الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 325، ألقاها
يروي جابر بن عبد الله قصة رحلته للشام لسماع حديث من عبد الله بن أنيس، مما يبرز حرصه الشديد على العلم وسماع أحاديث النبي. كما يشير إلى بعض الآثار الضعيفة المتعلقة بمسح المرأة رأس الصبي.
يستدل من قصة جابر بن عبد الله وعبد الله بن أنيس على جواز التعانق بين المسلمين عند اللقاء بعد سفر أو غياب، وكان السلف يفعلون ذلك. كما يتطرق الحديث إلى بعض أحاديث النبي المتعلقة بيوم القيامة.
يشرح الحديث كيفية القصاص يوم القيامة بين المظلومين والظالمين، حيث يؤخذ من حسنات الظالم مقابل مظالمه، فإن لم تكفِ حسناته أخذ من سيئات المظلومين وحملت على الظالم. يحذر الحديث من خطورة الظلم ويؤكد أهمية التحلل منه في الدنيا.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأذب المفرد، باب مسح المرأة رأس الصبي: حدثنا عبد الله من أبي الأسود، قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق الثقفي، قال حدثني أبي، وكان لعبد الله من الزبير، كان لعبد الله من الزبير يعني مملوكا، فأخذه الحجاج منه، قال: كان عبد الله من الزبير بعثني إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأخبرها بما يعاملهم الحجاج، وتدعو لي وتمسح رأسي وأنا يومئذ وصيف، وصيف يعني دون سن البلوغ. وهذا الأثر ضعيف؛ فإبراهيم بن مرزوق وأبوه مجهولان. وتويب الإمام البخاري رحمه الله باب مسح المرأة رأس الصبي، أراد أن يسدل بهذا الأثر على جواز ذلك، أن يجوز للمرأة أن تمسح رأس الصبي، والصبي هو من كان دون البلوغ، فيجوز للمرأة أن تمسح رأس الصبي من باب الرحمة والشفقة. قال: باب المعانقة، حدثنا موسى، قال حدثنا همام عن القاسم بن عبد الواحد عن ابن عقيل، أن جابر بن عبد الله حدثه أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فابتعت بعيرا، ابتعت يعني اشتريت، البيع يطلق ويراد به أصل البيع، ويطلق ويراد به الشراء، قال: فشددت إليه رحلي شهرا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أن جابرا بالباب، فرجع الرسول، فقال: جابر بن عبد الله، فقلت: نعم، فخرج فاعتنقني. قلت: حديث بلغني لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت. قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الله العباد أو الناس عراة غرلا بهما». قلت: ما بهما؟ قال: من ليس معهم شيء. فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، أحسبه قال: كما يسمعه من قرب: «أنا الملك، أنا الملك». لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة. قلت: وكيف وإنما نأتي الله عراة بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات. هذا الحديث وهو يجتمل على عدة أحاديث، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وقد ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه تعليقا، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده. وهذا الأثر في أن جابر بن عبد الله بن حرام رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، بلغه حديث عند رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهو عبد الله بن أنيس، فاشترى بعيرا حتى يركبه ويرحل إليه، ثم رحل شهرا حتى قدم الشام ووصل إلى عبد الله بن أنيس. وهذا فيه حرص جابر رضي الله عنه على العلم وسماعه لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. رحل شهرا كاملا، وليست الرحلة في ذاك الزمن كالرحلة في هذه الأزمان، الواحد ربما يرحل في سيارة فاخرة أو في طائرة في ساعات ويصل إلى البلد البعيد. كانوا يرحلون بالرواحل، بالإبل، بالإبل التي تمشي مشيا هوينا، ويقطعون الأيام وربما أشهرا حتى يصل إلى المكان الذي يريد. فجابر هنا رحل شهرا على الراحلة حتى وصل إلى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه، ماذا يريد منه؟ أن يسمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حديثا بلغني لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت، يعني خشيت أن أموت قبلك ولم أسمع هذا الحديث، فيفوتني شيء من العلم، أو أنت تموت قبلي ولم أسمع هذا الحديث، فأحرم هذا العلم. وهذا لا شك أنه حرص عظيم منه رضي الله تعالى عنه على العلم وسماع حديث النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم وطالب العلم على وجه الخصوص، عنده حرص على العلم في تحصيله، في سماعه، في حفظه، في فهمه، وهكذا أيضا العمل به. قال: فلما جاء جابر إلى عبد الله بن أنيس ودق عليه الباب، فرجع الرسول وأخبره أن جابرا بالباب، قال جابر: من عبد الله -يعني الصحابي من حرام- قال: نعم، فخرج فاعتنقني، أي اعتنق عبد الله بن أنيس جابر بن عبد الله. وهذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث، الأثر في هذا الباب، باب المعانقة، أنه يجوز التعانق، معانقة الأخ لأخيه، هذا مما يستحب إذا كان قادما