الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 356، ألقاها
يتضمن هذا الفصل مناقشة حول رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم، وتحليل مضمونها الداعي إلى الإسلام، مع التركيز على أساليب الترغيب والترهيب المستخدمة.
يتناول هذا الفصل كيفية التعامل مع تحية اليهود والنصارى، حيث يشرح كيفية الرد على تحيتهم إذا كانت تحية سيئة، مثل قولهم "السام عليكم".
يركز هذا الفصل على كيفية الرد على اليهود عند السلام، سواء قالوا "السام عليكم" أو "السلام عليكم"، مع الإشارة إلى آراء أهل العلم المختلفة في هذا الشأن.
يناقش هذا الفصل كيفية الرد على من يسلم بغير صراحة أو يخفى سلامه، مع التركيز على آراء أهل العلم التي ترجح الرد بقول "وعليكم".
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا بالأمس عند حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فيما أخبره به أبو سفيان، حين أرسل إليه هرقل، ثم دعا بكتاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم مع دحية الكلبي، وفيه الابتداء بقول: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. ثم تلا قول الله: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأننا مسلمون﴾. ذكرنا أن في هذا الكتاب دليل على جواز كتابة البسملة فيما يكتبه المسلم إلى الكفار، فإنه يجوز أن يذكر البسملة في كتابه، ثم يبدأ بنفسه في إرسال أو ذكر إرسال الرسالة أنها منه إلى فلان، من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل. نعم، ثم يسلم سلاماً مقيداً: سلامٌ على من اتبع الهدى، سلامٌ على من اتبع الحق، ونحو ذلك من السلام المقيد. نعم، فقول: ثم قال أسلم تسلم، بعد قوله أدعوك بدعاية الإسلام، قلنا: والمراد بها الشهادة، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وقوله: أسلم تسلم، هذه الجملة قليلة المباني، كثيرة المعاني. أسلم أي أدخل في الإسلام، وكن مسلماً، فإنك إن أسلمت تسلم، تسلم في الدنيا من القتل، ومن أخذ المال، وهكذا أيضًا غيرها من الشرور التي تحصل لغير المسلم. كذلك تسلم في الآخرة من العذاب، ودخول النار، والخلود فيها، فيحصل لك بالإسلام خير الدنيا والآخرة، والسلام في الدنيا والآخرة. أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، يعني إن أسلمت لك أجران، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ثلاثة لهم أجران، وذكر منهم رجل آمن بنبيه، وآمن بي، فله أجران. قال: فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، والمراد بالأريسيين أي من تحت يده من الرعية، من تحت يده من الرعية، من العمال والزراع، ونحوهم، وغيرهم، فإنه إذا تولى وأبى أن يسلم، فإن من تحت يده سيكون على ملته ودينه الذي هو عليه، وسيكون هو السبب في بقائهم في كفرهم، وحينئذ فإنه يتحمل إثمهم، لكونه سبباً في منعهم من الإسلام، وذلك لأنه إن أسلم وهو كبيرهم وعظيمهم، لا شك أنهم سيسلمون بعده، ويتأثرون به، فهذا غالب حال الضعفاء، فإنهم يتبعون كبيرهم ورئيسهم. فلذلك إن تولى وأبى أن يسلم، فإنه يتحمل إثم من كان تحته. والنبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يحرص على إسلام كبار القوم، من رؤساء القبائل ونحوهم، رجاء أن يسلم من تحت أيديهم، رجاء أن يسلم من تحت أيديهم، لأن لهم تأثير عليهم. فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يحرص على إسلامهم حتى يسلم من تحتهم. وقوله عليه الصلاة والسلام: «يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين»، هذا فيه الجمع في الدعوة بين الترغيب والترهيب، بين الترغيب والترهيب. فقوله: أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، هذا