شرح أعلام السنة المنشورة  177

شرح أعلام السنة المنشورة 177

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 177، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

البدع المكفرة وأثرها على الدين

تناول المقطع الأول تقسيم البدعة إلى قسمين مع التركيز على البدع المكفرة وضابطها، حيث تُعتبر البدعة مكفرة إذا أدت إلى إنكار أمر معلوم من الدين بالضرورة. يُذكر أن الجهمية والقدرية من الفرق التي أحدثت بدعًا مكفرة.

أهواء الفرق الضالة وبدعها الكفرية

يتناول المقطع الثاني بعض الفرق الضالة مثل القدرية والمجسمة وغلاة القبورية والصوفية، ويبين أن معتقداتهم تعتبر بدعًا كفرية لأنها تنتقص من علم الله أو تثبت له الجسمية. يُظهر المقطع أيضًا كيف أن بعض هؤلاء المبتدعين يُعتبرون زنادقة يُحكم بكفرهم.

ضوابط تكفير أهل البدع الكفرية

يتناول المقطع الثالث حكم تكفير أهل البدع الكفرية، حيث يفرق بين من يأتي بالبدع الكفرية عن قصد وعناد، ومن يفعل ذلك بسبب التغرير والجهل، ويشترط في تكفير هؤلاء إقامة الحجة عليهم.

