الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 287، ألقاها
ناقش حكم طواف الوداع للحائض وآراء الصحابة والتابعين في هذه المسألة. استدل بحديث الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي وأشار إلى آراء زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر.
شرح حديث الحارث بن مالك بن برصاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حول عدم غزو مكة بعد الفتح. تناول رواية زكريا عن الشعبي عن الحارث بن مالك وصحة الحديث.
فسر أحاديث نبوية حول عدم غزو مكة والمدينة بعد فتح مكة. تناول معنى الغزو وتفسير العلماء له واستشهد بأحداث تاريخية وقعت في عهد يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف الثقفي.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: في الحديث الذي تقدم بالعكس حديث الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي الطائفي، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحائض: «ليكن آخر عهدها طواف البيت». فراجعت المسألة، كان هناك خلاف قديم عن الصحابة، عن عمر وعن زيد بن ثابت، وكذلك زيد بن عمر. فأما زيد بن ثابت، فقد جاء في الترمذي الحوار الذي حصل بينه وبين ابن عباس، فقال زيد بن ثابت: سمعتك تفتي الحائض أنها تنفر قبل أن تطوف طواف الوداع؟ فقال: نعم يا ابن عباس، سل قلال الأنصارية -جاء في بعض الروايات أنه أم سليم- فسألها زيد بن ثابت، فأخبرته بقصة صفية زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء مبتسما إلى ابن عباس، فقال: نعم. فمعنى ذلك أنه أيد ابن عباس. وذكر بعض العلم أن ابن عمر وعمر قد رجعا. ولهذا حكى بعضهم الإجماع في المسألة على أن الحائض يسقط عنها طواف الوداع، إلا إذا طهرت قبل أن تخرج من مكة، فإذا طهرت قبل أن تخرج من مكة فإنها تطوف طواف الوداع. فإذا خرجت قليلا ثم طهرت، هل ترجع؟ فأكثر العلماء أنه إذا كانت مسافة ليست مسافة قصر قالوا: ترجع. وبعض العلماء قال: إذا خرجت لا ترجع؛ لأنه قد رخص لها. وهذا ظاهر لأدلة الله أعلم. قال شيخنا مقل بن هاد الوادي رحمه الله: مسند الحارث بن مالك بن برصاء رضي الله عنه. ابن برصاء قيل: إنها أمه، وقيل: إنها أم أبيه. فإذا كانت أمه سيكون ابن برصاء -أي على أنها أمه- ابنها الحارث بن مالك، واشتهر بهذا اللقب ابن برصاء. وكان ممن يجلس مع مروان بن الحكم، وهو أنصاري خزرجي. قال رحمه الله: قال الإمام محمد رحمه الله: حدثنا سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي رحمه الله، كان فقيها محدثا، وقد طلب العلم وهو صغير، وحدث وهو صغير. قال: أسندني من سمع من كداب وأنا ابن ستة عشر سنة أو نحوها. فقال: حدث. فقلت: إني صغير. فقال: حدث، ومعك الزهري وعمر بن دينار. فأراد أن يحدث وهو صغير. وكذلك أيضا الإمام ابن عيينة كان يأتي إلى مكة مع أبيه في كل سنة، وهو أصله من الكوفة، وكان يأتي مع أبيه كل سنة إلى الحج، ويجلس أبوه -الظاهر أنه كانت عنده تجارة- فيجلس أربعة أشهر، فيغتنم سفيان هذه الأشهر في طلب العلم من عمر بن دينار ومن ابن جريج وغيرهما. ومن ثم جاء الزهري في آخر سنة قد توفي فيها الزهري سنة مائة وثلاث وعشرين، جاء إلى مكة، وكان ابن عيينة في تلك السنة قد جلس في مكة فلازمه وأخذ منه الحديث، فلهذا كان صغيرا. فبعض العلماء ذكر أنه كان في ذلك الوقت لما مات الزهري، وسفيان كان في سن ستة عشر؛ لأنه ولد سنة سبع