الدرس في شرح أحاديث فضائل وآداب الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الدرس حديث أبي هريرة عن ترك قول الزور والعمل به والجهل، مبيناً أن هذه المعاصي تنقص أجر الصيام وتخدشه دون أن تفطره عند جمهور العلماء. ويوضح أن قول الزور يشمل الكذب والغيبة وشهادة الزور، والعمل به هو ارتكاب المنهيات، والجهل هو السفه والسب.
يبيّن المقطع أن المعاصي كالكذب والغيبة تنقص أجر الصيام ولا تفطره عند الجمهور، بينما يرى ابن حزم فساد الصوم بها، وتزداد شناعة الإثم في رمضان والحرم وعند التلبس بالعبادة. ويحذر من أن مجرد الامتناع عن الطعام دون ترك المحرمات يحرم الصائم ثواب الصيام كما في حديث: رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع.
يؤكد الدرس أن غاية الصيام الحقيقية هي تحقيق تقوى الله لا مجرد الجوع، مستدلاً بأحاديث تحذر من ضياع الأجر بالرفث والخصام والرياء. ويوجّه لحفظ اللسان والرد على الإساءة بقول: إني صائم، داعياً لحفظ هذه الأحاديث والعمل بها وتعليمها في رمضان.
يختم المعلم بالتأكيد على أهمية تبليغ العلم والصبر على ما قد يواجه الداعية من ابتلاء أو مشقة في سبيل نشر الخير. ويشير إلى أن الدرس القادم سيكمل الحديث عن فضائل وآداب طلب العلم ونشره استكمالاً للمسيرة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فقد أخذنا في الدرس الماضي حديثين من أحاديث فضائل وآداب الصيام. فمن يقرأ علينا الحديث الأول؟ نعم، من رواه؟ متفق عليه: البخاري ومسلم. تمام، هذا الحديث رواه البخاري ومسلم. الحديث الثاني: من حفظه؟ طيب، لو تحفظون هذه الأحاديث؟ نعم، عن من؟ من الصحابي؟ مكفرات لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر. أحسنتم. طيب، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: ففي هذا اليوم كذلك نأخذ حديثين من أحاديث فضائل وآداب الصيام. الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». رواه البخاري. ومعنى هذا الحديث: من لم يدع، أي: من لم يترك. من لم يدع، أي: من لم يترك قول الزور. وقول الزور هو: كل كلام مائل عن الحق، أي: كل كلام باطل. ليس الزور هنا متعلقًا بالزور في الشهادة الكاذبة، فالشهادة الكاذبة في أخذ باطل أو إبطال حق هذا من الزور، من الزور المراد به في هذا الحديث. فالزور هنا: كل كلام مائل عن الحق، فيدخل فيه الكذب، ويدخل فيه البهتان، ويدخل فيه -وهو من أعظمه- شهادة الزور، ويدخل فيه الغيبة، ويدخل فيه النميمة، ويدخل فيه كذلك كل كلام باطل. كل كلام باطل فهو من قول الزور. فمن لم يترك القول الباطل، والعمل به -أيش المراد بالعمل به؟ أي: العمل بمقتضى ما نهى الله عنه، سواء كان من قول الزور أو شهادة الزور أو كل ما نهى الله عنه. فمثلًا: لو شهد الإنسان شهادة الزور، فلا يجوز أن يعمل بها، لا يجوز أن يعمل بها. أو كذب إنسان على شخص، قذفه وقال: إنه زانٍ. باطل، كلام باطل، فلا يجوز العمل به. فمن عمل بالقول الباطل فهو كذلك يدخل في النهي الذي جاء في هذا الحديث. فهذا هو العمل به. العمل به يعني: العمل بمقتضى الكلام الباطل، وهو ما نهى الله عز وجل عنه من شهادة الزور، أو من الكذب، أو من القذف، أو نحو ذلك. فهذا معنى قوله: والعمل به. وقوله: والجهل. المراد بالجهل هنا: السفه، من شتم أو سب أو كلام فاحش أو نحو ذلك. فهذا يقال له: جهل. فلا لا يجهل أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين، هكذا يقول الشاعر. ومعنى: ألا لا يجهل أحد علينا، يعني: لا يسبنا أحد، ولا يقابلنا بالسفه أحد. فإذا قابلنا أحد بذلك رددنا عليه بما هو