التعليق على الجواب الكافي 33

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقاب الله للأمم بسبب ترك الإنكار

ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أحاديث وشواهد تبين أن الله يعاقب الناس إذا لم ينكروا المنكرات. وأورد أحاديث وأقوال الصحابة والتابعين في هذا السياق.

تحذير النبي من تغير الأحوال وظهور الفساد

يذكر المقطع أحاديث نبوية تحذر من تغير أحوال الأمة وظهور الفساد فيها. ويبين عقاب من يأمر بالمعروف ولا يأتيه وينهى عن المنكر ويأتيه.

خطورة الاستهانة بالذنوب الصغيرة وخشية السلف منها

يُنبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة الذنوب الصغيرة ويضرب مثلًا بقوم جمعوا عيدانًا لإشعال نار. كما يُوضح أن الصحابة كانوا يعظمون حتى الأمور الصغيرة خشية أن تؤدي إلى الحرام.

الفرق بين خوف السلف والخلف وأهمية الجمع بينهما مع العمل

يُشير المقطع إلى أن الصحابة كانوا يمتازون بالخوف العظيم مع العمل. ويُشدد على أهمية الجمع بين الخوف والعمل كما كان يفعل السلف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فقد ذكرنا في كلام الإمام ابن القيم رحمه الله، في ذكر الأحاديث والشواهد في أن الله عز وجل يعاقب الناس إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا لم ينكروا المنكرات عاقبهم الله. قال بعدما ذكر حديث أبي بكر الصديق عند قول: «إنكم تتلون هذه الآية وإنكم تضعونها على غير موضعها: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾»، وذكر أبو بكر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده». قال وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، وابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قُفيت الخطيئة لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة». لكن هذا الأثر ذكره ابن أبي الدنيا في العقوبات وغيره، وهو من طريق رجل قال له مروان بن سالم الغفاري، وقد كذبه العلماء، فالحديث لا يصح. قال وذكر الإمام محمد بن عمر بن الخطاب قال: «تُسلك القرى أن تخرب وهي عامرة»، قيل: كيف تخرب وهي عامرة؟ قال: «إذا غلب فجارها أبرارها، وساد القبيلة منافقوها». وهذا الأثر ذُكر عند أحمد في الزهد أو في الورع، ليس في المسند، وذكره الإمام ابن أبي الدنيا في العقوبات بسند صحيح، لكن إلى خالد بن معدان، أبو المنازل، عن عمر، وخالد لم يدرك عمر فهو مقطوع، لكن معناه صحيح، تؤيده الأدلة. وقد جاء عن أحمد أن من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، ورواه بعضهم موقوفًا، وبعضهم مرفوعًا، عن عطاء بن السائب، عن نبيه، عن عبد الله بن عمر، فهو صحيح، إلا أن بعضهم أوقفه على عبد الله بن عمر، وفيه الشاهد أنه قال: «ضعف ضيف من بني إسرائيل رجل من بني إسرائيل، أنه جاء يريد ضيفًا عند رجل من بني إسرائيل، وكان هذا الرجل صاحب البيت عنده كلبة مجح، فحملت، فقالت هذه الكلبة: والله لا أنبح أضيافي هذه الليلة»، أي من كرمها أنها قالت: «لا أنبح أضيافي هذه الليلة»، لا أزعجهم بصوتي، لأن الكلبة وغيرها إذا كان وقت ولادتها لا شك أنها ستتألم، لكن قالت: «والله لا أنبح أضيافي هذه الليلة»، قال: «فصاح الجراء في بطنها»، معنى الذين في بطنها صغارها، صاحوا وأسمعوا الضيف. فأوحى الله عز وجل إلى نبي ذلك الزمان أن هذا مثل ضربه الله عز وجل على أمة ستأتي بعده، يقهر علماؤها سفهاؤها، يقهر علماؤها يغلبهم السفهاء، يغلبونهم بالطيش، فتجد الولاية للسفهاء، وأيضًا أهل الخير ليس لهم ولاية، وهم ساكتون، فيسود القبيلة منافقها، كما قال في هذا الأثر: «وإذا غلب فجارها أبرارها»، فهو أيضًا شاهد لهذا، أي أنه سيحصل هذا، وهو واقع، أن تجد السفيه هو الذي يتولى أمر القوم، والخلماء والأبرار يؤخرون، ولا أيضًا لهم أثر في الناس، فتجد الفجار هم الذين يسيدون الناس ويتقدمونهم. قال وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم -حسان ثقة شامي- قال: «سيظهر شرار أمتي على خيارها، حتى يستخفى المؤمن فيهم كما يستخفى المنافق فينا اليوم». وهذا معضل. قال وذكر ابن أبي الدنيا بالحديث ابن عباس يرفعه قال: «يأتي زمان يدوب فيه قلب المؤمن كما يدوب الملح في الماء»، قيل: مما ذاك يا رسول الله؟ قال: «مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره». هذا ذكره أيضًا ابن أبي الدنيا في العقوبات عن ابن عباس، وإسناده فيه ضعف، لأنه من طريق سويد بن فائد، والسويد يخلط، يأتي بالأوهام، يأتي بالمكروهات. لكن الحديث جاء له أصل، أخرجه القبراني، لكنه من طريق عطاء الخرساني، أنه أتى بهذا الكلام: «يأتي زمان يدوب فيه قلب المؤمن»، مرسلًا، وهو صحيح معنى، من ناحية الواقع صحيح. قال وذكر الإمام أحمد من حديث جرير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز ممن يعملها لم يغيروها، إلا عمهم الله بعقاب». هو أيضًا هذا الحديث فيه ضعف، لكن له شواهد، صححه الشيخ الألباني رحمه الله عليه. قال في صحيح البخاري عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: بلى، إني كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». وهذا كما قال بعض السلف: هو من أعظم الأحاديث على العلماء، لأن هذا الرجل أو ما من أحد إلا وهو يأمر بالمعروف، وقد لا يأتيه، وينهى عن المنكر وقد يأتيه، يحصل هذا، لكن النية لها دور، والصدق له دور، إن كان الرجل صادقًا وحصل منه الهفوة أو الهفوات، فإنه ليس كذلك، لكن الذي ليس عنده صدق أصلًا، يأمر الناس بالتقى وهو أبعد الناس عن تقوى الله جل وعلا. قال وذكر الإمام أحمد عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يُغشى منزله الرجال والنساء فيعظهم ويذكرهم بأيام الله، فرأى بعض بنيه يومًا يغمز النساء، فقال: «مهلًا يا ابني، مهلًا يا ابني»، لم يزجره زجرًا بفعله هذا. قال: «فسقط من سريره فانقطع عرقوب»، سقط من سريره، أي هذا الشيخ الذي كان أو الحبر، لأنه لم يغضب في الله عز وجل، فقال لابنه: «مهلًا يا ابني»، لكن هذا فيه شيء من المبالغة أو من الغلو في هذا الباب، وأيضًا ليس فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو أثر عن حبر من أحبار بني إسرائيل، أي من الإسرائيليات. قال: «فسقط من سريره فانقطع عرقوب امرأته، وقتل بنوه»، فأوحى الله إلى نبيهم أن أخبر فلانًا الحبر: «إني لا أخرج من صلبك صديقًا أبدًا، ما كان غضبك لي إلا أن قلت: مهلًا يا ابني». قال وذكر الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنهم». وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلًا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، يريدون الطعام، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا وأججوا نارًا، وأنضجوا ما قدفوا فيها. على أن الذنوب إذا تجمعت على العبد أهلكته، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحقرات الذنوب». وحديث عبد الله بن مسعود فيه عن عيينة بن سحاق وغيره، لكن الحديث صحيح، قد جاء عن جماعة من الصحابة، وصححه حديث سهل بن سعد، من طريق أنس بن عياض، عن نبيح العنزي، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، وخرجه الإمام أحمد وغيره، فالحديث لا شك في صحته، وفيه تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من محقرات الذنوب، والمراد بمحقرات الذنوب: أي الصغيرة التي يحتقرها العبد، لا يبالي بها، يفعلها ولا يبالي بها، فيقول: هذه صغيرة، فتجتمع عليه تهلكه. ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا بقوم نزلوا في أرض فلاة، يريدون أن يصنعوا لهم طعامًا، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والشاهد أنه لما تجمعت العيدان هذه ولدت النار وتوقدت النار، فكذلك اجتماع هذه المحقرات أيضًا يجمع الخراب في قلب العبد، ويكون هذا أيضًا هلاكًا له. قالوا في صحيح البخاري: أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، وإن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات». وهذا الفرق الذي بيننا وبين أصحاب رسول الله، بين السلف، أنهم كانوا يعظمون الذنب ويعظمون الأمور، حتى أنهم تجد أن أشياء قد يكون حلال لكنها فيها شيء يؤدي للحرام، تجد أنهم يجتنبون ويتعاظمون بها. قال: «إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر»، هنا لا شيء، كأنهم يستهينون هذه الأعمال، يرون أنها ليست معاص أو ليست مخالفات، قال أنس: «وإن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات». وجاء ذلك أيضًا مثله عن أبي الدرداء، صح عنه أيضًا مثل قول أنس، وهذا يدل على كما قلنا الفرق بين السلف وبين الخلف، والصحابة رضي الله عنهم كانوا عندهم خوف عظيم مع العمل، كما قال الحسن: «كان السلف يجمعون بين الخوف والعمل»، وجمعنا بين الإساءة والرجاء، على سوء عمل، ليس هناك عمل، وأيضًا نرجو المغفرة ونرجو ونرجو، فلهذا صغرت المعاصي والمخالفات في أعيننا. إن شاء الله تعالى نقتدي بهذا ونكمل في الدرس اللاحق، وإياكم الله خير.