ومائة، والزهري توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة. معنى ذلك أنه سمع منه وهو ابن ستة عشر سنة. وكانت تلك السنة أو السنوات التي قبلها قد جلس معين يطلب العلم في مكة، ثم رجع أو طلب العلم ثم رجع إلى الكوفة. قال: حدثنا زكريا، وهو ابن أبي زائدة، أبو يحيى الكوفي الهمداني الواسطي الكوفي رحمه الله، كان ثقة، صاحب سنة، وهو من أصحاب الشعبي، من حفاظ أصحاب الشعبي. إسماعيل بن أبي خالد هو أوثق الناس في الشعبي. وكذلك زكريا من حفاظ أصحاب الشعبي، وكذلك أبو فراس الهمداني. قال: وأما الشعبي فلم يرو عن الشعبي، إنما روى عن أصحابه؛ لأن الشعبي وإن كان قد أدرك الشعبي بسنه، لكن تأخر في طلب العلم. لهذا كان يقول الشعبي رحمه الله: «لولا الشعر لجئتكم بالشعبي»، أي لولا أني تعلمت الشعر في بداية أمري. وأني لو طلبت العلم -معناه يقول إذا طلبت العلم ولم أطلب الشعر- لجئتكم بالشعبي. لكن تأخر في طلب العلم، فلهذا فهو أكبر من هؤلاء الذين هم أقراء من أقرانه. أنا أكبر من سفيان الثوري بعشر سنوات، وأكبر من سفيان بن عيينة بعشرين سنة، وأكبر من مالك بسبع سنوات. وهكذا فهو أكبر من هؤلاء الذين هم في أقرانه في الرواية، لكنه أكبر منهم سنا. قال: حدثنا زكريا عن الشعبي. ولم يرو هذا الحديث أحدا عن الشعبي إلا زكريا، كما سيأتي في كلام الترمذي. قال: عن الحارث بن مالك بن برصاء، قال: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لا تغزى مكة لا تغزى مكة بعدها أبدا»، أي بعد أن دخلها النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد الفتح. قال سفيان: الحارث الخزاعي. معناه يقول أن الحارث خزاعي. وبعض العلماء يقول: إنه أنصاري من الأنصار. وهذا هو المشهور. ولهذا ذكر الحارث بن حجر في الإصابة بعدما ذكر الحارث بن مالك بن برصاء، وأنه أنصاري. قال: وقال أحمد: الحارث خزاعي. والظاهر أنه أخطأ؛ إنما نقلها أحمد عن سفيان -سفيان بن عيينة- والظاهر أن هذا خطأ. الحارث بن برصاء مشهور في الصحابة أنه أنصاري. حتى إن الحارث -أو مروان بن الحكم- كان أراد أن يجلده لأنه كان من جلسائه، فتكلموا في الفيء. فقال: من كان في المجلس مع مروان، الفيء لله عز وجل ولرسوله، مما أفاء الله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى، ولىتامى. فقال مروان: إنما الفيء لمعاوية، هو الذي يتصرف فيه. فخرج الحارث بن مالك من مجلس مروان، فوجد سعد بن أبي وقاص، فأخبره بذلك. فدخل سعد على مروان وأغلظ له بالقول؛ لأنه ذكر له أن هذا من الفيء مما أفاء الله عز وجل لله ولرسوله ولمن ذكرهم الله عز وجل في الآية، فكيف يجعله لمعاوية؟ فأغلظ له بالقول. فبحث مروان عمن أخبر سعدا، فقال له: الحارث بن مالك. فجاء لأجل أن يجلده. فلما أراد أن يجلده، قيل عليه أو قيل: استأذن عليه حكيم بن حزام، فقال: ابعدوه وأخرجوه؛ لئلا يغضب الشيخ الآخر -أي قد أغضب سعد بن أبي وقاص- وسيغضب حكيم بن حزام أيضا. قال الحارث بن مالك: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تغزى مكة بعدها أبدا». قال: قال لنا محمد -حدثنا يزيد بن هارون بن خالد الواسطي- قال: أخبرنا زكريا عن عامر، وهو الشعبي، عن الحارث بن مالك بن برصاء، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم فتح مكة: «لا تغزى هذه بعدها أبدا إلى يوم القيامة». قال: هذا حديث صحيح، وهو من الأحاديث التي ألزمت دار قطن البخارية ومسلمة أن