أعظم. هذا معنى قول الشاهد في قوله: ألا لا يجهل أحد علينا. فهذا معنى قوله: والجهل. وأما قوله: فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. يعني: يراد بقوله: فليس لله حاجة، بيان عظم ارتكاب هذه الأعمال من قول الزور والعمل به والجهل. وإلا فالله سبحانه وتعالى غني عن العالمين وأعمالهم. وليس معنى أن الله بحاجة إلى بعض الأعمال من العبد، وإنما المراد: بيان عظم هذه الأعمال. فمن عمل هذه الأعمال فلا يجازى على صيامه في حال كونه صائمًا، لا يجازى على صيامه، فيكون صيامه ناقصًا، يكون صيامه فيه من النقص والخدش. هذا هو المراد بقوله: فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. بمعنى أن أجر الصيام يكون قليلًا؛ لأنه ليس صوما تاما كاملا. فمن صام عن الطعام والشراب، لكنه لم يصم عن الكذب وقول الزور والسب والشتم وفعل المعاصي، فهذا صيامه صحيح، صيامه صحيح لا يفطر، لكن صومه ينقص، يكون صيامه ليس كصيام من حفظ لسانه وحفظ جوارحه من الوقوع في المعاصي. هذا ما عليه جمهور أهل العلم. وبعض أهل العلم ذهب إلى فساد صيام من ارتكب هذه المحرمات، كابن حزم الظاهري، يرى أن الغيبة والكذب هذه مما يفطر الصائم. لكن الصحيح أن هذا لا يفطر الصائم، وإنما يأثم الصائم على هذه الأفعال، وينقص أجر صيامه، ينقص أجر صيامه. وهذا الحديث فيه: أن قول الزور وفعل المعاصي محرم في كل زمان وفي كل مكان، ولكن يعظم ويشتد الإثم إذا كان في زمان فاضل كرمضان، أو في مكان فاضل كبيت الله الحرام، أو في حالة فاضلة وتلبس بعبادة لله عز وجل كالصيام. فكما تقدم معنا في خطبة الجمعة أن يعني العمل يعظم، العمل الصالح يعظم إذا كان في شرف الزمان والمكان والعبادة، ك العمرة في رمضان فإنها تعدل حجة، لشرف الزمان وهو رمضان، وشرف المكان لأن هذه العبادة تؤدى في حرم الله عز وجل، وكذلك شرف العبادة فإن العمر فضلها عظيم. وهكذا المعصية: المعصية يشتد جرمها ويشتد إثمها إذا كانت في زمن فاضل كرمضان، أو في مكان فاضل كالحرم. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾، وذلك لشرف المكان. وكذلك شرف العبادة: فالصيام فضله عظيم، فما ينبغي للمسلم حال كونه صائمًا أن يسرف على نفسه بالمعاصي، بل يعظم هذه الشعيرة. وليس معنى ذلك أن المعاصي في حق غير الصائم لا بأس بها، وإنما المراد هنا المقارنة. فالزمن الفاضل والمكان الفاضل تضاعف فيه العبادة، وكذلك تشتد فيه المعصية، تشتد فيه المعصية. لهذا الحديث ولغيره من الأحاديث. والحديث الثاني: وهو قريب من هذا الحديث. حديث كذلك أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر». رواه ابن ماجه، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. ما معنى هذا الحديث؟ «رب صائم»: رب هذه تسمى عند أهل العربية بماذا؟ حرف ماذا؟ حرف تكثير أو تقليل على حسب السياق. فهنا حرف تقليل أو تكثير، الظاهر أنه حرف تكثير، يعني: كثير من الصائمين يعني يصومون ويجوعون أنفسهم وليس لهم حظ من هذا الصيام إلا الجوع. «رب صائم ليس له من صيامه» يعني: ليس له من الأجر والفضل إلا أنه جاع وأتعب نفسه بالجوع. لماذا؟ لأنه امتنع عن الطعام والشراب، ولم يمتنع عن قول الزور أو عن كذلك المعاصي والذنوب. فهذا في الحقيقة لا يستفيد من الصيام، لا يستفيد من الصيام. وكما مر معنا في الحديث المتقدم: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». لأن الله عز وجل غني عن أعمالنا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾. وكما في الحديث القدسي: يقول الله سبحانه وتعالى: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها». إنما هي أعمالنا، الله عز وجل غني عنا وعن أعمالنا وعن تعبنا وعن نصبنا وعن أموالنا. وكما قال في أمر الهدي: ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ﴾. فالحكمة من الصيام ومن جميع الأعمال الصالحة هو ماذا؟ هو تحصيل تقوى الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. فالمراد من الصيام هو الحصول على تقوى الله سبحانه وتعالى. لا تظن أن الغرض من الصيام هو أن تجوع نفسك وأن تتعب نفسك، وإنما أن تتعلم الصبر، وأن تتعلم الحلم، وأن تتعلم البعد عن المنكرات، البعد عن المعاصي، البعد عن المخالفات، وهكذا الإتيان بالأوامر والواجبات. هذا هو الغرض من شرعية والحكمة من شرعية الصيام. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع»: فقط جائع، لكنه أفسد صيامه بالمعاصي، بقول الزور، بالغيبة، بالنميمة، بالسب، بالشتم، ولحوء ذلك. ولذلك جاء عن أحد السلف أنه كان يقول: «ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك، لا تجعل يوم صومك كيوم فطرك». لماذا؟ لأن الصيام يحفظ الإنسان من أن يتكلم بالكلام السيء، أن يتكلم بالسب والشتم ونحو ذلك. نعم، فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر». يقوم الليل، لكنه لا يجد من الأجر شيئًا. لماذا؟ قال العلماء: لأنه لم يخلص لله عز وجل في قيامه، فيقوم الليل ويجهر بصلاته كي يسمعه الناس، أو يخبر الناس بعبادته كي يثنوا عليه، كي يثنوا عليه. فحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر»، أي: أنه لم يخلص العبادة لله سبحانه وتعالى. فهذا هو ملخص ما ورد في هذين الحديثين. وجاء أيضًا مما يدل على أن المسلم يحاول أن يضبط لسانه من السب أو من الشتم، ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، وأنا أجزي به». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». يعني: إذا تعرض لك أحد وأنت صائم، أمسك نفسك، تعلم الصبر، وتعلم الحلم، لأن الصيام الغرض منه هو تقوى الله سبحانه وتعالى. فينبغي على الصائم أن يحفظ صومه، وأن لا يجاري السفهاء، أن لا يجاري السفهاء. فإذا تعرض لك أحد بسب أو شتم، تقول له: عفوًا، إني صائم، إني صائم. يعني: لا أقابل السيئة بالسيئة، وإنما أسكت وأتحمل ما تقول لي، أتحمل ما تقول لي. هكذا يؤدبنا الإسلام، هكذا يؤدبنا الإسلام. فهذا هو معنى هذين الحديثين. إذن الآن صارت معنى أربع أحاديث، صارت معنى أربع أحاديث من الأحاديث التي أردنا أخذها في هذا المقام، وكلها من الأحاديث التي... يعني صحابي هذا الحديث أن كلها صحابيها واحد، كلها صحابيها واحد، وهو من رواة الإسلام أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فحاولوا برك الله فيكم تحفظون هذه الأحاديث، فأنتم في أمس الحاجة إليها في شهر الصيام بالعمل بها أولًا، ثم بعد ذلك بتعليمها. خرجت داعية أو خرجت إمامًا صلي بالناس، لا بأس أن تعمل لهم كلمة بعد الصلاة، تأخذ حديثًا من هذه الأحاديث وتبين شيء من شرحه ومن فوائده، وينتفع الناس بذلك. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾: بالعلم، وقد علمتم هذه الأحاديث، وعملوا الصالحات وهو العمل بهذا العلم، وتواصوا بالحق وهو ماذا؟ تبليغ هذا العلم، وتواصوا بالصبر وهو تحمل ما قد يعني تتعرض له من ابتلاء أو من شدة عند إلقاء هذه الكلمة، أو كذلك عند الذهاب لأداء هذه الكلمة. فاصبر على تبليغ العلم. وإن شاء الله نأخذ في الدرس القادم ما تيسر أيضًا من تلك الأحاديث التي تتعلق بالفضائل والآداب. بهذا نكتفي اليوم، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر