الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 285، ألقاها
يبدأ الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى بشرح حديث للإمام أحمد عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، مشيرًا إلى أهمية الإسناد في الدين.
يشرح المقطع حديث ابن سيرين عن رؤية قتادة لشهاب ثاقب ونهي النبي عن اتباع الشهاب ببصره، ويبين معنى النهي وأصله الشرعي.
يناقش المقطع حقيقة الشهاب الذي يرى في السماء، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتباعه ببصر، ويشير إلى أهمية دور الإمام أحمد في حفظ الحديث النبوي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد بن هارون، وهو أبو خالد الواسطي، حافظ من حفاظ أهل العراق، فهو من أهل واسط. واسط، كما قلنا، بين الكوفة والبصرة، بناها الحجاج بن يوسف. ويزيد هو من حفاظهم، كانت له حلقة في مسجد الجامع الذي في واسط. وقال: ما كانت هناك حلقة إلا ليزيد بن هارون، وكذلك لعلي بن عاصم الواسطي. قال: حدثنا هشام، وهو هشام عن محمد. قرأت: هشام عن محمد، فهو هشام بن حسان الكردوسي. وإذا رأيت هشام عن عروة، فهو هشام العروة. وإذا رأيت هشام عن قتادة، فهو هشام بن أبي عبد الله دستواي. وإذا رأيت هشام عن يحيى بن أبي كثير، فهو هشام بن أبي عبد الله دستواي. وإذا رأيت هشام عن مطرول، فهو هشام بن الغاز. فهؤلاء الذين اشتهروا بهذا الاسم، اسم هشام. وبهذا يعلم العلماء من الذي في هذا الإسناد. هذا مثل قواعد بالاستمرار يعرفونها. فالذي يروي عن محمد بن سيرين هو هشام بن حسان القردوسي، لأنه كان مولى له، مولى لآل سيرين. لهذا كان محمد بن سيرين يقول: هشام منا آل البيت. وهشام ثقة، لا بأس به، لكنه ليس مثل أيوب، ولا يونس، ولا كذلك ابن عون. هؤلاء أئمة البصرة وحفاظهم. وهشام أكثر ما يتثبت في حديث محمد بن سيرين، أو في حديث حفصة. وأما في حديث غيرهم، فغالبا يخطأ. وقد قال بعض أصحاب الحسن: وظهر أنه أيوب أو غيره، قال: ما رأيته شاملا عند الحسن، وهو يروي عن الحسن، لكن يروي أكثر شيء ليست أحاديث مسندا، وإنما أقوالا وفتاوى عن الحسن. قال هشام عن محمد، وهو بن سيرين، أبو بكر البصري، إمام من أئمة المسلمين، وعالم العلماء. وهو الذي كان يقول رحمه الله: لما حدثت الفتنة، قلنا لهم: سموا رجالكم، ولنسمي رجالا، حتى يعلم أهل السنة فيأخذ منهم، ويعلم أهل البدعة فلا يأخذ منهم. وجاء أيضا عنه ذكر الإمام مسلم أيضا في مقدمة كتابه: أنه كان يقول: الإسناد من الدين، الإسناد من الدين، أي من دين الله عز وجل. والإسناد هو خاصية من خصائص هذه الأمة، الإسناد هو خاصية من خصائص هذه الأمة. ليس في الأمم السابقة إسناد، إلا في هذه الأمة. حتى بني إسرائيل ما عندهم أسانيد، ما عندهم أسانيد. إنما أشياء يتناقلونها بينهم البين، أسانيدها مجهولة. حتى هذه الحكايات التي تذكر عن بني إسرائيل ليست لها أسانيد صحيحة، وإنما فقط شيء يتناقلونه بينهم البين. لكن قد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث الإنسان عنه، وحدثه عن بني إسرائيل ولا حرج، كما أخرجه البخاري في حديث عبد الله بن عمر. قال محمد بن سيرين رحمه الله: كنا مع قتادة على ظهر بيتنا -على بيت آل سيرين- وآل سيرين هم سيرين هذا مولى لأنس بن مالك، مولى لأنس بن مالك. قال: كنا مع قتادة على ظهر بيتنا، فرأى كوكبا انقض. ومعنى مولى: لما نقول مولى، معنى أنه أعتقه، ثم صار مولا له، أي معاونا له أو قادما له. قال رحمه الله -أي ابن سيرين-: قال: كنا مع قتادة على ظهر بيتنا، فرأى كوكبا انقض. انقض: معنى خرج. وشهاب: هذا الكوكب هو الشهاب، شهاب ثاقب، كما ذكر الله عز وجل. فقال قتادة: إنا قد نهينا أن نتبعه بأبصارنا. قال أبو قتادة: إنا قد نهينا أن نتبع أبصارنا. وقوله: نهينا، هذه الصيغة من الصيغة التي يحتمل فيها الرفع. يقال: إن الحديث مرفوع حكما، لأن الغالب الذي ينهى ويأمر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فغالبا الصحابة إذا قالوا: أمرنا أو نهينا، فيقصدون به نبي الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن تكون هناك قرينة تدل على أن الأمر والناهي ليس رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فالأصل أن الأمر والناهي هو رسول الله، ليس هناك من يأمر ولا ينهى إلا هو، لأن أمره دين ونهيه أيضا كذلك، اجتنابه دين. فلهذا فهم يطلقون الأمر والنهي على أمر رسول الله ونهيه. فإذا هناك قرينة تدل على أن هذا النهي إنما كان في عهد أحد الخلفاء -أبي بكر، عمر- مثلا، يقول كنا -مثلا- لو قال الصحابي: كنا نؤمر أيام الردة، فسيعلم هذا أن الآمر من هو، أبو بكر. وإذا قال مثلا: كنا نهينا -في مثلا- في يذكر شيئا اشتهر في عهد عمر رضي الله عنه -مثلا- ذكر الديوان أو غيرها من هذه الأمور. فإذا كانت هناك قرينة تدل على أن المراد به الآمر والناهي غير النبي صلى الله عليه وسلم، أو القرينة هذه تدل على أنه ليس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يقال: إنه ليس مرفوعا. وإلا فالأصل أنه مرفوع. فقال أبو قتادة: إنا قد نهينا أن نتبع أبصارنا، أي أن نتبع هذا الشهاب. والشهاب هذا الثاقب الذي ذكره الله عز وجل هو من النجوم، ومن الكواكب الذي جعلها الله عز وجل زينة للسماء، وأيضا هداية للناس، ورجوما للشياطين، كما قال قتادة رضي الله عنه، كما ذكره البخاري، علقه البخاري في صحيحه. قال قتادة: جعل الله عز وجل هذه النجوم لثلاثة أشياء: زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجوما للشياطين. فمن استخدمها لغير ذلك، فقد ضاع حظه. وكما قال رحمه الله: فالثلاثة هذه الأشياء التي في القرآن هي التي ذكرها الله عز وجل في استعمال النجوم التي جاء في القرآن، هذه الثلاثة الأشياء: أنه زينة للسماء، وأيضا كذلك هداية، علامات يهتدى بها، كما في سورة النحل وغيرها: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾. وكذلك أيضا رجوما للشياطين، رجوما للشياطين، يرجم الله عز وجل بها مسترقوا السمع. وأننا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصد. فجعل الله عز وجل هذه الشهب، وظهرت كثيرا هذه الشهب عند بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، صارت رجوما للشياطين، صارت رجوما للشياطين. وهذا الشهاب هو كوكب ونجم، لا كما يقوله بعض أهل الهيئة قديما: أنهم كانوا يقولون أن هذا الشهاب ليس نجما وليس كوكبا، وإنما هو كتلة نارية، كتلة نارية تتكون في الجو، هكذا يقولون. وهذا كلام يخالف الله عز وجل أنه من النجوم، وأن الله عز وجل جعل تلك النجوم رجوما للشياطين، جعلها الله عز وجل رجوما للشياطين: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين﴾. يرجم الله عز وجل الشياطين مسترقوا السمع، فمن أصابه هذا الشهاب أحرقه. وكما جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، في ذكر الكهان، لما قال بعضهم: قد يقولوا كلمة الحق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك الكلمة يخطفها الجن، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ومسترق السمع هكذا، كأنهم سلسلة على صفوان». فأشار سفيان -أي بعضهم فوق بعض- فهكذا وصفهم سفيان رضي الله عنه، مد أصابعه وبددها. فأي: أنه كل جن فوق الآخر، مسترق ومسترقي السمع. قال: «تلك الكلمة يخطفها الجن، ومسترق السمع هكذا». قال: فإن أصابه الشهاب قتله، وإلا أخذ هذه الكلمة وألقاها إلى من تحته، وألقاها من تحته إلى من تحته، حتى يلقيها على الكاهن أو الساحر، فيقرقرها في أذنه كقرقرة الدجاج. هكذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم طريقة هؤلاء الكهنة والسحرة الذين يخبرون ببعض الغيب. فهذا الحديث فيه مسألة وهي النظر إلى الشهاب. فجاء هنا أنه ينهى. قال أبو قتادة: «إنا قد نهينا أن نتبع أبصارنا» على الشهاب، لا يتبع بالبصر. فأجل على الله أعلم. ذكروا بعضهم أن هناك بعض العلة التي تضعف في البصر، وكذا. فهذا إن صحت فبها، وإن لم تصح فليس اعتمادنا عليها، وإنما اعتمادنا على الحديث. أنا حتى لو قال بعض الأطباء: أن هذا يضر، وهذا كذا. فنحن لا نعتمد على مثل هذه الأشياء، لأن هذه الأشياء ممكن تكون صحيحة، وممكن تكون غير صحيحة. مثل ما يفعل بعضهم: ينزل الآيات ولا حديث على بعض النظريات، بعض النظريات التي غالبا تكون من الكفار، فينزل الآيات عليها. ينزل الآيات عليها، وقد تكون هذه الآية لا تحتمل. بعضهم مثلا يفسر قول الله عز وجل: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾ على أن الأرض تدور. ليس هذا فيه دليل على ذلك. فسرها العلماء -من ابن عباس وغيره- أن هذا يوم القيامة، هذا يكون يوم القيامة، وليس في أمر الدنيا. فلهذا نزلوا أشياء وآيات من كتاب الله، وحديث من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، نزلوها على نظريات قد تكون غير صحيحة، قد تكون غير صحيحة. فلهذا فليس عمدتنا هذا ما ذكره -مثلا- الأطباء وغيرهم، بل عمدتنا هو ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنقول: إننا قد نهينا عن ذلك، أي نهينا أن نتبع أبصارنا بهذا الشهاب، نتتبعه أين يذهب. فهذا قد جاء النهي كما في هذا الحديث. وقد تفرد الإمام أحمد بهذا الحديث، لم يروه إلا هو رحمه الله. طيب إن شاء الله نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.