شرح أعلام السنة المنشورة  19

شرح أعلام السنة المنشورة 19

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معنى الإنقياد ل لا إله إلا الله

الإنقياد ل لا إله إلا الله يعني الخضوع التام لما تقتضيه ظاهرًا وباطنًا دون تعقب أو تحكم، وهو شرط لصحة لا إله إلا الله. الانقياد يعني الامتثال التام لمقتضاها، وهو التبرؤ من جميع المعبودات وعدم اتخاذ شريك مع الله.

دليل اشتراط الإنقياد من الكتاب والامتثال لشرع الله

استدل المؤلف بقول الله تعالى ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ على أن الإنقياد شرط لانتفاع العبد ب لا إله إلا الله. الإنقياد لشرع الله يعني الالتزام بالشريعة والخضوع لأوامر الله، وهو شرط أساسي لتحقيق الإيمان.

أهمية الإنقياد ومظاهر عدمه

بعض الناس يعلمون معنى لا إله إلا الله ولكنهم لا ينقادون لها، فيشاركون في الأفعال الشركية ويبررون ذلك بمخاوفهم من فقدان المنصب أو الوظيفة أو الشعبية. الإنقياد يفرق بين من يعلم بالشريعة ولكنه يضعف في التطبيق، ومن لا ينقاد للشريعة أصلًا.

خاتمة و الدعاء بالتوفيق

يختتم المتحدث كلامه بالدعاء أن ينفع الله قائله وبالصلاة على النبي محمد، ويقر بأن الله تعالى هو الأعلم. هذا الختام يشير إلى نهاية الدرس مع تمنيات بالتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتابنا رحمه الله تعالى: ما دليل اشتراط الإنقياد من الكتاب والسنة؟ هذا تنبيه على الشرط الثالث، والذي تُعتبر من شروط لا إله إلا الله. وذكرنا أن شروط لا إله إلا الله، كما صرحها العلماء، هي سبعة: أولاها العلم، والثاني اليقين، والثالث -والذي نحن بصدده- الإنقياد. وقد قلنا إن هذه الشروط مستوفاة ومستوحاة من الكتاب والسنة، فهي ليست محض اجتهاد من المؤلف أو من هو دونه، بل إنما أخذها العلماء من كتاب الله ومن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. والقياد -إخواني في الله- دلت أدلة الشرع، كما سيأتي معنا، على أنها شرط من شروط صحة لا إله إلا الله، ينتفع بها قائلها. أما من قال لا إله إلا الله ولم ينقاد لها، فإنه لن ينتفع بهذه الكلمة. وما الذي نعنيه بالإنقياد؟ الإنقياد في لغة العرب بمعنى الذل والخضوع؛ قدته فانقاد لي، أي خضع لي. والذي يعنيه العلماء من أن من شرط لا إله إلا الله الإنقياد، قال العلماء: هو الإنقياد التام ل لا إله إلا الله، لما اقتضته ظاهرًا وباطنًا، من غير تعقب لأحكام الله، هذا لازم، من غير تحكم أو تعقب لأحكام الله. فليس من الإنقياد -يا عبد الله- أنك تنقاد ل لا إله إلا الله ثم تستدرك ثم تعقب؛ فالتعقيب والاستدراك معناه لم يتم لك الإنقياد التام. وإنما تنقاد لهذه الكلمة لا إله إلا الله، وفي حقيقة الأمر -إخواني في الله- هناك وجه تشابه بين الإنقياد والقبول، ما سيأتي بعد هذا الشرط. الإنقياد ل لا إله إلا الله والقبول ل لا إله إلا الله، والذي يذكره العلماء -رحمهم الله تعالى- أن الإنقياد ل لا إله إلا الله إنما هو من مستلزمات القبول؛ الإنقياد إنما هو من مستلزمات القبول. إذا تقبلت لا إله إلا الله، هذا يستلزم منك أن تنقاد لهذه الكلمة؛ لأن من الناس من لربما إذا جئت من باب العلم ل لا إله إلا الله يعرف معناها، وإذا جئت من باب الاستيقان بها هو مستيقن لمدلول الكلمة، وإذا قلت: بقبول يتقبلها منك، لكنه لا ينقاد بعد هذا. ولهذا يقال: إن الإنقياد هو العمل ب لا إله إلا الله؛ المؤلف رحمه الله تعالى ذكر لنا بعض الأدلة الدالة على أنه من تلفظ ب لا إله إلا الله وجب عليه أن ينقاد لها. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ قال العلماء: يسلم وجهه بمعنى: انقاد، بمعنى: انقاد. لماذا قال ربنا: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾؟ قال العلماء: محسن -على قول طائفة من أهل العلم- بمعنى: موحد، بمعنى: موحد. فإنسان الموحد إذا انقاد في توحيده لله، قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. وما العروة الوثقى؟ فسرها المفسرون، نقل هذا عن ابن عباس وعن الضحاك وعن جماعة من التابعين: أن العروة الوثقى هي لا إله إلا الله. فإذا كان الموحد منقادًا، فإنه حينها فقد استمسك بالعروة الوثقى، استمسك حقًا وصدقًا ب لا إله إلا الله، ينتفع بها. ينتفع بها بأي قيد؟ بهذا الذي ذكره الله: أن تكون -يا عبد الله- مستسلمًا. ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ أي: ينقاد إلى الله سبحانه وتعالى. ومن هنا استفاد العلماء على أن هذه الكلمة -وهي العروة الوثقى لا إله إلا الله- لا ينتفع منها الموحد إلا إذا كان منقادًا لها؛ لأن هذه الآية خرجت مخرج الشرط: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. والعروة الوثقى -إخواني في الله- أو قل: الاعتصام بهذه الكلمة، إنما يكون إذا انقدت -يا عبد الله- لهذه الكلمة بكل حذافيرها. يعني: بعض الناس لربما ينقاد ل لا إله إلا الله في بعض أحيائها، وفي بعض أعناقها، وليس في كل مقتضاها. لربما -مثلًا- يقول عبد من عباد الله: أنا منقاد ل لا إله إلا الله ولما تقتضيه هذه الكلمة منقاد لها، طبعًا. وليكن: إن قياد -إخواني في الله- إلا لي ما معرفته، ما معنى لا إله إلا الله؟ لا معبود بحق إلا الله، بمعنى: أن تتبرأ من جميع المعبودات وتخلص العبادة لله، هذا الأمر هذا المقتضى. أنت -يا عبد الله- تكون منقادًا لهذا؛ لأن بعض الناس -كما قلت- عنده علم وعنده يقين بمعنى الكلمة، لكن ما عنده انقياد. مثل: تجد بعض الناس -مثلًا- يذهب ويظهر ويذهب إلى الزيارات الشركية مما ترفرف فيها رايات الشرك، من الطواف حول القبور والذبح لها وصرف العبادات لغير الله، من الشرك البواح الذي لا يخفى على أحد من عنده ذرة من علم أن هذا من الشرك بالله عز وجل، صرف الطاعات لغير الله. تجد أن ناسًا لربما يشاركون في مثل هذه المناسبات، فإذا جلست بينهم فهمت أن هذا على خلاف لا إله إلا الله. لربما وجدته يعلم أن معنى لا إله إلا الله: أن لا أتخذ معبودًا من دون الله، يعلم هذا وأنت مستيقن: أنا مستيقن أن ما ينفعني إلا توحيدي. طبعًا لماذا ما تنقاد ل لا إله إلا الله؟ لماذا نراك تشارك مع هؤلاء؟ لربما برر ذلك بأنه إما يخشى على منصبه، يخشى على وظيفته، يخشى على شعبيته في منطقة لربما له شعبية، فيحاول أن يساير الجماهير، يحاول أن يساير الجماهير حتى لا تغضب عليه. لو ربما إذا ذهبت الجماهير إلى الشرك وأصبحوا على جادة التوحيد لربما وضع عليه ألف علامة استفهام، فلربما لو زحزح البصر من تحت قدمه وهو لا يريد هذا. فلربما ما شاء أهل الشرك في شركهم، إذن أين انقياد لا إله إلا الله؟ من قاد هنا لانقياد -يا عبد الله- أن تنقاد لمقتضى هذه الكلمة، مقتضاها أن لا تجعل شريكًا مع الله. وأيضًا -إخواني في الله- الإنقياد الذي يراد هو الإنقياد التام لكل هذه الكلمة؛ فمن مقتضى هذه الكلمة أنك تتبرأ من جميع المعبودات، هذا هو معنى لا إله إلا الله، إذن تنقاد لهذا المعنى، تنقاد لهذا المدلول: أن لا تجعل معبودًا مع الله، فلا تأتي -مثلًا- تقول: أنا على هذا والله ما أزعل، والله ما أجعل لله شريكًا أبدًا لا ملك ولا نبي ولا شجر ولا حجر ولا قبر، إلا شيئًا واحدًا ما هو؟ محمد عليه الصلاة والسلام، فهذا سأجعله شيئًا من العبادات، هذا الذي اصطفيته لنفسي لمحبة القلب له، فإني أجعله شيئًا من العبادات. هذا انقاد من قاد، بعض الناس -إخوانًا في الله- لا أقول هذا جزافًا، بل بعضهم يصرح بهذا، يقول: أنا أعبد الله أعبد محمدًا، أنا أعبد الله أعبد محمدًا، هذا مما يقوله بعض بعض المسلمين الجهلة ممن عشعشت فيهم أفكار الجاهلية، فيقول: أنا أتبرأ من كل معبود كائنًا من كان إلا محمدًا، فأنا أعبد الله أعبد محمدًا. فإذا فعل هذا من قاد ل لا إله إلا الله من قاد لها، فهذا لا ينفعه لا إله إلا الله ولو أتى بها ليل نهار، فهذا -إخواني في الله- مقتضى الإنقياد لهذه الكلمة. وهل معنى الإنقياد بمعنى أن لو أن عاصيًا من العصاة وقع في معصية يقال: هذا العاصي من قاد لشرع الله؟ فإذا ما تنفعه لا إله إلا الله، أهكذا معنى هذه العبارة؟ بهذا الواقع الذي يصور بأن من فعل معصية -مثلًا- رجل وقع في شرب خمر، يقول: هذا الذي شرب الخمر من قاد للدين، إذن عدم الإنقياد للدين معنى عدم الإنقياد ل لا إله إلا الله، وعدم الإنقياد ل لا إله إلا الله لا ينتفع بها قائلها. فنجد أنفسنا أننا والخوارج في خندق واحد؛ فمن فعل معصية من المعاصي قلنا بأنه من قاد، والإنقياد شرط من لا إله إلا الله، إذن لا ينتفع بها، فرمينا أهل المعاصي بالكفر والردة، هل هذا المعنى؟ لا، ليس هذا المعنى -يا عبد الله- لا ليس هذا المعنى. المقصود بالإنقياد: الإنقياد لشرع الله، يعلم أن الله عز وجل له حق التشريع سبحانه وتعالى، ويعلم أنه ملزم بالشريعة ملزم بها، يعلم أن هذا، لكن في العمل يضعف، يضعف في العمل، يرى أن الهوى غلب عليه، يرى أن التقصير هو الذي طم عليه، يرى أن هذا من فعل نزعات النفس وأن هذا من شهوات القلب، يأتي بأعذار يعتذر في فعله، لكن في عقيدته يعلم أنه ملزم بالإنقياد بالإنقياد للشريعة. فمن كان في نفسه يعتقد أنه ملزم بالإنقياد للشريعة إلا التزم هذا، لكنه في واقعه يضعف للشهوات والنزوات وللرغبات والوساوس، ضعف ففعل، لا يقال: هذا ماذا لم ينقاد للدين؟ بل هذا انقاد، بدليل أنه التزم بها. لكن فرق بين رجل تقول له: يا عبد الله الخمر حرام، فيقول: خمر حرام، من أين؟ هذا شرع الله، لا أحد يلزمني لا شرع ولا دين، لا أحد يلزمني، هذا ما هو هذا كافر الذي ما ينقاد أصلا ما ينقاد للدين. فرق بين الذي ينقاد للدين يعلم أنه ملزم بدين وشريعة، لكنه في الواقع يضعف، وبين الذي لا ينقاد أصلا يقول لك بملء الفم: لا أحد يلزمني، كما يفعل بعض من تلوث بالأفكار العلمانية، يقول: لا أعلم شيئًا اسمه دين، هذا دينكم عبارة عن أواصر عبارة عن أصفاد وضع في رقابنا ممنوع وحرام ومكروه، لا أحد يلزمني بشيء، أنا خلقت في هذه الدنيا آكل وأشرب وأعصي وأفرق من نزواتي ورغباتي، لا أحد يلزمني بدين، لا أحد يلزمني بدين، هذا ما ينقاد، إذن هذا الذي لم ينقد ل لا إله إلا الله. ففرق -الإخوان في الله- في أمر العاصي بين الذي ترك الفعل وبين الذي ترك الاعتقاد والعقيدة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»، وهذا الحديث جاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، إلا أن جماعة من العلماء على تضعيفه، فالحديث ضعيف. «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»، إلا أن من أهل العلم قال: والمعنى صحيح وإن كان ضعيفًا، لكن المعنى صحيح. وهذا يكون في الإنقياد التام، الإنقياد التام وهو أن تنقاد ل لا إله إلا الله، وأن تنقاد للدين، وأن تنقاد للشريعة، وأن تنقاد في كل ما يأمرك به الرب، كونك تجند نفسك لهذا المستوى من الإنقياد للدين كله من أوله إلى آخر تنقاد، ولو كان ذلك على حساب رغباتك وعلى حساب هواك، هذا يسميه العلماء بالإنقياد التام. «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»، فكما قلنا الحسن ضعيف، لكن العلماء قالوا بأن الحديث معناه حسن. فهذا -إخواني في الله- بعض ما يذكر في هذه المسألة وفي هذا الشرط ألا وهو شرط الإنقياد ل لا إله إلا الله، بمعنى أنك بعدما تعلم بمعنى هذه الكلمة ثم تستيقن بصحتها: أن لا إله إلا هو جل في علاه الواحد الأحد الفرد الصمد، ثم تتقبل هذه الكلمة كما سيأتي في درس غد بإذن الله، بعد غد وما يتعلق بالقبول. بعد ذلك يثمر هذا القبول ماذا؟ الإنقياد؛ لأنك تقبل وبعد ذلك لا تنقاد، وإنما تفعل الذي يحلو لك ويحلو لك بفعل الشرك، لا -يا عبد الله- فإن علمت واستيقنت وقبلت ثم لم تنقد لم تنقد هذه الكلمة، فما تنفعك؛ لأنك أخللت بشرط عظيم. ودليل هذا الشرط كما في قول ربنا ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. وكذلك استدل جماعة من العلماء على شرط الإنقياد بقول الله سبحانه وتعالى ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، وتدلوا كذلك بقول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، هذا الإنقياد، قالوا: ربنا الله ثم استقاموا، مكتفوا باللفظ، وإنما أتبعوا هذا اللفظ بوحدانية الله: أنهم استقاموا على دينه، استقاموا على شرعه. وهذا ممن يذكر العلماء في شرطية الإنقياد، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.