بكل الحديثين على المحمل الذي حمل عليه في هذا الجمع. والجمع يعني يكون عمل بكل الحديثين، وكل الدليلين، وهذا أولى من إهمال أحدهما بالنسخ. فالنسخ لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع، لأن النسخ إهمال لأحد الدليلين وإهمال للآخر، لكن الجمع تعمل بكل الدليلين، هذا تعمل به على وجه وهذا تعمل به على وجه آخر. قال: ثانيا: إذا لم يمكن الجمع وعلم التاريخ، فالمتأخر منهما ناسخ للمتقدم. نعم، إذا ما استطعنا أن نجمع، أردنا أن نجمع بين الحديثين ما وجدنا إلى ذلك سبيلا، فهنا ننظر إلى التاريخ، أيهما متقدم وأيهما متأخر، فالمتأخر ناسخ للمتقدم، فيكون متقدم منسوخ والمتأخر ناسخ، وحينئذ نعمل بالمتأخر. قال: ثالثا: إذا لم يعلم أو يعلم المتأخر، انتقلنا إلى الترجيح، ورجحنا أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح، وهي كثيرة تبلغ خمسين وجها. نعم، إذا ما أمكن معرفة التاريخ، فهنا نرجح، الترجيح بمعنى أننا نقدم أحد الدليلين على الآخر، نرجح أحد الدليلين على الآخر، فنعمل بالحديث الراجح ونترك المرجوح. قد يكون الترجيح من جهة السند، يعني من حيث الصحة الحديث من حيث ثقة الرواة، قد يكون من حيث المتن ليس له معارض مثلا من أدلة الكتاب والسنة، بل تؤيده إلى آخره. يعني طرق كثيرة ذكرها أهل العلم، وهي يعني تذكر كذلك في كتب المصطلح في باب الجمع بين الحديثين. قال: رابعا: إن لم يترجح أحدهما على الآخر -وهو نادر- توقفنا عن العمل بهما حتى يظهر لنا مرجح. هذا قد يكون نسبي، يعني بالنسبة لأحد أهل العلم قد لا يترجح له شيء فيتوقف، هذا التوقف نسبي. وإلا ما يمكن يعني أن تتعارض الأحاديث ولا يمكن الجمع بينها أو ترجيح بعضها على بعض، فيحصل هذا بالنسبة لبعض أهل العلم، ويعلمه آخرون. قال: ومثال في الترجيح باب التوضيح: حديث ابن عباس وميمونة، أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ميمونة أنه تزوجها وهو حلال، وفي حديث ابن عباس أنه تزوجها وهو محرم. وهو محرم. الآن هذا الأذان الحديثين فيما تعارض، في حديث ميمونة أنه تزوجها وقد حل من إحرامه، ومن ابن عباس يقول: لا، تزوجها وهو محرم، ما زال محرما. وكل حديثين صحيح، وما يمكن هنا الجمع، ولا كذلك النسخ، لأن كلاهما في حديثة واحدة، يعني حصل في زمن واحد. فهنا جاءت العلماء وعملوا بالترجيح، فرجحوا حديث ميمونة على حديث ابن عباس. لماذا؟ قالوا: لأن ميمونة هي صاحبة القصة، وهي أعلم بما حصل لها. ومن المرجحات أن يرجح قول صاحب القصة على غيره، لأنه أعلم بما حصل له منه من قال. كذلك أن ميمونة بالغة كبيرة، وابن عباس صغير ومازال يعني دون البلوغ، فهي أضبط للحديث والحادثة من ابن عباس رضي الله عنهما. قال: فمختلف الحديث هذه مراتبه: الجمع، النسخ، الترجيح، التوقف. قال: والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط -كما قال بعضهم- لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر أمر نسبي، قد يخفى على شخص ويظهر لغيره. نعم، التعبير بالتوقف أفضل من التعبير بالتساقط. بعضهم يقول: التساقط، لا هو توقف باعتبار خفاء الترجيح بالنسبة له، وقد يعلمه غيره من أهل العلم، فهنا إذن في الحقيقة لم تساقط الحديثان، وإنما حصل التوقف بسبب عدم ظهور شيء يرجح أحدهما على الآخر. قال: بأهمية هذا العلم ومن يكمل له. قال: هذا العلم من أهم علوم الحديث، إذ يضطر إلى معرفته جميع العلماء. وإنما يكمل له ويمهر به الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصوليون الغواصون على المعاني الدقيقة. وهؤلاء الذين لا يشكل عليهم منه إلا النادر، يعني في الجمع بين الأحاديث المتعارضة. قال: إمام محمد بن إسحاق بن