خاتمة الدرس والدعاء

المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر احترامًا وتواضعًا لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: إلى كم قسم تنقسم البدعة باعتبار إخلالها بالدين؟ قال: تنقسم إلى قسمين: بدعة مكفرة، وبدعة دون ذلك. البدعة التي تحدثنا عنها في درس أمس، وهي الابتداء والإحداث في دين الله جل وعلا، الابتداء ليس على مسلك واحد أو على حكم واحد. فالبدعة تتفاوت، ولهذا قسم العلماء البدعة باعتبار إخلالها بالدين إلى قسمين اثنين: إلى بدعة مكفرة، أي توصل إلى الكفر، يحكم على صاحبها بالكفر، وإلى بدعة دون ذلك، أي وهي البدعة المفسقة. وسيفصل المؤلف رحمه الله تعالى لنا في هذه الأقسام التي ذكرها لنا، فقال رحمه الله تعالى: ما البدع المكفرة؟ قال رحمه الله: هي كثيرة، وضابطها من أنكر أمرًا مجمعًا عليه متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة. قال: أن ذلك تكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسوله. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شيئًا من ضوابط البدع المكفرة، فقال: هاهنا وضابطها من أنكر أمرًا مجمعًا عليه متواترًا من شرع معلومًا من الدين بالضرورة، أي من أحدث في دين الله، وهذا الإحداث مآله إلى إنكار شيء معلوم من الدين بالضرورة، فيقال: هذه بدعة مكفرة. مثاله: لا يقف على أحد منا أن من المحرمات التي علمت حرمتها من الدين بالضرورة حرمة الزنا والسرقة وفعل الفواحش وشرب الخمور، هذا لا يشك أحد في تحريمها. فما ظنك بفرقة من الفرق جعلت أن من دين الله إباحة هذه المحرمات؟ هذا يوجد في الفرق الباطنية، من الفرق الباطنية أباحوا المحرمات، وهكذا فرقة الدروز يبيحون فعل الفواحش والزنا، وأن هذا مما لا يحرم على العبد، هذا ما معناه. قال: هذا من الدين، إذن هذا من البدع، لكن بدعة مكفرة، لماذا؟ لأن مآلها ومؤداها إلى إنكار شيء معلوم من الدين بالضرورة، هذا شيء معلوم قطعي لا إشكال فيه. فكونك تلغيه تحت مضلة الدين، فهذا كفر. فهي بدعة لأنها إحداث، وهي كذلك كفر. وهكذا بعض العلماء يعبر عن هذه البدعة المكفرة بأنها كل بدعة يشوبها الشرك، ومنهم من يعبر بالبدعة المكفرة بأنها كل بدعة تناقض أصلًا قطعيا. عندنا أصول في الدين: الإيمان بالله، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالرسل، الإيمان بالكتب، هذه أصول عظيمة. فمن ابتدع بدعة وهذه البدعة تعود إلى هدم شيء من هذه الأصول الثابتة، فهذه بدعة كفرية. فهذه بعض الضوابط التي يذكرها العلماء في ضابط البدعة الكفرية، فهي إما بدعة يقول أمرها إلى إلغاء أو منع أو تعطيل أمر معلوم من الدين بالضرورة، أو بدعة يشوبها الشرك، أو بدعة تعود إلى هدم أصل من الأصول القطعية. قال رحمه الله تعالى، ممثلًا لبعض البدعة: كبدعة الجهمية. والجهمية فرقة من الفرق الضالة، بلغ في عتوها أنها أحدثت في دين الله ما يقود إلى الإلغاء وإلى التعطيل. قال: كبدعة الجهمية في إنكار صفات الله عز وجل. أنكر الجهمية صفات الله، إن سألت منها جماعة من هؤلاء وهم الرؤوس والغلاة، إن سألتم عن أسماء الله، قال: ما نعلم شيئًا. عندهم أن الله ليس بسميع ولا يسمع، عندهم أن الله ليس ببصير ولا يبصر، لا يثبتون اسمًا ولا صفة: لا سميع ولا سمع، ولا بصير ولا بصر، ولا كليم ولا يتكلم. إذن ما الذي تؤمنون به؟ قالوا: ما نؤمن إلا بإله موجود، هذا الذي نستطيع أن نثبته لله موجود، باقي الأسماء والصفات ما نعترف بها، أعوذ بالله. إذن من هذا الذي يعبد؟ فإن نذهب بأسماء الله وصفاته: السميع، البصير، الرحيم، الرحمن، الغفور، التواب، القدير، القادر، قالوا: هذا ما نؤمن بها، هذا كفر. لهذا كانت بدعة كفرية، التعطيل بأسماء الله وصفاته. قال: إن كان صفات الله عز وجل، والقول بخلق القرآن. وقد مر معنا مسألة القول بخلق القرآن في أبواب المباحث عندما كان الكلام عن القرآن، وتكلمنا حول مسألة القول بخلق القرآن، فهذه بدعة كفرية، لأن مآلها تعطيل الله جل وعلا عن أن الله ما تكلم، وأن هذا القرآن ليس كلامه، ليس كلامه. وتواتر نقولات السلف على تكفير كل من قال بأن القرآن مخلوق. قال: أو خلق أي صفة من صفات الله عز وجل، وإنكار أن يكون الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وكلم موسى تكليمًا، وغير ذلك. وهذه إشارة من المؤلف رحمه الله إلى بعض البدع التي وقعت بها الجهمية، وهي من البدع المكفرة، لأن ثمرتها تعود إلى الله بالنقص والسلب والطعن والقدح. قد مر معنا أن البدع إذا تعود إلى أصل من الأصول القطعية بالهدم والطعن والنقص، فإنها بدعة كفرية، كبدعة الجهمية. قال رحمه الله: وكبدعة القدرية. وهكذا القدرية، فهي جماعات، ومن قول غلاة الجهمية أنهم أتوا بمقالة استوجبت على أنفسها الكفر. قال رحمه الله: وكبدعة القدرية في إنكار علم الله تعالى وأفعاله وقضائه وقدره. وهذا القول قال به جماعة من القدرية، وإن نقل عنهم أن هذا القول قد اندثر مع أصحابه، اضمحلوا، ذهبوا، زالوا، استأصلهم الله من الوجود. وهذه المقالة التي أتوا بها، ما مفادها؟ مفاد أن الله لا يعلم بالأشياء، لا يعلم الله. أنت أتعلم ما الذي يقع في غد؟ تقول: لا. يقول: هكذا الله تعالى، الله يا الله ما يعلم ما في غد. وهذا مقالة كفرية، حتى أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: ناظر ناظر القدرية بالعلم، فإن أقر به خصموه، وإن جحدوه كفروه. لأن أي واحد يتفوّه بمثل هذه الكلمات وينكر علم الله السابق، وأن الله ما علم بالأشياء إلا بعد أن تحصل، فحين يعلم بها، هذا مقالة كفر. فهذه بدعة لأنها قول محدث، والقدرية يتقربون إلى الله بهذه العقيدة الزائغة، وهي كذلك عقيدة، لكنها تؤول إلى الكفر، لأن فيها الطعن في علم الله جل وعلا، وإثبات بأن الله ليس بعلم، وليس بعالم بما سيكون وما كان، جل في علاه. قال: وَكَبِدَتْ وَكَبِعَتْ المجسمة الذين يشبهون الله تعالى بخلقه، وغير ذلك من الأهواء. والمجسمة كذلك فرق ضالة، فرق ضالة. وأخذوا يقرؤون أسماء الله وصفاته، فلما مر معنا قول الجهمية الذين حاولوا على حد زعمهم أرادوا التعبد أن ينزهوا الله، فماذا فعلوا؟ عطلوا الله عن جميع الأسماء والصفات، فما أعطوا لله اسمًا ولا صفة. بمقابل هؤلاء جاءت المجسمة، قال: ما الذي فعلتم يا جهمية؟ عطلتم الله، لا بل نعطي لله ما أثبته من اسم وصفة، لكن ما الذي فعلوا؟ فعلوا أنهم جعلوا الله جسمًا كباقي الأجسام، فكان يصرحون أن ما نسمعه من آيات الأسماء والصفات هي هي بنفسها عند المخلوق. فالله له يد، فيد الله كيدنا، والله سبحانه وتعالى فوجه الله كوجهنا، وهكذا قس. فجعلوا الله جل وعلا كل ما له من اسم وصفة هو كالذي عند خلقه، فجعلوا مجسمًا، وهذه مقالة كفرية. فهي بدعة لأن القوم يتقربون إلى الله بهذه العقيدة، أحدثوها، وهي كفر، لأن فيها طعن في حق الله جل وعلا. قال ربنا في حق نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. لهذا قال أبو نعيم الخزاعي: من شبه الله بخلقه فقد كفر، فهذه عقيدة كفرية. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: وغير ذلك من الأهواء. وأهواء كثيرة، مثل ما تجد عند غلاة القبورية من البدع الكفرية، ما يعتقدونه من أن الأولياء من الأموات عندهم ما عند الله من القدرة في التحكم في الأكوان، في جلب الأرزاق، في دفع العذاب، في النفع والضر. يعتقدون هذا، يقول: أنت كما تدعو الله وأنت تؤمن الإجابة منه سبحانه وتعالى، فكذلك يكون دعاك لهذا الولي الميت، اعلم بأن هذا الولي الميت يستجيب الدعاء كما أن الله يستجيب الدعاء. فهم يتعبدون الله بهذه العقيدة، التقرب إلى الأولياء، وهذا من البدع الكفرية. وهكذا من البدع الكفرية ما عليه غلاة الصوفية ممن يعتقدون بمسألة الحلول والاتحاد، وبأن الله جل وعلا يحل في خلقه، أي أن الله لربما يظهر للناس في صورة إنسان. فمثاله كما يقول بعضهم، ومن كبارهم