شرح لمعة الاعتقاد 4

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 4، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تنزيه الله عن الأشباه والأنداد

يشرح المقطع معنى تنزيه الله عن الأشباه والأنداد مستدلاً بآيات القرآن، ويبين أن التشبيه بين نعيم الدنيا والآخرة إنما هو في الأسماء لا في الصفات والحقائق. كما يوضح تنزيه الله عن الصاحبة والولد استناداً إلى سورة الإخلاص وآيات أخرى.

تنزيه الله عن الولد والصاحبة ونفاذ حكمه الكوني

يبيّن المقطع كفر من نسبوا لله الولد والصاحبة من اليهود والنصارى، ويوضح أن حكم الله الكوني نافذ لا معقب له بخلاف الحكم الشرعي. ويؤكد أن العجز عن تصور صفات المخلوقات في الجنة يستلزم عجز العقول عن تمثيل الخالق، مستدلاً بقوله تعالى «ليس كمثله شيء».

التنزيه والإثبات في آية ليس كمثله شيء

يشرح المقطع آية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" موضحاً أنها تجمع بين التنزيه المطلق بنفي المماثلة في الذات والصفات والأفعال، والإثبات بصفتي السمع والبصر. ويرد على الجهمية الذين يعطلون الصفات والممثلة الذين يثبتونها بالتشبيه، مبيناً أن الميزان الصحيح هو إثبات الصفات مع نفي المماثلة.

خاتمة المجلس وصف الله بصفات الاختصاص

أشار المتحدث إلى وصف الله تعالى بصفات الكمال المختصة به وحده لا شريك له، مبيناً أن التفصيل في ذلك سيأتي في مجالس قادمة. ثم أنهى المجلس داعياً للحضور بالبركة.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في كتاب "لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد" لشيخ الإسلام أبي محمد موفق الدين ابن قدامة المقدسي، المتوفى سنة عشرين وستمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. وقرأنا المقدمة، قال رحمه الله تعالى وغفر له: «في هذا الكتاب العظيم: الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، نفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، الرحمن على العرش استوى، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، أحاط بكل شيء علما، وقهر كل مخلوق عزة وحكمة، ووسع كل شيء رحمة وعلما، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون به علما». لا زلنا في هذه المقدمة النافعة التي كتبها هذا العالم الجليل، وهو من الراسخين في العلم. «جل عن الأشباه والأنداد»: أي جل ربنا وعظم، وتقدس وتنزه سبحانه وتعالى. «جل عن الأشباه»: أي عظم وتقدس وتعالى وتنزه. هذا معنى «جل»: عظم وتقدس وتعالى وتنزه عن الأشباه والأنداد. الأشباه: جمع شبه وشبيه، والمراد بالأشباه في هذا الموضع: المثل. المراد بالأشباه في هذا الموضع: الأمثال أو المثل. والله جل جلاله يقول في نفي ذلك: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65]، أي شبيهاً ومماثلاً. ويقول جل جلاله في نفي الأشباه عن الله وهي الأمثال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11]. ويقول جل وعلا نافياً: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4]. ف الله عز وجل لا مثل له ولا شبيه له سبحانه وتعالى. والأنداد: جمع ندٍ، وهو النظير. والأنداد جمع ندٍ وهو النظير. والله جل جلاله نفى الأنداد، فقال: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 165]، أي مثل حب الله. ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165] الآية. فهذه الآية فيها أن الله جل عن الأنداد. ويقول جل جلاله ناهياً عن اتخاذ الندِّ لله عز وجل وهو النظير في العبادة، في الدعاء، في المسألة، في الاستغاثة. الله جل وعلا يقول: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 22]، أي وأنتم تعلمون أنه لا ندَّ له سبحانه ولا نظير له سبحانه. «جل عن الأشباه والأنداد». أما أصل الشبه فبه تتمايز الأشياء، ولهذا ينفي الشبه مطلقاً الجهمية. فمثلاً: الله جل وعلا جعل في الجنة خمراً، فنحن نعرف خمر الدنيا، لكن هل خمر الآخرة مثل خمر الدنيا في الصفات؟ الله جل جلاله أخبر أن في الآخرة عسلاً: ﴿ أَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾ [محمد: 15]، وأنهاراً من لبنٍ لم يتغير طعمه، وأنهاراً من خمرٍ لذةٍ للشاربين. هل خمرها خمر الجنة وعسلها ولبنها وماءها مثل ما في الدنيا؟ الجواب: ليس بينهما إلا الأسماء. أليس كذلك؟ ليس بينهما إلا الأسماء. لكننا نعلم إذ ذكر الله هذا في القرآن أن الخمر يشرب، وأن خمر الآخرة مشروب. من أين عرفنا هذا العرف في الخمر؟ وعرفنا أيضاً أن عسل الآخرة يُطعم لأن الله أخبرنا به في القرآن، ونعلم أن ماء الجنة يُشرب، وأن فواكهها تُأكل. لكن صفة الفاكهة وأوصافها: ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. إذن يوجد قدر مشترك بين خمر الآخرة وخمر الدنيا في شيءٍ هو شبه العام، وهو أن خمر الآخرة تُشرب، ﴿ وَيُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ﴾ [المطففين: 25]، ويُسقون أيضاً خمراً، فهي تُشرب وتُسقى كما أن خمر الدنيا تُشرب وتُسقى. وكذلك ألبان الآخرة تُسقى وتُشرب، كذلك ألبان الدنيا تُسقى وتُشرب، لكنها من حيث الصفة والحقيقة: ما لا عينٌ رأت، كما في حديث أبي هريرة: «أعددت لعبادي الصالحين»، يقول الله جل جلاله في الحديث المرفوع: «أعددت لعبادي الصالحين -أي في الجنة- ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر». إذن الاشتراك في الاسم: خمر خمر، لبن لبن، عسل عسل، لكن الصفات بينهما فرقٌ واسع وبونٌ شاسع كما يقال. فالله عز وجل «جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد». الله جل وعلا يقول في هذه الجملة: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]، أحدٌ في ذاته، أحدٌ في صفاته، أحدٌ في إلهيته، أحدٌ في ربوبيته، فهو الأحد على وجه الإطلاق لله عز وجل. ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ [الإخلاص: 2]، الذي يصمد إليه الناس بحوائجهم. ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ [الإخلاص: 3]، ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4]. ف الله عز وجل تنزه، ولم تكن له صاحبة سبحانه، تنزه عن ذلك، تنزه عن ذلك جل جلاله، تقدست أسماؤه. يقول الله جل وعلا: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ﴾ [المؤمنون: 91]. ويقول جل وعلا: ﴿ مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا ﴾ [الجن: 3]، سبحانه وتعالى. ويقول جل وعلا: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ﴾ [الأنعام: 101]. والله عز وجل بيّن أن من يجعلون لله الأولاد والصاحبة مشركون، وهم اليهود. بيّن الله جل جلاله أن من يجعلون لله الصاحبة والأولاد هم مشركون، وهذا شرك اليهود والنصارى. ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة: 30]. ويقول جل وعلا: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ * وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الصافات: 151-152]. «وتنزه عن الصاحبة والأولاد» خلافاً لقول مشركي اليهود والنصارى. «ونفذ حكمه في جميع العباد»: «نفذ حكمه في جميع العباد». في حديث ابن مسعود رضي الله عنه المشهور، وفيه: «ماضٍ في حكمك، عدلٌ في قضائك». وهذه الجملة حسنةٌ بطرقها، الحديث انتقدت فيه لفظة وشكلت كما أبانه ابن القيم. لكن الذي يعنينا في هذا الموضع: قول المؤلف رحمه الله «ونفذ حكمه في جميع العباد». في حديث ابن مسعود في دعاء الهم المشهور: «ماضٍ في حكمك، عدلٌ في قضائك». والله جل جلاله يقول في القرآن الكريم: ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 41]. ف الله يحكم سبحانه، وله الحكم المطلق جل جلاله. يقول المؤلف: «ونفذ حكمه في جميع العباد، والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب». والمخلوق قد يحكم، قد يحكم المخلوق، لكن حكمه قد ينفذ وقد لا ينفذ. أما الحكم النافذ مطلقاً دون أي استثناء أو تفصيل فهو حكم الله عز وجل وحده، وهذا من خصائص الله تعالى. المخلوق قد يحكم، لكن لمن الحكم المطلق الذي لا رادَّ له ولا معقِّب له؟ الله جل جلاله له الحكم المطلق، هذا من خصائص الله سبحانه وتعالى، هذا من خصائص الله عز وجل. الحكم قد يكون شرعياً وهو ما كان من الكتاب والسنة، وقد يكون قدرياً كونياً وهو ما قدَّره الله عز وجل، وهذا هو المراد في هذا الموضع والله أعلم. الأقرب أن المراد بقول المصنف رحمه الله «ونفذ حكمه»: أي الكون القدر الذي لا رادَّ له ولا معقِّب له. فما قضاه الله عليك كائن، ما قضاه الله عليك كوناً كائن ولا بدَّ أنه واقع. لكن ما قضاه الله شرعاً فهو مطلوب، قد يقع وقد لا يقع. سيأتي الكلام على هذا إن شاء الله في الكلام على القدر وأحكامه ومسائله إن شاء الله تعالى. «ونفذ حكمه في جميع العباد»: أي في جميع خلق الله عز وجل. ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 41]. سبحانه. إذن الأقرب أن المراد بقوله «ونفذ حكمه»: الحكم الشرعي أم الكوني؟ الأقرب أنه الكوني. الكوني لا يرد ولا يراجع ولا يستثنى فيه، بل لا بدَّ من وقوعه. ف الله قضى بإيمان... كفر أبي لهب، وقضى بإيمان أبي بكر، فكان أبو بكر مؤمناً، ومات أبو جهل كافراً، قضى الله ذلك. فرعون: قضى الله كوناً أن يموت كافراً أشد الكفر، فمات كافراً أشد الكفر. وهكذا كل من جاءنا الحكم عليه بالكفر ومات على ذلك، قضاه الله كوناً. سيأتي الكلام على هذا. «لا تمثله العقول بالتفكير»: أي هل تستطيع العقول أن تمثل الله بشيء من خلقه إذا فكرت تفكيراً عميقاً في ذات الله تعالى؟ الجواب: تعالى الله عن ذلك. إذا كان الإنسان إذا أراد أن يفكر في صفة خمر الجنة ولبنها وعسلها لم يستطع أن يتصوره، ولا أن يعرف شيئاً من صفته: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فكيف بالخالق؟ هذا المخلوق لم يستطع أن يعرفه، كيف يعرف الخالق جل جلاله؟ تعالى الله عن ذلك. «لا تمثله العقول بالتفكير»: أي بالتفكر في ذات الله تعالى بالتفكير، أي بالتفكر في ذات الله تعالى. «ولا تتوهمه القلوب بالتصوير»: التوهم نوع من الظنون والشكوك والخيالات، هذا هو التوهم. التوهم نوع وضرب من الخيالات والظنون والشكوك ونحوه، فيقال: توهم أو هماً، أي خيالات وظنون وشكوك، والغالب أنها غلط. «ولا تتوهمه القلوب بالتصوير»: أي بالتصور في ذاته وصفاته. «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»: هذه الآية العظيمة ميزان عظيم في إثبات منهج الأنبياء والرسل في باب أسماء الله وصفاته، ورد مناهج المتكلمين من الجهمية، المشبهين، والممثلين، والمعطلة المحرفين. «ليس كمثله شيء»: هذا تنزيه، تنزيه أن يماثل الله في ذاته، أو يماثله في صفاته، أو يماثله في بعض صفاته، أو يماثله في أفعاله، أو يماثله في بعض أفعاله. «ليس كمثله شيء»: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في بعض صفاته، ولا في بعض أفعاله. «ليس كمثله شيء»: هذه الجملة من أساليب البلاغة الدالة على شدة النفي. هذا التركيب من أساليب البلاغة الدالة على شدة النفي. فإن العرب إذا أرادت تأكيد النفي نفت النفي عن مثل الذي تريد أن تنفي عنه. إذا أرادت العرب المبالغة في النفي فإنها تنفي عن المثل، فيكون الشيء منفياً عنه من باب أولى. تقول: «مثلك لا يصنع كذا». هل معنى هذا أنك أنت يجوز لك أن تصنع هذا، وأما مثلك فلا يجوز له هذا؟ فهم منكوس. المراد: إذا كان مثلك لا يصنع هذا فكيف بك أنت؟ إذا كان مثلك لا يصنع هذا فكيف بك أنت؟ فتقول: «مثلك لا يصنع كذا». هذا من أبلغ أساليب النفي. إذا كان مثلك ننفي عنه هذا الصنع فأنت من باب أولى أن ينفى عنك هذا. تقول أيضاً: «ليس كمثل الفتى زهير» هكذا. «ليس كمثل الفتى زهير، فتى يوازيه في الفضائل». «ليس كمثل الفتى زهير»: المعنى، وزهير من باب أولى أن لا تجد فتى مثله في أخلاقه العالية ومكارم صفاته السامية. إذا كان مثل زهير لا يوجد فيه فتى مثله، فزهير من باب أولى. «ليس كمثله شيء»: هذا أسلوب مبالغة في النفي. هل فهمنا هذا يا إخوان؟ عندك يا أبا حمزة؟ «ليس كمثله شيء»: هذا أسلوب بلاغي تستخدمه العرب لنفي الشيء. تقول: «مثلك ما لا يصنعك»؟ أي أنت من باب... من باب أولى. إذا كان المثل لا يصنع هذا فأنت من باب أولى. فهل أحد لم يتضح لهذا أسلوب بلاغي موجود في كلام العرب كثيراً؟ وهذا المراد في الآية: «ليس كمثله شيء». هذا نفي مؤكد أنه لا يماثل الله، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في بعض صفاته، ولا في أفعاله، ولا في بعض أفعاله، شيئاً أبداً. «ليس كمثله شيء»: تنزيه ونفي مطلق. ثم قال جل وعلا: «وهو السميع البصير». وهذا إثبات. ف الآية فيها ركنان: نفي وإثبات. والجهمية يأخذون النفي ويتركون الإثبات، يأخذون النفي ويتركون الإثبات. والممثلة يأخذون الإثبات ويبالغون به ويتركون النفي. والميزان الصحيح أن تأخذ التنزيه والإثبات معاً. ما هو التنزيه في الآية؟ أين جملة التنزيه في الآية؟ عندك يا بقاش فضل؟ «ليس كمثله شيء»: تنزيه. وأين الإثبات؟ «وهو السميع البصير». إذن عندنا تنزيه وإثبات: تنزيه جملة، وإثبات جملة أخرى. «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». طيب، هذا فيه الرد على الجهمية والمعطلة المحرفة الذين يقولون: لو قلنا إنه سميع لكان مشابهاً ومماثلاً لخلقه. المخلوق سميع. قلنا: اقرؤوا أول الآية. يقولون: لو قلنا إن الله سميع لكان مشابهاً لخلقه، المخلوق سميع. قلنا: اقرؤوا أول الآية، إيش أول الآية؟ عندك يا أخي، إيش أول الآية؟ «ليس كمثله شيء». لا في صفاته، فهو السميع البصير، وليس في... وليس في كونه موصوفاً بالسمع والبصر «ليس كمثله شيء». ليس كمثله في سمعه شيء، ليس كمثله في بصره شيء. نثبت السمع وننفي المثلية. تنزيه وإثبات. هذا الميزان، ميزان عظيم. أخلت به المعطلة الذين عطلوا الله عن صفاته. ف الله عز وجل هو السميع البصير، والمخلوق أيضاً سميع بصير، لكن الله قال: «ليس كمثله شيء» مع كونه سميعاً بصيراً. فهذه الآية ميزان في جميع آيات الصفات، في جميع آيات الصفات: «ليس كمثله شيء وهو مستوٍ على عرشه»، «ليس كمثله شيء وهو العليم بخلقه»، «ليس كمثله شيء وهو ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ثلث الأخير فينادي خلقه» الحديث، «ليس كمثله شيء وله وجه»، «ليس كمثله شيء بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء» سبحانه وتعالى. إثبات وتنزيه يجريان معاً، يجريان معاً. هذا هو الميزان. لهذا يقول المصنف رحمه الله: «لا تمثله العقول بالتفكير»: أي في صفاته إذا سمعوها، والتفكر في ذاته إذا حاولوا ذلك. «ولا تتوهمه القلوب بالتصوير»: أي التصور أيضاً. «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». لعل الوقت قد دخل. هذه الآية ميزان عظيم، فإذا كان أحد لم يتضح له فليسأل، فإن هذه المسائل ضلت فيها عقول، فيها ذكاء، وفضل الله يؤتيه من يشاء سبحانه وتعالى. فضل الله يؤتيه من يشاء، أوتوا ذكاء ولم يؤتوا زكاء، كما قال ابن تيمية في الحموية رحمه. فأرجو أن هذا متضح، ومن لم يتضح له فليسأل، فليسأل ليعاد له الكلام بصيغة أخرى إن شاء الله يتضح له المراد بها. فضل يا أبا حمزة: هذه الآية، هذا الأسلوب مبالغة في النفي. أي: إذا كان الله... إذا كان لله مثل فإنه لن يكون لمثل الله نظير، فكيف بالله عز وجل؟ هذا افتراض والمراد به النفي، بل ليس النفي المراد به المبالغة في النفي، مبالغة شدة المبالغة. «ليس كمثله شيء»: فكيف به من باب أولى؟ ولله المثل الأعلى سبحانه. لله المثل الأعلى سبحانه. فإذا كان أحد لم يتضح له... فضل أبا... حتى... نعم، صلة وتوكيد. لا يوجد في القرآن «زاد» «ليس كمثله» هذه صلة وتوكيد. أصل الكلام: «ليس مثله شيء». أصل الكلام: «ليس مثله شيء». لكن هذه الصلة لتأكيد المعنى وتثبيت المعنى، والمعنى بها أبلغ وأتم مما لو حذف عنها. «ليس كمثله شيء». وبعض العلماء يفسرها، يفسرها بمعاني أخر، ويقول: الكاف بمعنى الذات أو الصفات، الأمر واسع في التأويل. القصد التدبر للآية وفهم المعنى، وأنه تنزيه الله عن أن يماثله في أسمائه أو يماثله في صفاته أحد من خلقه، وإن تشابه اللفظ، وإن تشابه اللفظ، وإن تشابه اللفظ. فالمشابه في اللفظ لا يقتضي الاشتراك في الحقائق، كما قال العلماء. قال الله في النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، بالمؤمنين رؤوف رحيم. ووصف الله نفسه أنه الرؤوف سبحانه: ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 117]، سبحانه. وليس الرؤوف كالرؤوف، ولا الرحيم كالرحيم. ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الممتحنة: 7]، والله عز وجل وصف نفسه أنه العزيز سبحانه، وأنه الحكيم، ﴿ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الحشر: 24]، وهو العزيز الرحيم. وليس العزيز كالعزيز، ولا الحكيم كالحكيم، ولا الرحيم كالرحيم. إنما هي الألفاظ، أما الحقائق فليس بينها أي تشابه أو تماثل سبحانه وتعالى. وصف نفسه بصفات هي مختصة به سبحانه لا يشركه فيها أحد. سيأتي الكلام بزيادة إن شاء الله تعالى. إذا كان لكم شيء... ووقفناها هنا.