خزيمة: «لا أعرف أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان بإسنادين صحيحين متضادين، فمن كان عنده فليأتني به ليؤلف بينهما». يقول: من عنده حديثان صحيحان متعارضان، يعني بينهما تعارض وتناقض، فليأتي به وأنا أجمع بينهما، أؤلف بينهما بوجه من وجوه الصحيحة. نعم، وذلك أن هذه الشريعة معصومة، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بوحي من الله، وما ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى، هو القائل صلى الله عليه وسلم. ألا إنما قال رسول الله كما قال الله. وما كان من عند الله فلا يمكن يكون فيه تناقض أبدا، ولو كان من عندي غير الله لأجد فيه اختلافا كثيرا. قد يحصل شيء من التعارض في الظاهر، لكن يجمع بينهما -كما سمعتم- بوجه من أوجه الجمع التي يؤلف بها بين هذه الأحاديث، وتسلم من التناقض. قال: ما هي أشهر المصنفات فيه؟ قال: أولا: «اختلاف الحديث» للإمام الشافعي، وهو أول من تكلم وصنف فيه. أول من صنف في هذا العلم هو الإمام الشافعي رحمه الله، في كتاب «اختلاف الحديث». ثانيا: «تأويل مختلف الحديث» لمن قتيبة الدينوري. وثالثا: «مشكلة الآثار» للإمام الطحاوي رحمه الله. أما كتاب الإمام الشافعي هو مقبوض في ضمن كتاب «الأم»، بضمن كتابه «الأم»، ذكر فيه في ضمنه يوجد كتاب «اختلاف الحديث». قال الناظم رحمه الله: «وحيث لا وعرف التاريخ فذلك الناسخ والمنسوخ». قال الشارح -فقهه الله-: وحيث لم يمكن الجمع بينهما وعرف التاريخ، فالمتأخر منهما الناسخ والأول المنسوخ. وحيث لا يعني ما أمكن الجمع وعرف التاريخ، عرفنا المتقدم والمتأخر، فذلك الناسخ والمنسوخ، يعني هذا هو العلم المسمى بالناسخ والمنسوخ. قال: تعريف النسخ لغة: الإزالة والنقل، تقول: نسخت الشمس الظلة، أي أزالتها. ونسخت ما في الكتاب، أي نقلته. فالنسخ لغة الإزالة والنقل. واصطلاحا: رفع حكم شرعي أو لفظه بدليل متراخ عنه. رفع حكم شرعي أو لفظه بدليل متراخ عنه. فقول: رفع حكم شرعي، يعني هنا الرفع النسخ قد يكون لحكم شرعي قد ثبت، لحكم شرعي قد ثبت، فيأتي ما ينسخ هذا الحكم ويرفعه. وقد يكون النسخ للفظ أو لفظه، يعني للحديث الوارد أو الآية التي وردت في ذكر حكم من الأحكام، فينسخ هذا اللفظ ويرفع. ويكون هذا النسخ بدليل متراخ، يعني متأخر عن المنسوخ. فالذي يرفع حكمه أو يرفع لفظه يسمى منسوخ، والذي رفعه يسمى ناسخ، يسمى ناسخ، يعني دليل المتأخر يسمى ناسخ، والمتقدم الذي رفع حكمه أو لفظه يسمى منسوخ. قال: أهمية وصعوبة وأشهر المبرزين فيه. قال: معرفة ناسخ الحديث من منسوخه علم مهم صعب، فقد قال الزهري: «أعيى الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه». وأشهر المبرزين فيه الإمام الشافعي رحمه الله، فقد كانت له اليد الطولى والسابقة في ذلك. قال الإمام أحمد لابن وارة: «وقد قدمت من مصر كتب الشافعي». قال: «لا، ما علمنا المجمل من المفسر، ولا ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالسنا الشافعية». والإمام الشافعي أول من صنف في علم المصطلح، في علم الأصول، كتابه «الرسالة» يعتبر أول يعني ما صنف وألف في علم أصول الفقه، وذكر فيه شيء من مسائل علم الأصول العام والخاص، والناسخ والمنسوخ إلى آخره. قال: بما يعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: يعرف الناسخ من المنسوخ بأمور: أولها بتصريح النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». والحديث المسلم عن بريدة. فقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، يعني النهي متقدم، النهي عن زيارة القبور متقدم، وكان هذا في أول الإسلام قبل أن يعني يرسخ التوحيد في قلوبهم، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور، فلما تعلموا التوحيد وعرفوا الشرك أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بزيارتها، فقوله: «فزوروها» هذا ناسخ للحكم الأول الذي هو المنع عن زيارة القبور. إذن هنا كيف عرفنا أن النهي عن زيارة القبور منسوخ بحديث النبي عليه الصلاة والسلام وإخباره بذلك. قال: ثانيا: قول الصحابي، كقول جابر رضي الله عنه: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار». الحديث رواه النسائي وأبو داود. كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار. النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ مما مسته النار، يعني مما طبخ في النار وأكل منه، كان يتوضأ من ذلك، ثم ترك بعد ذلك الوضوء مما مسته النار. كيف عرفنا أن هذا الحكم نسخ؟ لأن في بعض الأحاديث الأمر: «توضأوا مما مست النار»، الأمر بالوضوء مما مست النار، أخبر جابر أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يترك الوضوء مما مسته النار، يعني يأكل طعاما مسته النار ثم يقوم يصلي ولا يتوضأ، فعرفنا بهذا أن الأمر بالوضوء مما مست النار منسوخ بإخبار هذا الصحابي. قال: ثالثا: بمعرفة التاريخ، كحديث شداد بن أوس وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». الحديث رواه أبو داود. وحديث ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم». فبين الشافعي أن الثاني ناسخ للأول، لأن الأول كان في زمن الفتح سنة ثمان، والثاني في حجة الوداع في سنة عشر. قالوا: يعني القول أو الحكم بفطر الحاجم والمحجوم، فعن هذا على صحة الحديث. وإلا بعض أهل العلم أشار إلى ضعف الأحاديث الواردة في الحجامة، كالإمام الزيلعي رحمه الله في «نصب الراية». لكن على صحته في قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»، استدلوا بهذا العلم من قال بأن الحجامة تفطر الصائم. مسدلة باحتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم في بعض الروايات وهو محرم، وكان ذلك في حجة الوداع. وحجة الوداع متأخرة، كانت في السنة العاشرة. وقوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» كان في السنة الثامنة في عام الفتح، إذن فيكون حديث ابن عباس ناسخ لحديث شداد. قال: وحديث بسعيد في السنن: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في الحجامة للصائم». والرخص لا تكون إلا بعد عزيمة، إلا بعد منع، فقوله: «رخص في الحجامة للصائم» دل هذا على أن المنع من الحجامة حال الصيام قد نسخ. قال: ومنها يعرف بالإجماع، كحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، فإنه منسوخ، عرف نسخه بانعقاد الإجماع على ترك العمل به. والإجماع لا ينسخ ولا ينسخ، ولكن يدل على وجود ناسخ. قتل الشارب في المرة الرابعة، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فيمن شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه»، قال: «في الرابعة ثم إن شرب فاقتلوه». هل هذا الحكم ما زال باقيا؟ أكثر أهل العلم بل بعض من نقل الإجماع -كما ذكرنا هنا- على أن هذا الحكم منسوخ، ونقل الإجماع الإمام المنذر، قال: «أزيل القتل عن الشارب في المرة الرابعة بإجماع عوام أهل العلم إلا شاذا من الناس». وقوله: «إلا شاذا من الناس» يدل على أن المسألة فيها خلاف، يدل على أن هناك خلاف المسألة. وإذا حصل الخلاف فلا إجماع. قال: وأشهر المصنفات في الناسخ والمنسوخ: «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي، وكتاب «الناسخ والمنسوخ» للإمام أحمد، وكتاب «تجريد الأحاديث المنسوخة» للإمام ابن الجوزي. طيب، هذه أشهر المصنفات في الناسخ والمنسوخ.