الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 193، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الكرامة أمر خارق للعادة يحدث على يد ولي من أولياء الله، وهي دليل على صحة نبوة الأنبياء الذين يتبعونهم. تختلف الكرامة عن المعجزة في أنها ليست للتحدي.
كرامات الأولياء أمثلة تاريخية تظهر صلاحهم واستقامتهم، وتعد دليلاً غير مباشر على صحة نبوة الأنبياء. هذه الكرامات وإن كانت خارقة للعادة إلا أنها تختلف عن معجزات الأنبياء.
الكرامات الحقيقية تأتي نتيجة اتباع السنة النبوية، بينما خوارق السحرة تأتي بإعانة الشيطان. التمييز بينهما يكون بالنظر إلى اتباع صاحب الخارق للسنة النبوية وصلاحه.
الشيطان قد يخدع الناس بادعاء الكرامات، لذا يجب التمييز بين الكرامات الإلهية والمخاريق الشيطانية بالنظر إلى صلاح الشخص واتباعه للسنة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما حكم كرامات الأولياء؟ وكرامات الأولياء يذكرها علماؤنا في كتب العقيدة؛ لأنها من صميم ديننا الاعتراف بكرامات الأولياء، ولهذا جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذه المسألة متعلقة بهذا الباب، فقال رحمه الله تعالى: كرامات الأولياء حق. أولًا يهمنا في هذا الباب أن نعلم ما هي الكرامة؛ لأننا في هذه الأزمان نسمع من كثير من الناس من يدعي الكرامة، وأنهم من أهل الكرامات، وأن الله قد أتحفهم بكرامة، فكيف نعرف أن هذا الذي أعطاه العبد كرامة؟ كما في تعريف الكرامة بأنها أمرٌ خارقٌ للعادة يُجريه الله سبحانه وتعالى على يد ولي. أمرٌ خارقٌ للعادة يُجريه الله سبحانه وتعالى على يد ولي، بهذه الأحرف اليسيرة بإمكانك أن تتعرف على غابط الكرامة، فهو أولًا أمرٌ خارقٌ للعادة، خارقٌ لعادة أهل زمانه، من هم في عصره. فإن فعل أمرًا خرج عن نواميس الناس، عن قوانين الخلق الذين هو عاصرهم، فإن ظفر بذلك، هذا يُعدُّه خارقًا للعادة. مثاله: الناس إذا مشى أحدٌ منهم على الماء غرق، لكن تخيل من يمكنه أن يمشي مشيًا على الماء دون أن يغرق، هذا أمر خارج عن طبيعة البشر، هذا يسمى أمرٌ خارقٌ للعادة. أو رجل ربما يطير في الهواء، لو رأينا أحدًا يطير في الهواء، هل تعد هذا أمرًا عاديًا؟ لا، تجد هذا أمرًا مستحيلًا للخيال أقرب؛ لأنه قد خرج عن طبيعة الخلق فيما خلقهم الله من عادةٍ وقوانين وقواعد يسيرون عليها. فخرق العادة هو بمعنى من خرج عن عادة أهل زمانه، وهذا ضابط مهم إخواني في الله؛ لأن بعض الناس ربما يأتي إلى مسألة إنعام الله، يعني بعض الناس ربما ينعم الله جل وعلا عليه بنعم متجددة متعددة، فإذا به يفخم هذه النعم ويجعلها في رصيد الكرامة. كان يقال مثلًا: أنا والله ما أعرف عن نفسي أني ابتليت بأمر إلا وجاء الفرج من عند الله، جاءت لي ضائقة مالية فجاء لي مبلغ من المال، وجاءت لي حاجة فإذا بفلان دق الباب وعطاني. طب هل هي كرامة هذه؟ هل هذا أمر خارق للعادة؟ لا، هذا أمر اعتيادي، لكن هذا من إنعام الله عليك أن الله يجدد عليك النعم ويمدك بنعم من عنده، فهذا ما يعد خارقًا للعادة. وهذه المسألة كما قلنا بعض الناس الذي ما يفقه فيها ربما جمع لنفسه مثل هذه الإنعامات التي أنعم الله بها عليه وخصه بها من دون الناس، فيجعلها كرامة بها يفتخر على غيره، لا، هذه ليست بكرامة. ضابط الكرامة هو أن تفعل أمرًا خارقًا للعادة. فقال: أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي. وسيأتي معنى من هم الأولياء؟ هم عباد الله الصالحين، هذا الولي هو من كان عبدًا صالحًا تقيًا لربه جل وعلا، فإن الله سبحانه وتعالى يعطيه الكرامة. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: كرامات الأولياء حق، هي حق، ولماذا نقول حق؟ لأن الشريعة دلت عليها، كتاب الله جل وعلا فيه آيات، فيه أن الله أخبر أنه أعطى لبعض عباده كرامات، والسنة المطهرة فيها كذلك آثار عن أقوام وأحوال وأشخاص وأعيان أعطاهم الله كرامات، وإجمع السلف على ذلك. وهذا فيه رد على فرق ضالة منها المعتزلة، المعتزلة ما يعترفون بكرامات الأولياء، ما يعترفون بها، لهم حجة في هذا الباب والشبهة يقول: لو فتحنا المجال وقلنا هذا ولي عنده كرامة، وهذا نبي عنده معجزة، إذن سيختلط الكرامات بالمعجزات، وما فرقنا بين الأولياء والأنبياء، سيكون هذا تشكيكًا لمعتقد النبوة، ولهذا يلغى هذا الباب هكذا قالوا، هذا جهل بدين الله عز وجل، هذا إبطال لمسألة جاء ذكرها في الكتاب والسنة، مع التنبيه على الفارق أصلا هناك فوارق سينبه عليها المؤلف رحمه الله تعالى، فوارق بين كرامة الولي وبين معجزة النبي، وهذا يسمى بالآية والبرهان. قال رحمه الله تعالى: كرامات الأولياء، وهو ظهور الأمر الخارق على أيديهم الذي لا صنع لهم فيه، لا صنع لهم فيه أي ليس هذا بإمكانهم، بحيث لو أنه أراد أن يعيد الذي جرى له ما استطاع، ما استطاع، ليس هذا بحوزته؛ لأن الله هو الذي مده به، فهو أمر حق لله جل وعلا. فرب عبد يأتيه الله كرامة، لكن لما أراد أن ترجع الكرامة وأن تتكرر ما استطاع؛ لأن الكرامة إنما هي من الله لهذا العبد في أمر خاص، وهذا من الفوارق بين الكرامة وبين آيات ومعجزات الأنبياء. قال: الذي لا صنع فيهم فيه، ولم يكن بطريق التحدي، وهذا أهم فاصل بين كرامة الولي وبين معجزة النبي، مسألة التحدي، إذ أن الأنبياء ما يعطيهم الله جل وعلا به من آيات وبراهين تسمى معجزات، إنما يؤتون هذه الأمور لكي يتحدوا بها أقوامهم، في إقامة حجة الله عليهم، فيتحدون بهم من ينافسهم في هذه. أما الولي عندما تأتيه الكرامة ما يتحدى بها أحد، ما يتحدى بها أحد، وإنما يعطيه الله جل وعلا إنما تثبيتًا لهذا الولي أن يبقى على صلاحه، يبقى على صلاحه. لهذا المؤلف إنما جرى ما كان عليه الناس من التفريق بين الأنبياء والأولياء في هذه المسألة، وهو أهم ضابط، مسألة التحدي. قال: بل يجريه الله على أيديهم، وإن لم يعلموا به، قد تقع من غير إرادة، بل من غير نية مسبقة، بل يقع منهم قهرًا، وهم ما يعرفون أن هذا سيقع لهم. قال مؤلف رحمه الله تعالى: كقصة أصحاب الكهف، قصة أصحاب الكهف، ما الذي صار؟ أناس من أهل الصلاح ممن كانوا قبلنا دخلوا إلى كهف، ناموا، ناموا هذه سنوات الطوال من مئات، هل هم أرادوا هذا؟ هم ما أرادوا هذا، هذا ما كان، إنما أمر الله أراد أن يكون فيهم، هم ما عرفوا وما علموا أن مآلهم في هذا المبيت في هذا الغار أنه سيجعلهم إلى هذه السنوات الطوال. فهذه أول كرامة في بيان على أن القرآن أتى بكرامات الصالحين، وفيها أن من علامات الكرامة أن تقع من غير اختيارهم، وإنما الله أراد لهم ذلك لأمور منها التثبيت، أن يثبت هؤلاء على دينه. قال: كقصة أصحاب الكهف، وأصحاب الصخرة الذين سدت عليهم الصخرة من حيث ابن عمر في الصحيحين، فما استطاعوا الخروج منها، فكل توسل إلى الله بعمله الصالح، فما إن ينتهي الواحد منهم بذكر عمله الصالح، إذ بالصخرة لنفسها تتدحرج، وهذا أمر خارق للعادة، صخرة كبيرة تتحرك من غير دف ولا تحريك، وإنما هكذا بكلام يتأثر الصخرة فتتحرك، هذا أمر خارج عن طوق العادة، فهي كرامة، وهي من كرامات الصالحين؛ لأنه لما كانوا من أهل الصلاح حباهم الله بهذه المكرمة. قال: وجريج الراهب، وحديث جريج في الصحيحين من حديث أبي هريرة، عندما اتهموه بأنه زنى بتلك المرأة، طلب أن يؤتى بالصبي الذي رمي به، فأجاء بأصبعه وضرعه في سرة الصبي، قال: من أبوك؟ والطفل لازال في المهد، وهذا يستحيل أن يتكلم، لكن سأله: قال من أبوك؟ قال: أبي الراعي، فتكلم وأنطق الله هذا الطفل في المهد، وهذا أمر خارق للعادة، تجد طفلًا ليس له إلا أيام يتكلم، يفهم سؤالًا ويطرح الجواب، هذا ما يكون إلا شيئًا مذهلًا، فهي خارق للعادة، لكن أجراه الله على يدي رجل صالح وهو جريج، فكانت كرامة، والحديث كما قلنا في الصحيحين. قال: وكلها معجزات لأنبيائهم، ومن فوائد كرامة الأولياء أنها فيها بيان لصحة نبوة أنبيائهم، فإذا كان هذا رجلًا صالحًا من أتباع عيسى عليه السلام، فجعل الله له كرامة، هذا الرجل لم تأت الكرامة لنفسه لشخصه هو لا يستحق، وإنما لما كان من اتباعه لنبيه أكرمه الله بهذه الكرامة. فكل كافر كل معاند لما يرى كرامة هذا الولي، وإنما أكرم بهذه الكرامة الخارقة للعادة بسبب اتباع لمنهج نبيه، كان دلالة على صحة نبوة نبيه، وإن كان من أتباع موسى كذلك، وإن كان من أتباع نبينا فهو كذلك. فمن فوائد الكرامات أن فيها تأييدًا وبيانًا لصحة منهاج أنبيائهم، وأنهم مرسلون من قبل ربهم. قال: وكلها معجزات لأنبيائهم، ولهذا كانت في هذه الأمة أكثر وأعظم لعظم معجزات نبيها وكرامته على الله عز وجل، كما وقع لأبي بكر في أيام الردة، وما الذي وقع لأبي بكر في أيام الردة؟ حيث في الصحيحين، حيث أبي هريرة: كيف أن أبا بكر تحدى العرب جميعًا، إذ أن الردة كل من كان في الجزيرة كفر، ما بقي إلا القليل من أهل الإسلام في مكة والمدينة وأطراف، وإلا كل الجزيرة ارتدت عن بكرة أبيها. فتجشم أبو بكر عناء الجهاد والقتال، حتى عمر من هو عمر؟ ما استطاع أن يمضي لهذا، بل كان ينازع الصديق: لا تفعل، قال: فقال عمر في نهاية: قال فلما رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال عرفت أن الحق معه، كرامة من الله أن الله أيد أبا بكر بهذا، فهو أمر خارق للعادة أن تقاتل مئات الألوف بأعصاب مضاعفة، وما عندك جيش. فخرج الصديق رضي الله تعالى عنه، سبحان من يسر لهذا الخليفة الراشد تلكم الفتوحات، وانهزم أهل الكفر، ونجع الناس قاطبة إلا من أبى الكفر، ورجع كافة الناس إلى حضيرة الإسلام، فكانت كرامة عظيمة في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه. قال: وكنداء عمر لسارية، قصة عمر لسارية، سارية اسم رجل بعث عمر على جيش، وكان عمر في المدينة، وكان هذا الجيش في الشام، عمر رضي الله تعالى عنه في خطبة الجمعة عندما يخطب، إذ به كما ينقل ذلك ابنه عبد الله بن عمر، فإذا بعمر يخطب الخطبة يخطب، ثم يتكلم بهذه الكلمات: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، كررها ثلاثًا، ثم رجع إلى خطبته، رجع إلى خطبته وواصل فيها، فما تفطن لهذه الكلمات إلا بعد حين. هذا الجيش الذي ذهب إلى الشام والقائد عليه سارية، لما رجعوا حدثوا عمر بحديث غريب، فأسألهم عمر عن نتيجة الغزو، قالوا: هزمناهم، قال: لكن نحن في بداية الغزو هزمنا الكفار غلبونا فانسحبنا، قال: فإذا بصوت أتينا: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، قال: فالتفتنا فإذا بجبل، فصعدنا إليه، قالوا: ومنها تغير مجرى المعركة فغلبناهم. كان صوت من هذا؟ صوت عمر، وهو في المدينة، وهم في الشام مسيرة شهر كامل، هذا أمر خارق للعادة، وهي كرامة من كرامات الله أعطاها الله لعمر رضي الله تعالى عنه، ومنع المسلمين بهزيمة الكفار، وهذا الحديث صحيح بشواهده، يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. قال: وكي ندى عمر لسارية وهو على المنبر فأبلغه وهو بالشام، وككتابته إلى نيل مصر فجرى، وهذه مسألة فيها حديث، لكن بعضهم يضعفها: أن نهر النيل ضعف من سوبه وقل ماؤه، فكتب عمر كتابًا للنيل يأمره بأمر الله أن يجري، فرمى بالكتاب فجرى النيل، لكن هذه المسألة أو هذا الحديث الذي بني على هذه المسألة لم يصح. قال: وكخيل العلاء بن الحضرمي إذ خاض بها البحر في غزو الروم، وهذا كذلك ينظر في هذا الحديث، فمنهم من يتكلم، ومنهم من يقول: إن هذا ما صح عن العلاء الحضرمي. قال: وكصلاة أبي مسلم الخولاني في النار التي أوقدها له الأسود العنسي، قال: وغير ذلك، وقصة أبي مسلم الخولاني نعم مشهورة في كتب السيرة والتواريخ، لكن جاءت لها طرق مرسلة، فمنهم من يحسنها، على أن أبي الأسود العنسي الذي ادعى النبوة، عندما جاء مسلم الخولاني يدعوه إلى الله ورسوله وللدار الآخرة، أمر بإحراقه، فأوقد له نارًا، فدخل بها، لكن أخرج وما تضرر منها، وما تضرر منها. وهذه لفتة إلى مسألة وهي من الفوارق التي تفرق بين كرامة الأولياء ومعجزة الأنبياء، وهي من حيث الوقوع والتأثير، هذا الرجل على صحة القصة، مسلم الخولاني دخل في النار وخرج وما تأثر، يشابه من؟ يشابه ما كان عليه إبراهيم الخليل عليه السلام، إذ دخل في النار وخرج ولم تضره. لكن السؤال: على قول المعتزلة الذي قال: انظروا هذا يشبه هذا، فيدخل علينا، فما نفرق بين الكرامة وبين النبوة، وبين الولي والنبي، ما نفرق، لا، الفرق واضح، بدليل ماذا؟ وقوع الكرامة للولي ليست كقوة وقوع المعجزة للنبي، فوقوع المعجزات والآيات للأنبياء يكون له قوة على مستوى العالم بكله. أما كرامة الولي تجدها ماذا؟ مسألة خاصة في مجلس معين، خاصة. انظر مثلًا لقضية إحراق النار هذه، أبو مسلم الخولاني إنما دخل، بل كثير من ما سمع عنها، كثير من ما سمع عنها، فدخل في النار امتحانًا، فأخرج وما تضرر، لكن هل قصة إبراهيم وإدخاله في النار قصة أخرى؟ فرق، إبراهيم عليه السلام أصبحت الأمم تتكلم عن قصة إبراهيم، أصبحت مشهورة في كتب أهل الكتاب وفي السير وفي العوالم، بل حتى أثرت في قومه كانت كبير، النار أججت لأيام، وادي حتى أن الطائر ربما طار فوقع من شدة الحرارة. فدخل إبراهيم، بل حتى لما أدخل ما أدخل بالدفعة، وإنما من جنيح لشدة النار تشتعل جمرة عظيمة، ومن جنيح رمي مرمي، وحتى سقط فيها ثم خرج وما تضرر منها، فلهذا وقوع النبوة والمعجزات للأنبياء تكون أقوى، مثاله أنظر لمعجزة نبينا عليه الصلاة والسلام وهو القرآن، تحدى الله به من تحدى جميع الإنس وجميع الجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يأتون بمثله، ما استطاعوا التحدي، قام على القرآن كله، على عشر سور، على سورة من القرآن، وما استطاع أحد أن يأتي بتحدي هذا. وهكذا موسى عليه السلام كان في زمن السحر قد فشى، وكان عندهم تلك الحبال التي تحدى به موسى، فرموا بحبال، فإذا بها حية وثعابين وأفاعي، لكن انظر لفعلهم، وانظر لمعجزة موسى، رمى بالعصا، فكانت حية عظيمة جان، كبيرة، بل ليست تسعى، بل أكلت حتى هم سجدوا لعلم أن هذا خروج، هذا أمر ما هو مستحيل أن يقع. فوقوع معجزة الأنبياء تكون أضخم بكثير من كرامة الولي، فهي أصغر، فما يعيب المعتزلة أن هناك سيكون خلط، لا، ما عندنا خلط، فسبحان الله، الله جل وعلا فرق بين كرامات الأولياء وبين معجزة من حيث الوقوع، من حيث كذلك التأثير. قال رحمه الله تعالى: وغير ذلك مما وقع لكثير منهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعده في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ومن بعدهم إلى الآن وإلى يوم القيامة، فباب الكرامة مفتوح، ولا زالنا ستحدثون عن الكرامات، فلا ننكر ذلك، الكرامة حق يجريه الله جل وعلا على عباد الله الصالحين إلى يوم القيامة. قال: وكلها في الحقيقة معجزات لنبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم إنما نالوا ذلك بمتابعته، فإن اتفق شيء من الخوارق لغير متبع النبي فهي فتنة وشعوذة، وكرامة، وليس من اتفقت له من أولياء الرحمن، بل هو من أولياء الشيطان، والعياذ بالله. هذه مسألة ختم بها المؤلف هذا المبحث، ونختم بها هذا المقام، وهي خوارق العادات، إخواني في الله قد يجريها الله جل وعلا بيد ولي تسمى كرامة، وقد يجريها الله جل وعلا على يد ساحر كاهن مشعوذ، فتعد محاريق، تعد أحوال شيطانية. وهذا ينبهنا إلى فائدة عظيمة وهي عدم الفرح بخوارق العادات، لا تفرح يا عبد الله بكل أمر خارق للعادة، بعض الناس من السذاجة من السذاجة إذا رأى أن شخصًا ما بغض النظر عن حاله عن طبعه عن دينه، حتى إن فعل أمرًا خارقًا للعادة صفق له، بل ربما القلب تعلق به. هل هذا صحيح؟ هذا ليس بصحيح، تريد أن ترى كرامات أو خوارق العادات اذهب إلى الهند، اذهب الآن الهند هناك سوق كما أخبرت، سوق كامل مهرجانات في خوارق العادات، الذي تريد هناك من يأتي بطاولة وعليها مسامير وينام فوق المسمار، ويؤتى له بمطرقة ويدق هذا موجود. وهذا الذي يأتي بالحية ويتغنى بها، وذلك الذي يأتي بحبل ويمشي على حبل ليس بخشبة حبل يبس في الهواء، ثم يمشي عليه، يوجد هذه أو ذلك الذي يأتي بسيخ حديد يجعله ببطنه ويخرجه من ظهره أو من هذا الشق لهذا الشق من الفم، توجد مخاريق، هذه خوارق العادات، لكن السؤال: هل كل من أتى بخوارق العادات يعتبر وليًا تعد كرامة؟ حتى يصفق له، هذا ليس بصحيح. ومن هنا انطلق هذا الأمر على كثير من العامة، إذا وجدوا رجلًا ما يأتي بخوارق العادات أعجب به، حتى وجد من بعض السحرة أن وجدوا القبول في بعض البلدان لما كانوا يأتون به من خوارق العادات عند العامة، فصفق الناس لهم. وهذا المؤلف رحمه الله تعالى، وهكذا سائر العلماء، بل الشرع يفرق بين خوارق العادات، فليس كل خارق للعادة يعتبر كرامة، وإنما هذا ينظر لصاحب هذا الخارق من هو؟ من هو؟ والعلماء يفصلون بين هذا، يفصلون بين كرامات الأولياء وبين مخاريق السحرة والمشعوذين والكهان. فالأول هؤلاء من عند الله، الله جل وعلا هو الذي يؤيدهم، هو الذي يمدهم، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وهكذا في قول نبينا في الحديث القدسي رواه البخاري: كنت سمعه الذي يسمع به، ويدي الذي يبطش بها، ولسانه الذي يتكلم به، فإن الله يؤيد أولياءه، يؤيد بأمور قد تكون لخوارق العادات. أما أحوال السحرة فما يأتون به من خوارق العادات هي عبارة عن إعانة الشيطان لهم، الشيطان هو الذي يعينهم، ليس الله هو الذي يعينهم، يرفعهم إلى السماء، ينزلهم إلى بطن الأرض، يعطيهم، ينفق عليهم، يمدهم ببعض الأخبار، هذا من فعل الشيطان. الأمر الثاني: أن كرامة الأولياء ما ينالها صاحبها إلا على اتباعه بالسنة، اتباعه بالسنة، على قدر اتباعه بالسنة يعظم الله قدره فيعطيه من الكرامات ما يكون فيه جلاء لأمره، بخلاف أصحاب السحرة والمشعوذين، فإنما يكون من خوارق العادات يعطون على ما يكون منهم من شرك، ومن كفر، ومن بدعة، ومن معصية، على قدر انخراطهم يعطيهم الشيطان الذي يريدونه. حتى ذكر عن سلف، وعن ذاك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في عبارة الشهيرة قال: إذا رأيت الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء، فلا تصدقوه حتى تروا اتباعه للسنة، هذا الضابط، كيف المنهاج؟ كيف الذي يسير عليه؟ إن كان متبعًا للسنة قل: هذه كرامة، وإن كان رجلًا ضالًا مشركًا على وثنية على معاصي تاركًا للصلاة كما نرى من بعض المخرفين الناس في رمضان يصومون، وهذا ولي يدخل، قل: هذه كرامة؟ أو رجل ما يصلي جماعة يترك صلوات كلها ما يصلي، تاركًا للطهارة ربما تمر عليه الشهور ما يقضي غسل الجنابة، ولا يتوضأ وضوء الصلاة، هؤلاء سحرة مشعوذين كهان. فما يؤتون به من خوارق العادات إنما هي من أحوال الشيطان، والأمر الثالث كذلك يقول العلماء: أن ما يعطاه الولي إنما هو أمر حقيقي ملموس، كما رأينا في قصة ذاك الذي فتحت له الصخرة، أو قصة أصحاب الكهف، أو قصة مريم عليها رضوان الله تعالى، إذا أنها ليست بنبية، فكلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا، قال: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، الله يمده الصالحين بالخيرات والأرزاق ما لا يخطر على بال مما خرج عن نواميس الناس، وما يسمى خوارق العادات، فهو أمر حقيقي ملموس. لكن ما يكون من أحوال الشيطان إنما أكثره تخيلات، أكثره تخيلات، يتخيل الذي هو الساحر أو مشعوذ أو كاهن يرى أن الشيطان يريه أشياء يرى حقيقة وهي كلها خيانات، خيانات الشيطان يتلاعب، وهذا معروف الصرع هذا من قدرة الشيطان أنه يمكن على الإنس فيلتبس به، فإذا التبس به، وأنتم أنظروا المصروع لو ربما يتكلم هذا المريض، هل هو يتكلم؟ لا، إنما الشيطان يتكلم على لسانه. فالشيطان يتلبس به فيتكلم هو بما يريد أن يتكلم به، وكذلك النظر يريك أشياء ما هي موجودة، لكن على نظره يريك إياها، فتغتر بها، فربما يجدك أنك في الهواء تسبح وتسبح وأنت في فراشك، ما رأيت مكانًا يلعب عليك يتضاحك عليك، أو هكذا يتجمع لك أموالًا ضخمة كثيرة يكدسها إليك، فتظن أن هذا هو الثراء بعينه، فتأتي في الصباح تختفي عليك الأموال. فلا زال يغريك بهذه الأوهام، أوهام أوهام، حتى أخبر فيما أخبرت من المضحك المبكي: أن رجلًا تلاعب عليه الشيطان على أنه ملك من الملائكة، وأنك رجل صالح سأدخلك الجنة، فكان كل ليلة يأتي هذا الرجل الملكي الكذاب ويقول لهذا: صم معي سأدخلك الجنة، فيدخله إلى مكان يرى من الدور والقصور والجنات والأنهار، وهذا شكا يتلاعب به إلى أن صاحب له عرف ما حدث، قال: والله إني ما أدخلني للجنة كل ليلة، فقال: سأدخل معك الجنة، فأدخل، قال: خلاص، فلما جاء ذاك الشيطان الذي يدعي الملكية، قال: سأدخلك الجنة، قال: وصاحبي معي، قال: أدخلهما توأمًا، فأدخلهما الجنة، إلى أن قام هذا الرجل وذكر الله عز وجل فانقشع الأمر، فإذا بصاحبنا في مزبلة في الكوفة، زبالة يعيش في زبالة، ليست جنة، لكن تلاعب الشيطان. فإخواني في الله فالحذر من هذه الذي يدعيه بعض الناس الكرامات، الكرامات العبرة بالكرامة هي حال المستقيم، إن كان على صلاح إن كان على خير فهذه بشرى، ويعاجل بشرى المؤمن، وطبعًا تحت ذلك مباحث طويلة، لكن همنا في هذا أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن ينبه على الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وأن ما يقع لأولياء الرحمن من خوارق العادات فهذه كرامة، وما يقع لأولياء الشيطان من خوارق العادات فهذه مخاريق وخوارق شيطانية ليست من الله في شيء. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.