التعليق على شرح الزيادة الرجبية على الأربعين النووية للشيخ العصيمي 8

الدرس في التعليق على شرح الزيادة الرجبية على الأربعين النووية للشيخ العصيمي 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح حديث النبي عن النفاق

يبدأ الشارح بتوضيح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعدد أربع خصال من كن فيه كان منافقا، وهي الكذب، إخلاف الوعد، الفجور في الخصومة، والغدر في العهد. يُفصّل معاني هذه الخصال ويربطها بصِفات المنافقين.

تفصيل صفات أهل النفاق العملي

يتطرق الشارح إلى صفتين من صفات أهل النفاق العملي، الأولى هي خلف الوعد حيث يعد الشخص وهو ينوي عدم الوفاء، والثانية الفجور في الخصومة حيث يكذب ويتهم خصمه. يُوضح أن هذه الصفات تذم صاحبها وتشبهه بحال عرقوب.

النفاق العملي والاعتقادي وخطرهما

يشرح الشارح أن النفاق نوعان: اعتقادي وهو إظهار الإسلام مع إخفاء الكفر، وعملي وهو إظهار صفات حسنة مع إخفاء خلافها. من جمع خصال النفاق الأربع صار من أهل النفاق العملي، وهو خطر قد يوصله إلى النفاق الاعتقادي.

التحذير من التساهل في المعاصي وعلاقتها بالنفاق

يُحَذّر الشارح من التساهل في فعل المعاصي والإكثار منها، حيث قد يؤدي ذلك إلى الوقوع في الكفر والنفاق الاعتقادي. يُبين أن المعاصي تعتبر بريدا للكفر وتؤدي إلى النفاق العملي الذي قد يصل بالشخص إلى النفاق الاعتقادي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: الحديث الثامن والأربعون هو الحديث السادس. وهو الحديث السادس من الزيادة الرجبية، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع من كن فيه كان منافقا، وإن كانت خصلة منهن فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر». قال: خرجه البخاري ومسلم. قال الشارح: فقه الله، هذا هو الحديث السادس من الزيادة الرجبية، وهو الحديث الثامن والأربعون مضموما إلى الأربعين النووية، وقد أخرجه البخاري ومسلم، وهو آخر الأحاديث المتفق عليها من الزيادة الرجبية، وعدتها أربعة تصريحا، وخمسة تحقيقا. أربعة تصريحا يعني صرح فيها المصنف بأنها من المتفق عليه، وخمسة تحقيقا بمعنى أنه لم يذكر أنها من المتفق عليه، والتحقيق أنها كذلك، أنها من المتفق عليه، وهو نسبها إلى أحدهما. قال: لما تقدم من كونه في حديث أبي موسى الأشعري عزاه إلى البخاري وحده، وهو عند مسلم أيضا، فالأحاديث المتفق عليها في الزيادة الرجبية هي خمسة أحاديث، يعني يكون التحقيق أن المتفق عليه من الأحاديث في الزيادة الرجبية هي خمسة أحاديث وليست أربعة. قال: والحديث المذكور من صح الأحاديث النبوية في عد خصال النفاق، وهي أجزاؤه الجامعة له، وتسمى شعب النفاق في مقابل شعب الإيمان، يعني خصال وأجزاء النفاق، كما أن الإيمان له شعب وأجزاء ومراتب، كذلك النفاق له أجزاء وخصال. قال: والمسرود منها في الحديث أربع خصال، الأولى: كذب الحديث، لقوله: «إذا حدث كذب»، أي أخبر بخلاف الواقع، فالكذب هو الإخبار بخلاف الواقع. فلما يقول إنسان: فلان سافر، سافر زيد، وفي الحقيقة أنه ما سافر، إذا هذا الذي أخبر به خلاف الواقع، هذا هو الكذب. إذا قال: فلان مات، وفي الحقيقة أنه لم يمت، إذا خبره هذا خلاف الواقع، هذا هو الكذب. فمن صفات أهل النفاق الكذب في الحديث، أنه إذا حدث كذب. إذا حدث كذب تجد بعض الناس -هداهم الله- ما يبالي يكذب، ويرى أن هذا من الشطارة، أنه يكذب في حديثه وفي كلامه، رغم ما يأتي بقصة طويلة عريضة، وفي النهاية يقول: لم يقع شيء من ذلك، يجعل المستمع ينتبه له وماذا لحدث وبعد ذلك وكذا، وفي النهاية كله كذب، هذا من صفات أهل النفاق. فالمنافقون يكذبون في الحديث، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، هذه من صفات المنافقين، والمسلم ينبغي أن يكون ملازما للصدق، مجتنبا للكذب. قال: والثانية: إخلاف الوعد، لقوله: «وإذا وعد أخلف»، أي لم يفي بوعده، فخلف الوعد هذا أيضا من صفات المنافقين؛ لأنهم يعيدون ويخلفون، ولا يفون بوعودهم. ومتى يكون خلف الوعد من النفاق؟ إذا قصد ذلك، إذا قصد أن يخلف الوعد، يقول لك: سأتيك الساعة الفلانية، وهو ناوي أنه لا يأتي، ويقول: سأفعل الشيء الفلاني، أبشر، أعيدك أني سأفعل الأمر الفلاني، وهو في نيته أنه ما سيفعل، ما يريد أن يفعل، فيترك ولا يفعل، هذا من خلف الوعد الذي هو من صفات أهل النفاق، ويذم به صاحبه. يذم به صاحبه إذا كان يعد ويخلف، يكون حاله كحال عرقوب، هذا يضرب به المثل في خلف الوعد. ذكر أهل الأدب أن عرقوبا هذا أتاه رجل يطلب منه شيئا، فقال: إن شاء الله أبشر، إذا أطلعت هذه النخلة فهي لك، ما أثمرت فالثمر لك. فلما بدأت تثمر جاء الرجل، قال: دعها حتى تصير بلحا. فلما أبلحت جاء يريد مسكين البلح، قال: دعها حتى تصير رطبا. فلما صارت رطبا جاء، قال: دعها حتى تصير تمرا. فلما أثمرت جاء في الليل وجزها وأخذها ولم يعطه شيئا، فقيل فيه: وعدت وكان الخلف منك سجية، مواعيد عرقوب أخاه بيثرب. صار هذا مثلا يضرب في من يعد ولا يفي بوعده، فيقال: هذا فلان مواعيده مواعيد عرقوب، فلان هذا مواعيده مواعيد عرقوب. فمن كان كذلك فلا شك أن هذا مما يذم به، ويتشبه بهذا بأهل النفاق، بل فيه خصلة من خصال أهل النفاق، وهو خلف الوعد. أما إذا كان وعده وهو عازم على أن يفي بوعده، على أن يفي بوعده، لكن حصل له ظرف منعه من المجيء في هذا الوعد، فهذا معذور، هذا لا يكون من أهل النفاق. قال: سأتيك الساعة الفلانية، وهو جازم أنه سيأتي بهذا الوقت، لكن حصل له مانع، تعطلت سيارته، تعطل مركوبه، وما استطاع أن يصل في الوقت المحدد الذي وعد بالمجيء فيه، هذا لا يكون منافقا، أو فيه خصلة من خصال أهل النفاق؛ لأنه عازم، لكن حصل له مانع منعه من ذلك، هذا معذور. أما الذي يعد وهو عازم على الخلف، فهذا هو الذي فيه خصلة من خصال أهل النفاق. قال: وثالث: فجور الخصومة، لقوله: «وإذا خاصم فجرا»، أي مال عن الحق عمدا، واحتال في رده. أيضا من صفات أهل النفاق الفجور في الخصومة، إذا تخاصم مع الإنسان فجر، يعني كذب وافترى، وما لعن الحق. فربما اتهم خصمه بما ليس فيه، هو يعلم أنه ليس فيه، لكن من باب التشفي، من باب التشفي، فيقول: فلان هذا فيه كذا وكذا وكذا، ويعلم أنه كاذب، وأن هذه الخصال ليست فيه، لكن من باب الفجور في الخصومة. هذا معنى الفجور في الخصومة، يقول: أنت كذا، وفيك كذا، وفعلت كذا، هو يعلم أنه ما فعل شيء من ذلك، لكن ينتصر لنفسه، يريد أن ينتصر لنفسه، أو ينفي عنه شيء يعلمه فيه. إذا تخاصم معه، قال: أنت ما فيه خير، وأنت كذا، وأنت ما عندك علم، وأنت جاهل، أنت من أجهل الخلق، هو يعلم أنه ما شاء الله عنده خير وعنده علم، لكن لما تخاصم معه محى كل ما يعلم فيه من الخير، هذا من الفجور، هذا من الفجور. إذن هذا من صفات أهل النفاق، «وإذا خاصم فجر». قال: والرابعة: غدر العهد، لقوله: «وإذا عاهد غدر»، أي نكثه، أي نكثه ونقضه. وإذا عاهد غدر، أي غدر في عهده ونقض هذا العهد، وهذا من صفات أهل النفاق. والله أمر بإفاء العهود والعقود، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ يوفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ﴾، ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، فالأمر بالوفاء بالعهد أمر مطلوب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يرفع لكل غادر اللواء يوم القيامة عند أستاه»، يعني في مؤخرته، يقال: في هذه غدرة فلان ابن فلان، يعني يفضح يوم القيامة بغدره الذي غدر. فالواجب على المسلم أنه إذا عاهد أن يفي بعهد العهد، وأن لا يغدر، وأن لا يغدر في عهده. قال: والمتصفون بخصال النفاق نوعان، الأول: المتصف بخصلة منهن، ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها. ومثله من جمع إليها أخرى، لكن لم يشرب قلبه الخصال كلها، يعني من كان عنده خصلة واحدة مثلا من خصال النفاق، عنده الكذب في الحديث، لكن لا يخلف الوعد، ولا يفجر في الخصومة، ولا يغدر في العهود، فهذا فيه خصلة من خصال أهل النفاق. هذا النوع الأول من يتصف بخصلة من هذه الخصال من خصال أهل النفاق. قال: والثاني: المتصف بهذه الخصال الأربع كلها، إذا تكلم كذب، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، فجمع هذه الصفات كلها صفات أهل النفاق. قال: فمن كن فيه كان منافقا خالصا، والمراد به نفاق العمل، وهو إظهار علانية صالحة مع إبطان خلافها؛ لأن النفاق على قسمين: نفاق عملي، ونفاق اعتقادي. النفاق الاعتقادي هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، هذا الذي يحكم به أو على صاحبه بأنه من الكافرين، صاحب النفاق الاعتقادي هذا كافر، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، المراد بالمنافقين في هذه الآية أي النفاق الاعتقادي. وهكذا في قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فالمنافق نفاقا اعتقاديا جميع أعماله رياء، يصلي رياءا، يتصدق رياءا، يصوم رياءا، يقرأ القرآن رياءا، وسائر أعماله كلها رياء، هذا المنافق نفاقا اعتقاديا. وهناك نفاق عملي، وهو أن يكون عند المسلم بعض أعمال أهل النفاق، هو في الباطن مؤمن، في الباطن مؤمن، ليس بكافر، ولا جاحد لشيء من الشريعة، كحال صاحب النفاق الاعتقادي، لكن عنده في أعماله بعض خصال أهل النفاق، كهذه الخصال. فإذا اجتمعت هذه الخصال الأربع صار عنده النفاق العملي، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «كان منافقا خالصا»، أي نفاقا عمليا، وليس معنى أنه كافر، ويصير منافقا نفاقا اعتقاديا. قال: فيصير الجامع لهذه الخصال الأربع معدودا من أهل النفاق العملي، وهو مما لا يخرج به العبد من الإسلام، لكنه مدرج يفضي إلى النفاق الاعتقادي، يعني كونه يتصف بهذه الصفات، ويكون عنده النفاق العملي، فهذا سبيل وطريق قد يوصله -عياذا بالله- إلى الوقوع في النفاق الاعتقادي. قال: فيوشك من أشرب قلبه هذه الخصال أن يزول عن الإسلام إلى النفاق بإبطان الكفر وإظهار الإسلام، وهذا معنى قول جماعة: المعاصي بريد الكفر، أي توصل إليه وتفضي بالعبد إلى الوقوع فيه، يعني التساهل في فعل المعاصي والإكثار منها قد تؤدي بصاحبها إلى أن يقع في الكفر -عياذا بالله-. قال: بكذا تكون هذه الخصال في النفاق العملي مدرجا موصلا إلى النفاق الاعتقادي، أعاذنا الله وإياكم من ذلك آمين. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.