يقول: ما في الجبة إلا الله، تعالى الله، ما في الجبة إلا الله، يزعم أن الله جل وعلا يحل في مخلوقاته وخلقه، فهذه من البدع الكفرية. وهكذا قصة عبد الله، ما يكون عليه جماعات من المبتدعة ممن أحدث في دين الله جل وعلا بدعًا، لكنها بدع كفر، لأن فيها من تعضيل أمر معلوم من الدين بالضرورة، أو أنها تعود إلى أصل من الأصول القطعية بالهدم، أو أنها تشوب بشائبة الشرك والكفر. ولهذا قال المؤلف رحمه الله: وغير ذلك من الأهواء. قال: ولكن هؤلاء، وانتبه لهذا التنبيه المهم من المؤلف الذي ختم به المبحث، قال: ولكن هؤلاء منهم من علم أن عين قصده هدم قواعد الدين وتشكيك أهله فيه، فهذا مقطوع بكفره، بل هو أجنبي عن الدين، من أعدى عدو له. بعض هؤلاء الذي يتفوه بمثل هذه الاعتقادات والآراء، تعلم من سيرته أنه ما هو إلا مدسوس على الأمة، وأجنبي عن الدين، أقحم علينا إقحامًا. وجدنا بين صفوفنا ملقنًا جدًا. ثم بعد هذا الدخول المريب والمدسوس على أمتنا، إذ به يأتي بعبارات تهدم الدين، إذا ماذا نقول؟ هذا نقول زنديق، هذا مباشر نحكم عليه بالكفر، نقطع بكفره، هذا كافر مرتد، هذا كافر مرتد. لأن نعلم من طبيعة حاله أن هذا ما زرع وما وجد إلا لكي يط، لأن هذا فعل الزنادقة، فعل الزنادقة، هم أمم حسالة المجتمع، يتسللون إلى دين الله، فيحاولون أنهم يصلوا إلى المناصب باسم الدين، الزهد والتزهد والتقشف، حتى إذا استطاع يجمع سل من الناس، أتى بأقوال الضلالة. كما سمعت ممن يبيح المحرمات كالقرامطة، وجميع الفرق الباطنية من الإسماعيلية والقديانية والبهائية، والناس مشكوك في إسلامهم، كالقدياني والبهائي ممن دخل على الناس وزعم أنه نبي، زعم أنك نبي، قال: نعم، أنا نبي، أنا نبي من عند الله، فهذا لا نشك في كفر هذا، كافر، لأن نعلم أنه ما دخل في الدين وما أتى به هذه العبارات إلا لطعن في الإسلام. وأعداء الدين تعبوا، أعداء الدين من خارج عندما يأتي يهودي أو نصراني أو بوذي أو مجوسي أو ملحد، عندما يأتي بأشياء يطعن في ديننا، الناس يشمعزون منه، يقول: أنت كافر، وفوق ذلك تتكلم على ديننا، لا والله، إخسى، ولا كرامة. لكن كيف استطاع أعداء الدين أن يطعنوا في ديننا؟ أنهم أتوا بأناس من بيننا ممن يتكلمون بألسنة، دسوهم دسًا. ثم هؤلاء يأتون بنفس عبارات الكفرة، لكن باسم الدين، فهؤلاء من علم قصده، ومن علم خبثه من خلال سيرته وكلامه ومقصده، فهذا كما قال مؤلف رحمه الله تعالى: فهذا مقطوع بكفره، بل هو أجنبي عن الدين، من أعدى عدو له. قال: وآخرون، وانتبه لهذا. وآخرون، أي بعض ممن يأتي بالبدع الكفرية. قال: وممن يذكر كذلك، قبل أن أنسى، يلحق ممن يقول ببدع الكفرية: الروافض. الرافضي، الرافضي ممن أتى بالبدع الكفرية، طعن في القرآن، وزعم أن قرآننا هذا محرف، وأنه قد زيد فيه وأنقص، وأن هناك كتاب آخر هو مصحف فاطمة، لا زال في السرداب. تطاول على السنة، فأنكر السنة جملة وتفصيلًا، لا يعترفون بالصحاح، ولا بالسنن، ولا بالمسانيد، ولا بالمعاجم. قال: يكفينا الكافي للكليني، كتاب عندهم مقدس، به يرجعون إلى آثار أتباعهم وساداتهم وكبرائهم. وطعنوا كذلك في أصحاب رسول الله، وجعلوا في عداد الردة، وما ثبت على الإسلام على حد زعمهم إلا أربع، إلا ست، على خلاف بينهم. وتطاول على أمهات المؤمنين، ورموهم بالفاحشة، هذا البدع الواحد كفيل بكفرهم. فما ظنك بأن تجتمع في دينهم؟ ولهذا فهذه البدع إن أتى بها الرافضي، فهم كفار، لأن بدعتهم يتقربون إلى الله بهذه المعتقدات، هم يتقربون إلى الله، فهذا إحداث في الدين، لكن هذا الإحداث أوصلهم إلى الكفر. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: وآخرون مغررون ملبس عليهم. فهؤلاء، فهؤلاء إنما يحكم بكفرهم بعد إقامة الحجة عليهم وإلزامهم بها. إذن هناك طائفة من الناس، نعم، صحيح الذي رأينا منه أنه قد أتى ببدعة كفرية، لكن هؤلاء نخشى أنهم ليسوا من الصنف الأول الذي فعل ذلك عنادًا واستكبارًا وهوى. وإنما لبس عليه، غرر به، جهل بعقيدة المسلمين. كما نرى في كثير من الأماكن، تجد في بلدة ما عرفت بالخير، ما عرفت بالإسلام، ما عرفت بالسنة، ما عرفت بالعلم، إنما ينمو الأحفاد على ما رأوا من الأجداد، من التوجه إلى القباب والأضرحة والتهافت والدعاء باسمهم، يعني يرون هذا هو الدين. فهؤلاء لابد أن تقام عليهم الحجة ببيان المحجة، هذا حق، وهذا باطل، هذا التوحيد، وهذا الشرك. فإذا أقيمت الحجة عليهم، وبعد ذلك ننظر، فإن عاندوا وأصروا، يلحقون بما ذهبوا إليه من ابتداع الكفرية. وإن تابوا وأنابوا، وألهم الله من الله عليهم بالهداية، فهذا. قوله رحمه الله تعالى: قال: وآخرون مغررون ملبس عليهم، فهؤلاء إنما يحكم بكفرهم بعد إقامة الحجة عليهم. وانظر، وانظر كما يمثل العلماء بالإمام أحمد. الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ابتل ابتلي من في زمنه بولاة يقولون بخلق القرآن، ليس هذا فقط، ليس بقول هذه العقيدة، بل يأمرون الناس، عذبوا ونكلوا وحبسوا وسجنوا، العوام والعلماء على هذه العقيدة، قولوا بخلق القرآن. الإمام أحمد، مرة معنا له نقولات كثيرة، يقول: أن من قال القرآن مخلوق فهو كافر. طيب، هو عاصر أئمة كالمأمون والواثق والمعتصم من بني العباس، هؤلاء ألزموا أن يقول بخلق القرآن. السؤال: كيف تعامل الإمام أحمد مع هؤلاء الكبار من الولاة على قاعدته؟ على قاعدته أنهم كفار، لكن ما كفرهم. بل كان يترحم عليهم، وكان يستغفر لهم، وما كان يمنع من نزع يد من طاعة في حقهم. وهذا الأمر كما يقول شيخ الإسلام: هذا إن كان إمام أحمد يعتقد بكفرهم، كان هذا لا يجوز، لا يجوز أنك تدعي لكافر بالاستغفار، فاستغفر لماذا لكافر؟ هذا لا يجوز. إذن إمام أحمد ما كفرهم. يأتي السؤال: إذن هل هناك تناقض؟ الإمام أحمد يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وبينما الزعماء والرؤساء الذين قالوا بنفس العبارة ما كفرهم؟ ماذا؟ إمام أحمد تناقض أم خاف؟ لا، لا، ما تناقض، ولا خاف. الإمام أحمد يسير على هذه القاعدة، يرى أن هؤلاء الأولى ما أتوا بهذه العبارة إلا من باب التغرير، لبس عليهم. من كان الساعد أي من كان الوزير في وقت هؤلاء؟ كان الوزير أحمد بن أبي دؤاد، رجل ضال، خبيث العقيدة والمعتقد، هو الذي استطاع أن يلف حول هؤلاء الولاة، وزرع في قلوبهم وفي أذهانهم مسألة القول بخلق القرآن. وإلا ما كانوا يعتقدون هذه العقيدة، هؤلاء أصحاب سياسة ودنيا. فجاء هذا المخادع وتسلل إليهم، واستطاع أن يستغل سلطته فيهم، أنه يغرس هذه العقيدة، حتى جعلهم يعتقدون أن هذا هو دين الله. فأرادوا أن يدافعوا عن دين، لا، فقاموا وأخذوا يضربون بيدهم بالحديد، قولوا بخلق القرآن، هذا دين الله، قولوا بخلق القرآن. فضربوا وقاتلوا، ظنا منهم أن هذا هو دين المرضي. الإمام أحمد علم بهذا، علم أن هؤلاء الأئمة ما هم إلا قد غرر بهم، لبس عليهم. ولهذا ما كفرهم، وإنما كان يستغفر لهم الله، يستغفر لهم الله عز وجل. بهذه القاعدة يسير العلماء، نحن نقول كحكم عام: من قال كذا فهو كافر، من دعا الأموات فهو كافر، من طعن في الصحابة فهو كافر، نطعن، نقول: هذا كفر، هذا حكم عام. لكن عند التفصيل: فلان كافر، نأتي به تعالى، نبينه، ما تقول؟ نبينه الحجة، نبينه الكتاب والسنة، وبعد ذلك ننظر إلى حاله. ولهذا العبارة سار سلفنا الصالح على هذه العقيدة، هذا خلاصة ما يذكر إخواني في الله في هذه المسألة التي ذكر فيها المؤلف رحمه الله تعالى: أن القسم الأول من البدع، وهي البدع المكفرة، والتي بها يكفر صاحبها، وذلك بالعموم والتعميم. أما بالتعيين والتشخيص، فلا يكون ذلك إلا بعد إقامة الحجة، إلا من علمنا من معتقده ومن قصده أنه أراد بذلك هدم الدين عمدًا، قصدًا. هذا يكفر، كافر بلا كرامة، من غير إقامة حجة، لأن الحجة أصلًا قد أقيمت عليه، وما يأبى بدين الله أصلًا، ولا شيء. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.