شرح أعلام السنة المنشورة  18

شرح أعلام السنة المنشورة 18

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

دليل اشتراط اليقين من الكتاب والسنة وتأكيده

المؤلف يشرح شرط اليقين في قول لا إله إلا الله مستدلاً بالقرآن والسنة، مثل قوله تعالى ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة». هذا يدل على أهمية اليقين في الإيمان.

أهمية اليقين في تحقيق النفع بكلمة التوحيد وآثاره

اليقين في كلمة التوحيد شرط لانتفاع العبد بها، حيث يغفر الله له ذنوبه عند وفاته ويحرم وجهه على النار. كما يدفع اليقين العبد إلى العمل الصالح والإقبال على الطاعة والعبادة، مما يظهر أهمية اليقين في حياة المؤمن.

خطورة الشك في كلمة التوحيد وعواقبه

المقطع يتناول خطورة الشك في كلمة التوحيد وعدم اليقين بها، ويبين أن من يتلفظ بها مع الشك يكون في حكم المنافقين. كما يشرح أن اليقين شرط أساسي لقبول الشهادة، مما يدل على خطورة عدم اليقين.

ختام الشرح والدعاء والثناء على الله

المقطع ينهي شرح الشرط المذكور ويطلب من الله النفع بما قيل، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في الانتفاع بالمعرفة المذكورة والتبرك بالصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل اشتراط اليقين من الكتاب والسنة؟ هذا هو الشرط الثاني من الشروط التي ينبغي أن يتصف بها كل من قال لا إله إلا الله حتى ينتفع بها. فمر معنا الشرط الأول، ألا وهو العلم؛ العلم بمدلول هذه الكلمة، وما الذي تعنيه هذه الكلمة؟ ثم إذا علم الناطق أو العلم الموحد معنى هذه الكلمة، عليه أن يتحلى ويتصف بصفة ثانية، ألا وهو اليقين. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل اشتراط اليقين من الكتاب والسنة؟ لأن هذه المسألة من المسائل الخطيرة؛ كونك تلزم عباد الله جميعًا لأن يتصف بصفة لابد أن تتوفر في كل من نطق بلا إله إلا الله، ما يكون هذا محض اجتهاد منا، بل لابد أن هذه المسألة مرجعها إلى الشرع. فها هنا المؤلف رحمه الله تعالى سيذكر لنا الأدلة الدالة على شرطية هذا الوصف. قال رحمه الله تعالى: قول الله عز وجل ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا إلى قوله أولئك هم الصادقون﴾، هذه الآية واضحة، استدل بها العلماء على شرطية اليقين. قال: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾، وعدم الارتياب هو اليقين؛ لأن اليقين كما يعرفه العلماء هو زوال الشك والريب، وتحقق الأمر، هذا هو اليقين. تقول: أنا مستيقن من الأمر الفلاني، مستيقن بمعنى أني متأكد، تحقق الأمر عندي، المستيقن لا يطرأ عليه شك ولا يطرأ عليه ريب، هذا هو المستيقن، وهذه صفة اليقين. لهذا قالوا في تعريف العلماء: اليقين المنافي للشك، والشك بمعنى الريب، فهما الألفاظ المترادفة كما يقول العلماء. فوصى ربنا عز وجل أهل الإيمان أنهم آمنوا بالله وآمنوا برسوله لدرجة اليقين، لهذا وصفهم ربنا ﴿ثم لم يرتابوا﴾، ما عندهم ريب، ما عندهم ريب في هذه العقيدة؛ الإيمان بالله والإيمان برسوله، قال: ﴿أولئك هم الصادقون﴾. قال: وقول النبي صلى الله عليه وسلم «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة». انظر لهذا الشرط، إذن هذا الشرط من أين أتينا به؟ ليس من القرون المتأخرة، فضلا أن يكون من أزماننا أو من اجتهاد علمائنا، بل هذا هو من وضع الشريعة. فيقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة»، هذا شرط، هذا شرط؛ تأتي بالشهادة وأنت غير شاك، وليس عندك ريب، ففيها هذا، إذن يكون إيمانك صحيح، وبها تدخل الجنة. لكن مفهوم الحديث: إذا أتيت بهذه الكلمة بشهادة أن لا إله إلا الله وعندك شك وعندك ريب، هل تدخل الجنة؟ ما تدخل الجنة. ومن هنا جعل العلماء من شروط لا إله إلا الله اليقين؛ اليقين بهذه الكلمة. قال: وقال عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة «من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة». قال: كلاهما في الصحيح، أي في صحيح مسلم: «من لقيت وراء هذا الحائط كائناً من كان، وصفه يشهد أن لا إله إلا الله فقط»، قال: «مستيقناً بها قلبه»، شرط اليقين، شرط اليقين. فما جاء هذا الشرط عبث، أو جاء هذا الشرط تحصيل حاصل، حتى يتبرم منه من يتبرم من أهل البدع، ويقول: أنتم أضفتم أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، لا يا عبد الله، هذا مما أنزل الله به سلطاناً. فنبينا اشترط في الذي يدخل الجنة، وهذا من وحي الله، أن يكون مستيقناً. تقول: لا إله إلا الله، وأنت مستيقن بهذه الكلمة وبمدلولها ومبنى بها. قال: «لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة». وأيضاً إخواني في الله، مما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، إنما اقتصر على بعض الأدلة، ومن الأدلة كذلك الدال على شرطية وعلى وجوب اليقين لهذه الكلمة، حتى ينتفع بها قائلها، ما جاء كذلك في مسند الإمام أحمد، من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «ما من نفس تموت وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله يرجع ذلك إلى قلب موقن إلا غفر الله له». هذا شرط يكون حسن الخاتمة يا عبد الله، بقول لا إله إلا الله بهذا القيد: استيقان القلب، أن يكون عندك عقيدة لهذه الكلمة. قال: «ما من نفس تموت أي عندما تموت وتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله يرجع ذلك إلى قلب موقن»، تخرج هذه الكلمة لا من طرف اللسان، بل تخرج من القلب مستيقناً بها بما فيها من معنى. قال: «إلا غفر الله له»، ومتى هذا؟ عندما تموت، بمعنى ستلقى الله وما عليك وزر وما عليك ذنب؛ لأن هذه المغفرة ستحل عليك يا عبد الله عند ساعة وفاتك. وهذا مما يدلك على فضيلة هذه الكلمة، لكن انظر متى انتفع بها قائلها؟ انتفع بها بهذا الوصف، أن يكون موقن القلب. وأيضاً كذلك مما يدل على فضل هذه الكلمة ما جاء، وهذا الحديث السابق حديث معاذ بن جبل، ذكره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة. وجاء كذلك عند الحاكم، أي في مستدركه، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقاً من قلبه يموت على ذلك إلا حرمه الله على النار: لا إله إلا الله». قال عليه الصلاة والسلام: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقاً من قلبه»، هذا شرط، حقاً أيضاً يقيناً، مستيقناً بها حقاً من قلبه، «إلا ثم يموت على ذلك إلا حرمه الله على النار»، قال: «لا إله إلا الله». فأذن الكلمة يا عبد الله كما ترى تعتبر شرط من شروط لا إله إلا الله، كلمة بها يغفر الله جل وعلا ذنوب العبد عند ساعة وفاته إن أتى بها مستيقناً بها قلبه. ويكذلك كلمة يا عبد الله تنتفع بها بأن الله عز وجل يحرم وجهك من النار إن قلتها وأنت مستيقناً بها. وهذه الكلمة إخواني في الله وهي اليقين، طبعاً الناس يتفاوتون، الناس يتفاوتون في اليقين. فالعبد كلما ازداد يقيناً في مدلول هذه الكلمة كان ذلك أجره أفضل وأنفع، بل كان ذلك من أعظم الدوافع على العمل الصالح والإقبال على الطاعة والعبادة. فالناس على حسب استيقانهم لهذه الكلمة يتفاوتون في العمل بعد ذلك. فمن كان استيقانه عظيمة تجد أن عمله وطاعاته وعباداته لله أعظم أكثر، وكلما قل اليقين عند العبد كلما ضعف عنده العمل. يوضح ذلك الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى مبيناً عظم اليقين لهذه الكلمة، فقال رحمه الله تعالى: قال: «لو أن اليقين وقع من القلب لطار اشتياقاً إلى الجنة وهرباً من النار». لو أن اليقين وقع في القلب، وقع في القلب أي وقع موقعاً عظيماً، ما كان هذا مؤدياً؟ قال رحمه الله تعالى: «لطار اشتياقاً إلى الجنة وهرباً من النار»، فكان هذا انفعال القلب، انفعال القلب سيطير طيراناً إلى الجنة. وهذا معنى أن القلب سيدفعك إلى العمل، يدفعك إلى الأقوال الصالحة، يدفعك إلى العبودية لله سبحانه وتعالى، هذا متى؟ باستيقان القلب. فهذه المرتبة عباد الله، مرتبة اليقين من أعظم المراتب من مراتب الدين، فضلا على أنها شرط من شروط لا إله إلا الله. وإذا كان العبد على خلاف هذا الشرط، إذا كان العبد ما عنده يقين بهذه الكلمة، هذا ما أين يوقعه؟ هذا يوقعه في النفاق، يوقعه في الكفر. أهل النفاق ما الذي كان في مشكلتهم في توحيدهم؟ أعظم مشكلة ابتل الله بها أهل النفاق أنهم كانوا مع قولهم لا إله إلا الله ما كانوا مستيقنين لها، ما كان عندهم عقيدة حولها. لربما يقول: لا إله إلا الله، والله أعلم بما في قلبه، فيه من الشك وفيه من الريب. فهذا الذي أوقعهم في النفاق الأكبر، فجعلهم وكانوا من أهل الكفر، من أعظم الناس كفراً، فهم في الدرك الأسفل من النار. وقد أخبر ربنا سبحانه وتعالى مبيناً حال المنافق، أن من أعظم صفات عدم اليقين، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾، وارتابت قلوبهم، الريب كما قلنا بمعنى الشك. فهذا من صفة من؟ من صفة منافق، أن ما عنده يقين، بل في قلبه ريب. فاحذر يا عبد الله من هذا، وهذا قد يوجد، لا ننفي ولا نمنع، إذا وجد النفاق، وهم أناس قد عاصروا رسول الله، عايشوا الوحي وفيهم نفاق، ما أثر هذا فيهم؟ بل ربما يقول في ليلهم ونهارهم: لا إله إلا الله، وقلوبهم مرتابة. وهذا يوجد في أزماننا من بعض الناس، من لا يزال حاله كحال أهل النفاق، لا إله إلا الله، لكن في قلبه ما عنده يقين، إما عنده شك، إما عنده ريب، إما عنده تردد، إما عنده ظن، إما عنده توقف، هذا كله خلاف اليقين. إذا ابتلي به العبد فقد كفر، إذا ابتلي به العبد فقد كفر. ظن يعني يقول: لا إله إلا الله، أي بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعبد، يقول هذا، لكن فيما بينه وبين نفسه: هذا حق، هل الله موجود أصلا؟ هل الله الذي يعبد ولا هناك أحد يعبد معه؟ لا زال يفكر، فهذا يقول: أرى لعل هذا حق، لعل هذا ظن، أو أنا متردد شاك، ما يستطيع أن يجزم. نعم هو يسير بيننا على أنه موحد في الظاهر، لكن في قلبه هو في شك، في شك. وقع هذا عند بعضهم في قصة جهم المعروفة، أنه جلس أربعين يوماً لا يصلي لله، شك في وجود الله. بوجه هذا يشبه بعضهم في وجود الله، لعظم الشبهة التي وقعت على قلبه، مع ضعف الإيمان، مع ضعف اليقين، يأتيه ما يعتريه. وانظر يا عبد الله إلى حال بعض الأفكار اللادينية: علمانية، ويسارية، وبعثية، هؤلاء من هم؟ أسماؤهم من أسماء المسلمين: محمد، وعبد الله، وعبد العزيز. افتح البطاقات، افتح الجوازات: مسلم الديانة، مسلم، مسلم. وإن جلست معه، أنظر ما الذي تسمع؟ يصلي، يقول: أصلي لمن؟ وأستغفر الله، الله أنتم تظنون في رب موجود أصلا؟ والله ما أعتقد هذا، ما أعتقد هذا، يقوله بعض الناس إخواني في الله ممن تأثر بالأفكار الإلحادية: يساري، علماني، ليبرالي، شيوعي، بعثي، يوجد هذا. فهؤلاء كفروا، كفروا من أي باب؟ من عدم اليقين. فإذا كان هناك مسلم إخواني في الله لا زال في شك بلا إله إلا الله، ريب أو متوقف، يقول: أنا أخوان أعتقد نعم بأن الله واحد أحد جل في علاه وأنه يعبد، لكن هل بمعنى هذا أن غيره لا يعبد؟ غيره لا يستحق أن يعبد؟ أخي ليش؟ فإذا كان رجل لا زال متردد، لا زال شاك في هذه الكلمة نفياً وإثباتاً، متردد فيها، فهذا عبد الله خرج من الإسلام؛ لأنه ما توفر فيه اليقين لهذه الكلمة. ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾، يقين، ما عندي دون اليقين ظن غالب، ظن، شك، ريب، هذا دون اليقين، لا ينتفع بها قائل أبداً. وإنما تجزم يا عبد الله، اليقين هو الجزم. وقد مر معنى إخواني في الله أننا شروط لا إله إلا الله حتى تستفاد من أصل الشهادة، ومر معنى أن كلمة أشهد عندما تأتي بها، هذا يلزمك باليقين؛ لأن أشهد الشهادة هي الإخبار والإعلام عن شيء بعلم واعتقاد، اعتقاد تعتقد به. فكونك تأتي تشهد على شيء، تشهد أن لا إله إلا الله وأنت ما أعتقد، عندك اعتقاد لهذه الكلمة، فأنت ما أتيت بالشهادة أصلاً. أنت ما أتيت بالشهادة أصلاً؛ لأن من شروط وركن أركان الشهادة أنك تأتي بشيء عن عقيدة، بمعنى عن يقين، عن جزم، ليس في هذا تخرص ولا ريب. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بهذا الشرط من أدلة التي سردها لنا المؤلف رحمه الله تعالى. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.