من سفر، إذا كان قادما من سفر وغاب ثلاثة أيام فما فوق، فإنه يستحب أن يعانقه. قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الله العباد أو الناس عراة غرلا بهما». عراة يعني لا ثياب عليهم، ليس عليهم شيء من الثياب، وغرلا أي غير مختونين كما خلقهم الله. وبهما قال: ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، يعني ليس معهم شيء من أمور الدنيا. يحشرون عراة غرلا، ولهذا في حديث عائشة لما حدث النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، قالت رضي الله عنها: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة، إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك»، يعني الموقف عظيم، ما ينظر الرجل إلى المرأة ولا يفكر أن ينظر فيها، ينظر إلى مآله وإلى نهايته وإلى مصيره، هل إلى الجنة أو إلى النار؟ فلا يتفكر في مثل هذا الأمر. قال: فيناديهم بصوت، وهذا فيه إثبات الحشر، وأن الناس يحشرون يوم القيامة ويبعثون من قبورهم كما أخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾، الأجداث أي القبور. قال: فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، أحسبه قال: كما يسمعه من قرب: «أنا الملك»، وهذا فيه إثبات الكلام لله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا متصف بصفة الكلام، يتكلم جل وعلا متى شاء وبما شاء، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. والنداء هو نوع من أنواع الكلام، النداء نوع من أنواع الكلام. وكذلك أيضا فيه أن كلام الله كلام حقيقي بصوت، كلام حقيقي بصوت وحرف، لا كما يقول الأشاعرة والمعتزلة أن كلام الله كلام نفسي، ليس له صوت ولا حرف، مجرد عن الصوت والحرف. قال: فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، قال: كما يسمعه من قرب. ولا يمكن سماع إلا ما كان -يعني من الكلام- ما كان له صوت وحرف. قال: «أنا الملك»، والملك من أسماء الله سبحانه وتعالى، وهو جل وعلا المتسمي بالملك والمتصف بصفة الملك، وهو مالك كل شيء جل وعلا، لله ملك السماوات والأرض. قال: «لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة» إلى آخر الحديث، أي أنه لا يدخل أحد الجنة وهو من أهلها، أو أحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، إلا بعد أن يحصل القصاص بين الخلق، القصاص بين الخلق قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة وقبل أن يدخل أهل النار النار، يقتص لهم مما من أهل النار من أهل النار. فلما أخبر بذلك، قال: وكيف؟ كيف يحصل المقاصة في ذلك الموضع وليس معهم شيء؟ يحشرون وهم عراة بهما، ليس معهم شيء. قال: بالحسنات والسيئات، يعني تكون المقاصة يوم القيامة بالحسنات والسيئات. في الدنيا تكون برد الحقوق من أموال ونحوها، لكن في الآخرة ما في أموال. يحشر الظالم وما عنده شيء من المال، الملايين التي جمعها في الدنيا يتركها، ما تحشر معه ولا تبعث معه، يأتي صف كما خلقه الله سبحانه وتعالى. يأتي المظلومون يطالبونه بحقوقهم، هذا يقول: أخطأ علي أرض، وهذا يقول: أخطأ علي مال، وهذا يقول: كذا، وهذا يقول: كذا، كل واحد يريد حقه. هنا تكون المقاصة بالحسنات والسيئات، يأخذون من حسناته مقابل ما ظلمهم به من المظالم. طيب لم تكفي الحسنات؟ أخذ سيئاتهم، حمل عنهم سيئات، تحمل عنهم سيئاتهم، يقابل هذه المظالم التي أخذها بأخذ سيئاتهم. كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون من المفلس؟» قال: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: «ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته». هنا بداية القصاص بالحسنات، يأخذون حسنات هذا الظالم حتى إذا فنيت حسناته، انتهت الحسنات، قال: أخذ من سيئاتهم فحملت عليه، ثم طرح في النار. فهذا يجعل المسلم حذرا من الظلم، ويحذر من الظلم، ويبتعد عن ظلم الناس. ومن وقع في شيء من ذلك يتحلل منه اليوم، يتحلل منه اليوم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كانت له مظلمة لأخيه في عرضه أو في شيء، فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم»، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات. في الدنيا يستطيع الإنسان أن يتحلل من المظلمة، يأتي إلى من ظلمه ويطلب منه العفو والسماح، ويرجع له ماله الذي أخذه وظلمه فيه، ويعفو عنه ويسلم بحمد الله. لكن إذا أصر على الظلم واستمر عليه حتى مات ولقي الله على ذلك، جاء المظلومون يوم القيامة وطالبوه بحقوقهم، وحينئذ يكون ذلك سببا في خسارته وهلاكه. والشاهد من هذا الحديث كما سمعنا، وهذا الأثر ما حصل بين جابر بن عبد الله وعبد الله بن أنيس من معانقة كل واحد منهما للآخر، فدل ذلك على جواز مثل ذلك إذا التقى المسلم بأخيه وكان غائبا أو مسافرا، فإنه يجوز ويستحب أن يعانقه، هكذا كان يفعل السلف رضوان الله تعالى عليهم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.