يخرجاها. قال: والحديث رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو حديث زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي، لا نعرفه إلا من حديثه. وأخرجه الفاكهي. يعني يقول الترمذي: إن زكريا بن أبي زائدة تفرد بهذا الحديث، لم يروه إلا زكريا. وزكريا حافظ متقن. ومعنى الحديث قوله: «لا تغزى هذه بعدها أبدا». إن كان المراد به النهي -إن كان المراد النهي عن الغزو- هذه الكعبة، فهذا واضح. وإن كان المراد به الإخبار، وهو الظاهر في الحديث، فيحمل على أنه لا يغزوها أحد من الكفار. أنه لا يسمى غزوة إلا إذا غزاها أحد من الكفار. هكذا فسرها بعض الشراح. فقوله: «لا تغزى هذه بعدها أبدا إلى يوم القيامة»، أي لا يغزوها أحد من الكفار بعد أن فتحت -أي مكة- لا يستطيع أحدا أن يغزوها. وإن كان المراد العموم، فقد غزوها -معنى ذلك- من بعض المسلمين. لكن الذين مثلا حصل منهم شيء من هذا، ما أرادوا الكعبة، بل كانوا ممن يعظم الكعبة. أنا حصل في وقت يزيد بن معاوية في الحرة أنها ضربت الكعبة بالمنجنيق، لكن ما كانوا يقصدون أن يضربوا الكعبة، وإنما أرادوا أن يضربوا أهل مكة؛ لأنهم كانوا مع ابن الزبير. فوقعت الحجارة من المنجنيق -معناها آلة ترفع الحجارة وترميها إلى مكان بعيد- فوقعت الحجارة في الكعبة. وما كانوا يريدون ذلك، لكن هذا معنى انتهاك حرمة مكة والمدينة. وكذلك أيضا حصلت في عهد الحجاج لما حصل أيضا بينه وبين ابن الزبير في عهد عبد الملك بن مروان أيضا ضربت الكعبة، لكن كما قلنا أن هذا ليس غزو لها؛ لأن هؤلاء من أهل الإسلام، وما كانوا يريدون تخريب الكعبة وغزوها، وإنما كانت حصلت الحروب بين المسلمين، فأراد كل واحد منهم أن يخرج من كان في مكة وتكون له مكة. فلهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي شريح الكعبي لما أراد عبد الله بن زياد أن يرسل جيشا إلى الكعبة، قال: «يا أيها الأمير، إني أردت أن أخبرك بكلام سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه لا يحل لأحد بعدي أن يدخل هذه الكعبة، وإن الله عز وجل أحلها لي ساعة من نهار، أحلها لي ساعة من نهار». وقال عبد الله بن زياد لأبي شريح: وهل يا أبا شريح الكعبة تعيد فاررا بدم -أي هذا الكلام الذي تأتي به- هل أنا أترك من كان قتل وكذا ويجلس في وسط الكعبة؟ أنا لا أفعل. فكما قلنا أن الصحابة رضي الله عنهم نصحوا في هذا الباب، نصح عبد الله بن زياد، ونصح كذلك غيره. ودخل عائذ بن عمرو إلى بعض الأمراء كذلك وأخبره، فقال: «إنما أنت من فتاكة أصحاب رسول الله». قال: وهل فيهم من فتاكة؟ إنما الفتاكة في غيرهم، وفي من ليس منهم -أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيهم فتاكة- وليس فيهم أيضا غدر، وليس فيهم من هذه الأشياء التي ينسبها إليهم بعض الناس للبدع. بل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد رضي الله عز وجل عنهم. ولهذا قال عائذ بن عمرو: قال له: «إنما الفتاكة في غيرهم، وفي من ليس منهم». فخلاصة هذا الحديث أنه يقال: إن كان المراد به النهي عن غزو الكعبة فهذا واضح. لكن ظاهر الحديث أنه إخبار أن هذه الكعبة لا تغزى أبدا إلى يوم القيامة. فإن كان إخبارا، فالمراد إما أن المراد لا تغزى من قبل الكفار، أو أن المراد لا أحد يقصدها بالغزو مثل ما قصدها قبل الإسلام أبرهة وغيره، لا أحد يقصدها بالغزو. فهذا معنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم.