شرح أعلام السنة المنشورة  168

شرح أعلام السنة المنشورة 168

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 168، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم التوبة النصوح وشروطها العامة

التوبة النصوح هي التوبة الصادقة التي تجتمع فيها شروط معينة، وتشمل الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه. هذه الشروط هي أساس قبول التوبة.

خصوصيات حقوق العباد في التوبة

حقوق العباد لها خصوصية في التوبة، حيث يجب التحلل منها والتعويض عنها، لأنها مبنية على المشاحة وليس المسامحة، وسيطالب أصحاب الحقوق بها يوم القيامة إذا لم تُستوف في الدنيا.

آثار المظالم وخطورتها يوم القيامة

المظالم لها آثار خطيرة يوم القيامة، حيث يُعوض أصحاب المظالم من حسنات المظلوم، فإن نفدت الحسنات أخذوا من سيئاتهم وطرحوها على المظلم، مما يوجب على المسلم تجنب الظلم والتحلل من المظالم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما التوبة النصوح؟ مر معنا في سؤاله أمس ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى عما تكفر به الصغائر والكبائر، فذكر بما دل عليه القرآن والسنة بأن التكفير يكون بالتوبة، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً﴾، هنا ناسب أن يذكر هذا السؤال إيضاحًا: ما التوبة النصوح؟ قال رحمه الله تعالى: هي الصادقة، وهذا قد أثر عن بعض السلف، كما أثر ذلك عن قتادة رحمه الله تعالى، كما حكاه الحافظ بن حجر في "فتح الباري" أنه قال في التوبة النصوح: قال هي الصادقة الناصحة. قال رحمه الله تعالى: هي الصادقة التي اجتمع فيها ثلاثة أشياء: الإقلاع من الذنب، والندم على ارتكابه، والعزم على أن لا يعود أبدًا. إذن التوبة النصوح هي التي توفرت فيها الشروط الثلاثة، أولاها: الإقلاع عن الذنب، وهذا واجب، قد مر معنا في قوله تعالى: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا﴾، فمن شرط التوبة أنك لا تصر عليها، أنك متى ما اقترفتها عليك أن تقلع، والإقلاع يكون في الحال، إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب، فسرت هذه الآية في قوله تعالى: ﴿من قريب﴾ أي منذ صدور الذنب عنهم، يبادرون إلى التوبة، فهذا الإقلاع عن الذنب. قال: والندم على ارتكابه، وهذا الشرط الثاني، أن يظهر منك التحسر، يظهر منك التأسف، كلما مر على خاطر كذلكم الذنب الذي اقترفته، فإنه يعلوك الهم والغم والحزن والأسى على ما اقترفته وعلى ما صنعته يدك، هذا الذي ينبغي أن يظهر، وصح عن جمع من الصحابة، ومنه من جعله مرفوعًا عن رسول الله «الندم توبة، الندم توبة»، فالشخص إذا تذكر ما عليه من ذنب لا يضاحك ولا يفتخر به، إذا من الله عليك بتوبة يظهر عليك الأسى. قال: والعزم على أن لا يعود أبدًا، وهذا الشرط الثالث، أنك تعزم أنك لا ترجع إلى ذلك، وقد جاء هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كما حكاه القرطبي في تفسيره أن عمر رضي الله تعالى عنه فسر التوبة النصوح، قال: أنه يذنب الذنب ثم لا يرجع إليه، يذنب الذنب ثم لا يرجع إليه، هذه التوبة النصوح، أنك تجعل في قلبك عدم الرجوع وعدم العزم إلى الكرة. أما إن كان في قلبك النية للرجوع هذا ليس بتوبة، كما يحصل لبعض الناس، مثال: تجد بعض الناس لو ربما يفعل معصية، فإذا دخل عليه رمضان يقول: خلاص احترامًا لرمضان سأكف عن هذا، لكن يمني نفسه إذا انتهى رمضان سيرجع، أو إذا حضر موسم الحج أو تيسرت له العمرة فإنه احترامًا لهذه المشاعر المقدسة قال: ما أفعل هذا، سأترك المعصية، لكنه في قلبه وفي نيته أنه إن انتهى من هذا الموسم أو من تلك الشعيرة فإنه يعود، هذا ليس بتائب، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، قال: بل هذا تارك للذنب، ليس بالتائب، هذا تارك للذنب، فلا يظن أنه بتركه قد وصل إلى مرحلة التائبين، لا، هذا ليس بتائب، التائب هو أنه يقلع عن الذنب مع العزم على عدم الرجوع إليه. فهذه الشروط الثلاثة التي ينبغي أن تجتمع في التوبة النصوح: الإقلاع والندم والعزم على عدم العودة. ومن أهل العلم من أضاف كذلك شرطين آخرين، فالشرط الرابع عند بعض العلماء الإخلاص، لابد أن التائب إذا أراد أن يتوب فليتوب إلى الله خوفًا من الله سبحانه وتعالى ورجاء ما عنده من الثواب. أما إن عثر على أن أحدًا من الناس تاب إنما لنيل محمدة مثلًا أو خوف من مذمة أو أراد أن يتوصل إلى مصلحة، قال: هذا ما أراد به وجه الله، فلا تكون هذه توبة، لابد من التوبة أن يكون فيها إخلاص، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. والشرط الخامس الذي أضافه جماعة من أهل العلم أن تكون التوبة في زمنها في وقتها، إذ أن التوبة لها وقت، ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى بعد هذا السؤال عرج على هذه المسألة، ولهذا نرجئ الكلام عند الفقرة القادمة بإذن الله حول زمن التوبة، فلابد أن تكون التوبة حتى تقبل من صاحبها أن تكون في وقتها، فإذا خرج وقتها فلا تقبل حينها توبة التائبين. قال رحمه الله تعالى: وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَظْلَمَةِ لِمُسْلِمٍ تَحَلَّلَهَا مِنْهُ، وهذا أمر آخر، الذي سمعنا من هذه الشروط الثلاث مع الشرط الرابع والخامس عند جماعة من أهل العلم، هذا إذا كان الذنب فيما بينك وبين الله سبحانه وتعالى، أما إن كان الذنب والمعصية فيما بينك وبين عباد الله هنا شرط آخر، وهو التحلل أن تتحلل من هذه المظلمة من هذه المعصية التي بينك وبين عباد الله. وبهذا نعلم إخواني في الله أن الاعتداء على حقوق العباد أمرها أعظم أشد من الاعتداء على حقوق الله، لأن حقوق الله مبنية على المسامحة، وأما حقوق العباد مبنية على المشاحة، لهذا يقول السفيان الثوري رحمه الله تعالى: لأن تذنب ذنبًا فيما بينك وبين الله أهوى من أن تذنب ذنبًا فيما بينك وبين عباد الله. قال: إن كان فيه مظلمة لمسلم تحللها منه إن أمكن، فإنه سيطالب بها يوم القيامة إن لم يتحللها منه اليوم، فالتعلم أن للحقوق مطالبة، أصحاب الحقوق سيطالبونك بحقوقهم، فلا تغتر يا عبد الله بأن الله أعطاك منصبا أو أعطاك وجاهة أو أعطاك سلطة وزعامة ورئاسة أنك تستغل ذلك في أنك تبطش بعباد الله فتسلب الحقوق عن أهلها. وحقوق العباد ترجع إلى أمور ثلاث: الأبدان والأموال والأعراض، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، هذه مظالم، فمن اعتدى على أحد هذه المظالم وجب عليه أن يستوفيها في الدنيا، وإلا فإنها ستؤخذ عنه قهرًا يوم القيامة. قال رحمه الله تعالى: فإنه سيطالب بها يوم القيامة إن لم يتحللها منه اليوم، ويقتص منه لا محالة، هذا لا أبد، لا أبد من القصاص، مثل الرجل اعتدى على مسلم على بدنه على جسده إما بإزهاق روحه قتل، ثم يهرب كما يفعل بعض الناس في البوادي يهرب إلى سفوح الجبال وإلى بطون الأودية، ثم يتندم يقول: يا الله إيش فعلت؟ أستغفر الله، ثم يستغفر الله، ينفعه الآن؟ ما ينفعه، والضحية الذي رميت بها وقتلتها، نهيك عما جلبت على أهله من أحزان، من لهم هؤلاء؟ إذن واجب أن يقتص منك، تذهب تذهب إليهم حتى يقتص منك، فهم بعد ذلك بالخيار، إن طالوا بالقصاص النفس بالنفس أو طالوا بالفدية واجب أن تعطيهم أو أنهم يعفوا ويصبحوا، فهذه المنزلة العلية، لكن تسلم نفسك إليهم. وبهذا تعلم إخواني في الله خطأ كثير من الناس ممن لربما يبتلى بحقوق العباد، ثم يرى أنه يكفيه في ذلك أنه يتوب بينه وبين الله، يأخذ أموال ويغصب عقارًا أو يطعن في أعراض، هذا ما يجوز، ثم بعد ذلك تظهر الأسف فيما بينك وبين الله، تبكي في سجودك أو أنت في ظلمات الليل ترفع كف ضراعة، هذا لا ينفع، هذا فعلًا إذا كان التقصير في حق الله، أما التقصير في حق العباد ينبغي أن يستوفى إلى أهله، وجب هذا، واجب كما قلنا حقوق العباد مشددة أمرها أعظم. وكما قيل: لأن تذنب سبعين ذنبًا فيما بينك وبين الله أهوى من أنك تذنب ذنبًا فيما بينك وبين عباد الله. قال رحمه الله تعالى: واختصم منه لا محالة، وهو من الظلم الذي لا يترك الله منه شيئًا، وهذا إشارة من المؤلف إلى ما صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله»، ثم أبان نبينا عن هذه الثلاث، قال: «أما الظلم الذي لا يغفره الله فهو الشرك»، ثم قال: «وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم»، كما قلنا مبني على المسامحة فيما بينك وبين الله، ظلمت نفسك في ترك شيء من دين الله، هذا ظلم لنفسك، فهذا تحت مغفرة الله، وربنا يتجاوز عن عباده. قال: «فهذا يغفره الله، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم لبعض»، هذا ما يترك المظلوم سينصره الله ولو بعد حين، المظلوم إن لم يأخذ بحقه في الدنيا فإن الله سيأخذ بحقه يوم القيامة. قال رحمه الله تعالى: لا يترك الله منه شيئًا، قال: وهو من الظلم الذي لا يترك الله منه شيء. قال عليه الصلاة والسلام: «من كان عنده لأخيه مظلمة فليتحلل منه اليوم»، تحلل يا عبد الله، وكما قلنا المظالم عدة، وهي تقول إن الأمور الثلاثة كما قلنا إن كانت في الأبدان كأن قتلت نفسًا أو اعتديت على جسد بضرب وجراحة وإصابة وإسالة دم، تذهب إلى هذا المصاب، وإن كان ميتًا تذهب إلى أهله فتحلل، قل: أنا الفاعل، أنا صدر مني ذلك، والأمر إليكم، تحلل منه اليوم. أو يكون التحلل في مظلمة الأموال أنك اعتديت على الأموال، وكم هي الأموال سرقة هذا من الاعتداء، قفزت على بيت أو ذهبت إلى دكان أو أخذت من شخص متاع خفية، هذه السرقة، هذا اعتداء على مال، أو ما يكون في أيام الهرج والمرج من التكسير والتخريب، تكسير المحلات وتخريب الدكاكين، هذا من الظلم في الأموال، فهذه الأشياء أو اعتداء على أراضي، تزوير وغش وتحريف، تستولي على أموال وعلى عقارات وأراضي، هذا كل من الاعتداء أموال، هذا مظالم، وجب عليك أن تتحلل منها اليوم، كيف تتحلل؟ ارجعها باشر، ارجعها إلى أهلها، قل: يا فلان بفلان هذا لك، هنا تأتي المسألة الأخرى: وهي أولًا تتفقان تصطلحان، اصطلها على شيء. تأتي المسألة الأخرى: وهي أنه يقول: قال ما وجدته، صحيح هذا فلان؟ أنا أخذ منه مال سرقة اختلاس التزوير، ذهب عليه، ما الذي أفعل؟ مئة ألف أين أدفعها؟ هنا بعدما أن تعرف أنك واجب أن تسأل عنه، واجب ابحث، تسأل وأخوان: وين صاحب الدكان الفلاني؟ قالوا: أسافر، وإيش من منطقة؟ قالوا: من أرض فلان، تسأل، اذهب إلى الدكاكين المجاورة: أخي فلان من فلان صاحب المحل؟ وين محله؟ وين بيته؟ تسأل تسأل إلى أن تعثر عليه، لابد أنك تعثر، حينها إن يئست وما استطعت لذلك سبيلًا، حينها تنتقل بما يسمع بالصدقة، تأتي بمئة ألف هذه وتتصدق بها على لفلان، أنها يجعل له في حسابه وفي رصيده الأخروي، تتصدق، انتهى الأمر. لا، انتبه، فإن جاء صاحب المال بعد فترة، جاء أخبرهم بالخبر: يا فلان لك مال عندي، وأنا ما وجدتك، وأنا تقيت الله فيك وبحثت عنك ما وجدتك، مئة ألف فتصدق بها، موافق؟ يقول: إيش صدقة؟ لا، لا، لا، أنا أريد مالي، إن قلت: أريد مالي، واجب أن تعوض، تعوض، تقول: أنا هذه مئة ألف، هذه مئة ألف التي تصدقت تكون صدقة لك، ستقلب الحساب، يكون هذه الصدقة في حسابك أنت، لكن صاحب المال إن طالب وشدد يريد ماله فهو أولى، يعطى ماله. كذلك في الأعراض من المظالم العظيمة، الأعراض: الطعن، السب، الشتم، الكذب، التشويه للسمعة، تتكلم ترمي الواتساب، مثاله: فلان بفلان كذا كذب وزود، ثم تطير بالأخبار فينتشر وينتهك عرضه، يتكلم فيه كل سفيه، وأنت تعمل هذا الخبر كذب، أو أنك تغتاب في المجالس الخاصة والعامة وتطعم في الأعراض، وما يكون من قذف المحصنات الغافلات، هذه الأعراض هذه مظالم، وجب عليك أن تستوفيها في الدنيا، لأنك إن لم تستوفيها في الدنيا فإنها ستستوفيها يوم القيامة عند الله جل وعلا، وسيأتي كيف الاستيفاء يوم القيامة. إذن وجب عليك كيف تتحلل؟ تتأسف: فلان بفلان، أنا قد ذكرتك بسوء، واعذرني، تبعت شيطاني وزلت لساني، وأنا أستغفر الله، أرجو أن تسامح، سامح، تطلب العفو المسامحة ممن طعنت فيه، تكلمت فيه، اغتبته، طعنت في شرفه، طعنت في عرضه، تتحلل منه. قال: وبهذا نعلم إخواني في الله أن الاعتداء على حقوق العباد أمرها أعظم أشد من الاعتداء على حقوق الله، لأن حقوق الله مبنية على المسامحة، وأما حقوق العباد مبنية على المشاحة، لهذا يقول السفيان الثوري رحمه الله تعالى: لأن تذنب ذنبًا فيما بينك وبين الله أهوى من أن تذنب ذنبًا فيما بينك وبين عباد الله. قال رحمه الله تعالى: قال عليه الصلاة والسلام: «من كان عنده لأخيه مظلمة فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له حسنات أخذ من حسناته، وإلا أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه»، انظر للحساب، لأن كما قلنا إن لم تتحلل اليوم ستتحلل يوم القيامة، بماذا ستتحلل؟ سيكون عندك دنانير وعندك أراضي تعوض أهل، لا يكون عندك الحسنات التي جئت بها هكذا، سيكون التعويض، كل ما عندهم مظلمة فإنه يأخذ من حسناتك، حتى إذا فنيت حسناتك تنعكس الآلية، فهؤلاء الذين عندهم السيئات تأخذ من سيئات فتطرح على ظهرك. فالأمر إخواني في الله عظيم جدًا عظيم، أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.