شرح أعلام السنة المنشورة  145

شرح أعلام السنة المنشورة 145

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 145، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف كفر الجحود وأمثلته

كفر الجحود هو إنكار الحق مع العلم به، مثل كفر فرعون وقومه بموسى وكفر اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم. يتمثل هذا الكفر في إخفاء الإقرار بالحق في الظاهر مع العلم به في الباطن.

أسباب كفر الجحود وتفاصيله

كفر الجحود يحدث بسبب الحسد أو الطمع أو إرضاء الناس، وقد دخل فيه اليهود والنصارى وغيرهم. ذكر القرآن الكريم أمثلة على كفر الجحود مثل كفار قريش الذين عرفوا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ولكنهم كفروا به حسداً.

الجحود وكتمان العلم وعواقبهما

الجحود هو إنكار دين الله أو جزء منه ويعتبر كفرا مخرجا من الدين، وكتمان العلم هو نوع من الجحود ويعتبر من أعظم صور الجحود في الأمة. توعد الله كاتمي العلم بالعذاب الشديد واللعن.

  • 25 جمادى الأولى 1440هـ - 31/01/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما هو كفر الجحود؟ وكفر الجحود يعتبر نوعا من أنواع الكفر الذي يخرج به صاحبه من الملة الدين. قال رحمه الله تعالى: هو ما كان بكتمان الحق وعدم الإنقياد له ظاهرا مع العلم به ومعرفته باطنا، ككفر فرعون وقومه بموسى، وكفر اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم. بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بذكر التعريف الذي به يتضح ما معنى كفر الجحود، قال: وما كان بكتمان الحق وعدم الإنقياد له. وبعضهم يأتي بتعريف أدق فيقول: كفر الجحود هو أن يعرف الإنسان الحق بقلبه، أن يعرف الحق بقلبه، لكنه لا يقر به ولا يعترف به بلسانه. يعرف الحق بقلبه ولا يقر به ولا يعترف به بلسانه، فهذا هو كفر الجحود. فإذا كان لم يظهر الإقرار منهم بلسانه، فمن باب أولى أن لا يظهر ذلك بجوارحه. فهو في الباطن معترف، مقر، لكنه في الظاهر مكذب كافر، فهذا هو الجحود. وهذا هو معنى الجحد في لغة العرب، ففي معجم الوسيط: معنى الجحد، قالوا: أنكره مع علمه به. أنكره مع علمه به، فهو يعلم بالأمر ويعلم بالشيء في الباطن، لكن في ظاهره يدعي النكران، فهذا صاحبه يقال عنه جاحد، فلان جاحد. وهذا النوع من أنواع الكفر، إخواني في الله، يعبر عنه العلماء بأنه من أكثر الأنواع، من أكثر أنواع الكفر هذا النوع، وهو كفر الجحود. ويعبر عنه بعضهم كذلك من أهل العلم بأن هذا النوع من أشد أنواع الكفر، من أشدها، فهو كفر، لكنه من أشد أنواع الكفر كفر الجحود. لما يعتب من أشدها لأن صاحبها ما كان كفره لخفاء الأدلة، لا بل إن الأدلة عنده ظاهرة، الأمارات عنده واضحة، ولهذا هو معترف بها في باطنه، معترف بها لظهورها وبينها وعدم خفائها، لكنه ركب الهوى، ركب الهوى، فسكت، فسكت، ولم يقر بالحق الذي يعلمه في قرارة نفسه. فكان هذا النوع من أشد أنواع الكفر، من أشد أنواع الكفر. وقد قال المؤلف رحمه الله تعالى: أن هذا كفعل قوم فرعون، إذ أن كفرهم كان من هذا النوع من أنواع الكفر، كفر الجحود. وهكذا هو كان كفر أهل الكتاب، غالب كفر أهل الكتاب كان من هذا الصنف من كفر الجحود. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الله تعالى في كفر فرعون وقومه: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾. الجحود كان هذا كفرهم، كان فرعون وقومه مقرين بنبوة موسى عليه السلام، وبأن الله قد بعثه واصطفاه بالنبوة والرسالة، وأن الله إله الحق جل في علاه، لكنهم ماذا؟ جحدوا بذلك، جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، اليقين موجود، العلم موجود، لكن في البواطن، في القلوب، ما ظهر، فلم يظهروه لا على ألسنتهم، فضلا أن يكون ذلك بأفعالهم. فكان هذا الجحود بعينه. وهكذا وصفهم ربنا جل وعلا بقوله: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾. وقال تعالى في اليهود: أي كذلك اليهود، كان كفرهم من هذا القبيل، كفرهم كفروا بالله ورسوله، وكفروا بالدين من قبيل كفر الجحود. قال مؤلف دليله: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾. فلما جاءهم ما عرف، أي جاء اليهود ما عرفوا من الدين والملة، وخاصة كان كفر اليهود والنصارى أكثر ما كان جحودهم يكمن في صفة رسول الله عليه الصلاة والسلام. إذ أن أهل الكتاب بما آتاهم الله من الكتب المنزلة في التوراة والإنجيل قد ذكرت فيها صفات نبينا عليه الصلاة والسلام، صفات نبينا موجودة عندهم في الكتب المقدسة، في الكتب المنزلة في التوراة والإنجيل، وكانوا يعرفونها، وكانوا مقرين بها. بل كان اليهود ينتظرون بعثة نبينا، ينتظرونه، بل كانوا يتوعدون العرب من الوثنيين بأنه هذا زمان، أوان أن يخرج نبي هذا الزمان، فكانوا ينتظرونه، إلا أنهم جحدوا، جحدوا عندما رأوا أن رسول الله، وأن النبي المنتظر، منتظر ما كان من جنسهم، ما كان من بني قبيلتهم، ما كان من عشيرتهم، وإنما خرج من العرب. فحينها ركبهم الحسد، وهذا من أعظم الدوافع التي دفعت الأمم الكافرة، والسادات والطغاة ممن كفروا دين الله، أنهم دخلوا باب الجحود من هذا العلة، وهي علة الحسد. وإلا لها مواطن كثيرة، فمنهم من جحد دين الله جل وعلا، ذلك طمعا لمصالحهم الشخصية، فدخل في الجحود. ومنهم من دخله الجحود من باب إرضاء الناس، إرضاء الناس. ومنهم من دخل في كفر الجحود من باب الحسد، كيف أقر، كيف أقر بهذا؟ حتى أن زعماء، كما ذكر أهل السير، أن كبراء كفار قريش كان كفرهم من كفر الجحود. لما رأوا من دلالات نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، فكفار قريش مثلا قد رأوا نبينا، عاشروه وعاصروه، ورأوا مدخله ومخرجه، وعلموا عفته وعفافه وأمانته، بل حتى كان يسمى عندهم ماذا؟ بالأمين، أو بالصادق الأمين، مقرين بهذا، لكن ماذا؟ عندما جاءهم بالنبوة والرسالة كفروا. وقد جاء من أقوالهم ما يدل على أنهم جحدوا دين الله، كان يقول، كما يذكر عن أبي جهل: يقول إذا كانت الصدانة والحجابة في بني هاشم، ثم النبوة، فماذا بقي لنا؟ إذا كانت الصدانة والحجابة، وهي من أعمال الحج والقيام على بيت الله الحرام، وهي وظائف، وهي شعائر مقدسة، يناط أمرها إلى بني هاشم. فعلل أبو جهل قائلا: إذا كانت الصدانة والحجابة في بني هاشم، ثم النبوة، فماذا بقي لنا؟ لا بقي لنا شيء. ولهذا آثر، آثر الاستمرار بالكفر بنبينا عليه الصلاة والسلام، فهم في قرارة أنفسهم يعلمون دين الله، يعلمون دين الله. وننقل كذلك عن أمية بن الصلت أنه قال: لولا أن يعيرني الناس لأقررت بها عينك يا محمد، أي الإيمان بنبوتك، لكن لولا تعير أن أعير بين قومي لتلفظ بهذا، لكن لا. وهكذا قصة عبد الله، غالب الأمم الكافرة ما أدخلهم إلى ذلك إلا كفر الجحود. لهذا كما قلنا: عبر بعضهم أن من أكثر أنواع الكفر كفر الجحود، وذلك لأن الدلالات والبينات التي أنزلها ربنا جل وعلا، سواء الدال على وحدانيته جل وعلا، أو الدال على بعثة أنبيائه، وما كان من شريعته في كتبه، ظاهرة، على أن هذا حق الحق المبين، ليس في ذلك لبس ولا غموض. ومع هذا كله كفروا، لكن كان كفرهم من كفر الجحود، وهو أنهم أنكروا ذلك في الظاهر، وذلك ما قلنا لأمور عدة، إما طمعا لدنيا، أو إرضاء لناس، أو حسدا من عند أنفسهم. قال: وقال تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾. وقال تعالى: ﴿وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾. يكتمون الحق وهم يعلمون أنه حق، لكن كتموا، وهذا هو الجحود بعينه. بل إن اليهود ذكر ربنا جل وعلا ما يعرفونه عن نبينا فوق ما يصفه الواصفون، قال ربنا جل وعلا: ﴿وإنهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾. يعرفونه، يعرفون من؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعرفون صفته وصفاته ومواصفاته، ولا يلتبس بغيره. ومع ذلك يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ما يمكن لأحد من بني البشر أن أبناؤه بأبناء الناس يختلطوا عليه، سيخرجهم يقول: فهذا ابني، وهذا ابني، حتى ما يحتاج أحد يقول: يخل أنت متأكد هذا ابني؟ ليش متأكد؟ ما يحتاج تأكيد، ما يخفى الرجل لا يضيع أبناءه بين أبناء الناس. وهكذا اليهود يعرفون نبينا كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك كانوا من أول الناس صدودا عن رسول الله، لماذا؟ هل لأنهم ما عرفوا؟ لا عرفوا، لكنهم جحدوا، لكنهم جحدوا. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن كفر الجحود ينقسم إلى قسمين، القسم الأول: ما يكون كفر الجحود الكفر العام، وهو الكفر المطلق، وذلك بأن يجحد دين الله جملة وتفصيلا، كما سمعنا من أمم الكافرة، يجحد دين الله جحودا كاملا، بما فيه من بعثة ورسالة ووحدانية، هذا جملة وتفصيلا. ومن الجحود ما عبر عنه ابن القيم رحمه الله تعالى بالجحود المقيد الخاص، وذلك أن يجحد شيئا من دين الله، أن يجحد شيئا من دين الله، وهذا كذلك يعتبر صور من صور الكفر، كأن يأتي إلى فريضة من فرائض الإسلام فيجحدها. صلي يا عبد الله، وإيش من الصلاة؟ صلوات الخمس، أنا في أنا في تردد، أنا ما أظن هناك صلوات خمس تفرض عليه. أو قل ما في أمر الصيام، وهذا قد نقل عن بعض الناس، لربما يتهجم عن الصيام: أنا ما أعترف بالصيام، وأنا ما أظن أن هذا من شريعة رب العالمين. ربنا بعباده رؤوف رحيم، فيلزمنا بهذه الساعات الطوال الصوم، أنا ما أرى، أظن هذا ما أخذ من الطقوس الهندية التي أدخلت في دين الله، هكذا يقرر بعضهم. أو الزكاة، كما يعبر عنها اللادينيون من الملاحدة والعلمانية بأن هذه الجباية، وأن هذه قرصنة على أموال الناس، هذا ما يجوز أخذ الزكاة. هذا كله جحود، فمن جحد شيئا من فرائض الله فقد كفر بالإجماع، أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة، فقد كفر، محرما من المحرمات مما اتفقت عليها الأدلة، فيجحد هذا الحكم، فهذا كافر. وهذا كما عبر عنه ابن القيم رحمه الله تعالى بالجحود الخاص المقيد، وهو أنك تجحد شيئا من دين الله مما دلت عليه أدلة السنة والكتاب، فكصاحبها يكون جاحدا كافرا، كفرا مخرجا من الدين والملة. وهذا الأمر، إخواني في الله، ما سمعتموه من أمر الجحود قد ظهر في الأمة المحمدية، وأعظم الجحود كما يقوله العلماء رحمهم الله تعالى ما يكون من كتمان العلم، هذا نوع من أنواع الجحود، كتمان العلم. هنالك لربما وفقهم الله واصطفاهم الله بأن رزقهم العلم بعلم الشريعة، بعلم الدين، فعرف الحلال والحرام، وقبل ذلك علم الشرك من التوحيد، لكنه بعد هذا كله يرضى الدنيا في دينه، فيجحد دين الله وينكر العلم الذي علمه، فسكت عن الباطل، سكت عن الباطل، لم يحذر منه، وخاصة من الشركيات والكفريات. وهؤلاء قد توعدهم ربنا بالعذاب الشديد: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾. انظر يا عبد الله إلى عظيم الوعيد الذي جعله ربنا جل وعلا في حق من سولت له نفسه أن يجحد العلم الذي آتاه الله جل وعلا إياه، بدأ أن يبلغه، وأن يكون وسيلة للخير والهدى، إذ به احتكر هذا العلم بنفسه، بل وسكت عنه، وجعل الناس تموج تموج في الكفر والشرك، هو بإمكانه أن يغير، بإمكانه أن يبدل، لكنه الجحود، الجحود. وهذا من أعظم صور الجحود في الأمة، ولهذا جاءت عبارات السلف رحمه الله تعالى: أن من كتم العلم ففيه شبه من اليهود، من كتم العلم ففيه شبه من اليهود. ومن الذي وقع فيه اليهود؟ الجحود، ومن سار على هذه المطية، أن جحد وكتم دين الله، ففيه شبه بهم، ولهذا لعنهم الله سبحانه وتعالى. فالشاهد، إخوانا في الله، أن هذا النوع من أنواع الكفر، وهو يسميه العلم بكفر الجحود، وهو أن يأتي الرجل فيقر ويعترف بدين الله جل وعلا في الباطن، لكنه لا يقر به بلسانه، لا يعترف به، ما يكفر به، يقول: أنا كافر بهذا الدين، لكنه في قرارة نفسه يعلم أن هذا الدين هو دين الحق، أن هذا الدين هو دين الحق. فهذا، إخوانا في الله، ما يتعلق بهذا النوع من أنواع الكفر، أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.