ترغيب، وقوله: فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، هذا ترهيب. وهذا منهج رباني، أن يحرص الداعية في دعوته على الترغيب والترهيب، يأتي بما يرغب به القوم والناس الذين يدعوهم، وكذلك يأتي لهم بما يرهبهم ويخوفهم، فيجمع بين الترغيب والترهيب. وهذا كثير في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. والله جل وعلا في آيات كثيرة يذكر ما لأهل الجنة من النعيم، ثم يذكر في مقابل ذلك ما لأهل النار من الجحيم ومن النكال والعذاب. وهكذا يذكر ما لأهل الطاعة من الفضل والأجر، ويذكر ما لأهل المعصية من الوزر والإثم، وهكذا غير ذلك كثير. ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله جل وعلا: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله﴾، الدعوة إلى التوحيد، وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وجعل الربوبية والألوهية خاصةً بالله جل وعلا، ولا يتخذ أحداً من الخلق رباً، ولا يجعل في منزلة الرب جل وعلا. فإن وافقوا على ذلك فهذا هو المطلوب والمقصود، فإنهم إن آمنوا بذلك دخلوا في الإسلام، وإن تولوا فقولوا: «اشهدوا بأننا مسلمون»، نحن على إسلامنا وإيماننا، غير متبعين لكم. هذا الكتاب الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، والإمام البخاري رحمه الله بوَّب عليه باب: كيف يكتب إلى أهل الكتاب؟ وتبين أنه إن كتب المسلم إلى أهل الكتاب، فإنه يجوز أن يذكر في الكتاب البسملة، يجوز أن يذكر فيها البسملة، ويجوز أن يذكر شيء من الآيات، يجوز أن يذكر شيء من الآيات، آيات القرآن كما في هذا الكتاب. ونهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو، هذا إذا كان المصحف كاملاً، أما ذكر شيء من الآيات في رسالة أو كتاب فهذا جائز. وفيه أيضًا أهمية الكتاب والكتابة، فإن لها تأثيرًا، ولها كذلك أيضًا نتائج حسنة. فكتابة الرسالة إلى شخصٍ معين باسمه، ليس كالرسالة العامة، ليس كالرسالة العامة، فإنك إن كتبت إلى شخص كتابًا باسمه، ترحب به وتتلطف معه في العبارة، وتحسن إليه في الخطاب، لا شك أن هذا له تأثير، لا شك أن له تأثير في هذا المخاطب، وربما كانت سبب في تغير حاله، وكذلك تغير أفعاله. فلذلك ينبغي على المسلم أن يستعمل هذه الطريقة في الدعوة إلى الله جل وعلا إن احتاج إليها، إن احتاج إليها، مثلًا عرف أن فلان من الناس ممن يعرفه، وكان على خير وعلى صلاح، تغير حاله، وحصل له شيء من انتكاسة، فتكتب له كتابًا ورسالة، تذكر له بما كان عليه من حاله الأول، وأن ذلك أفضل، وتحذره مما وقع فيه من معصية، من ذنب، فربما يكون لها تأثيرًا كبيرًا عليه، يقرأها بتمعُن، ويتذبَّرها، وربما يتحسن حاله، ويرجع عما وقع فيه. قال: لكن إذا كتب المسلم إلى الكافر، لا يسلم عليه، لا يسلم عليه، ما يقول: السلام عليك، لكن يسلم سلامًا مقيدًا. هذا والشاهد من ذكر هذا الحديث، وهذا الكتاب، كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، في هذا الباب، أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سلَّم عليه، قال: سلامٌ على من اتبع الهدى، هذا سلامًا مقيدًا، هذا سلامًا مقيدًا. فيجوز مثل ذلك إذا كتب المسلم إلى الكافر. باب إذا قال أهل الكتاب: السام عليكم. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا مخلد، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: سلَّم ناسٌ من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليكم. قال: وعليكم. قالت عائشة رضي الله عنها: وغضبت. ألم تسمع ما قالوا؟ قال: بلى قد سمعت، فرددت عليهم. قال: «نجاب عليهم، ولا يجابون علينا». هذا الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وبوَّب عليه الإمام البخاري رحمه الله: باب إذا قال أهل الكتاب: السام عليكم، يعني إذا جاء يهودي أو نصراني، فقال: السام عليكم، فكيف تجيبه؟ وكيف ترد عليه؟ والسَّام بمعنى الموت، بمعنى الموت. ذكر حديث جابر رضي الله عنه، أن ناسًا من اليهود سلَّموا على النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: السام عليكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعليكم، يعني سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالتهم، وعرف مرادهم، فرد عليهم بقوله: وعليكم، يعني الموت إن كان واقع علينا، فكذلك واقع عليكم، ولا مفر لكم منه. فهذا قال: وعليكم، في بعض الروايات بغير الواو: عليكم، بدون واو. واختلف العلماء في الأرجح من الروايتين، وحقق بعض أهل العلم، منهم ابن القيم رحمه الله، وكذلك ابن عبد البر في التمهيد، إلى أن الرواية بذكر الواو هي الأصح والأرجح، بل وذكر ابن القيم أن من حيث المعنى كذلك أصح. ذكر الواو في قوله: وعليكم، أصح رواية ودراية، فيكون المعنى: السام عليكم، قال: وعليكم كذلك، يعني عليكم السام، وعليكم الموت، لأن لو قال: السام عليكم، فقال: عليكم، طيب هل معنى هذا أن من سلِّم عليه لن يموت، وليس عليه موت؟ الجواب: لا، بل الموت لا شك أنه واقع، وسيكون. فلذلك من حيث المعنى ذكر الواو أصح، فيكون الجواب: وعليكم. فقالت عائشة رضي الله عنها: وغضبت. ومعنى قالت عائشة: يعني تكلمت بكلام زائد على قول النبي صلى الله عليه وسلم: وعليكم. وجاء في بعض الروايات أنها قالت: عليكم السام واللعنة. وفي بعض الروايات: عليكم السام واللعنة يا أبناء القردة والخنازير. قالت ذلك رضي الله تعالى عنها حميةً، ودفاعًا عن النبي عليه الصلاة والسلام، حين رأت هؤلاء اليهود، وسمعتهم وهم يريدون بذلك سب النبي عليه الصلاة والسلام، وتنقصه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألم تسمع ما قالوا؟» يعني تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أما سمعت ما قالوا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: بلى قد سمعت، فرددت عليهم، يعني بقولي: وعليكم. ثم قال: «نجاب عليهم، ولا يجابون علينا». وفي رواية: «فإنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا». ومعنى ذلك أن الكافر إن دعا ما يقبل دعاءه، لأنه ظالم ومعتدي، والله عز وجل يقول: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾، إذن لا يستجاب دعاؤهم فينا، لكن نحن إن دعونا عليهم يستجاب لنا، يستجاب لنا. فهذا الحديث فيه بيان أن الكافر، يهود أو نصراني، إذا سلَّم على المسلم، فقال: السام عليكم، يرد عليه بقوله: وعليكم، ويكتفى بذلك. وفيه أيضًا الرفق واللين في الدعوة إلى الله جل وعلا، حتى مع الكافر، حتى مع الكافر، لأن عائشة رضي الله عنها لما قالت ما قالت، أنكر عليها النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبرها بأن الله يحب الرفق في الأمر كله. هذا يقوله عليه الصلاة والسلام مع عائشة، مع ما قالته لهؤلاء الكفار، فكيف إذا كان المخاطب مسلمًا؟ لا شك أن الرفق معه أولى، والرفق معه والتلطف معه أولى. والرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. فكذلك أيضًا في معاملة الكافر، فإنه كذلك يعامل بالرفق، إذا كان يعني ذميًا أو معاهدًا، أو نحو ذلك من الكفار الذين يرجى إسلامهم، يرجى إسلامهم. والله عز وجل يقول: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾. فلو أتى بمثل هذه العبارة، يرد عليه بقوله: وعليكم. وكذلك أيضًا في بعض الروايات، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش، ولا التفحش»، يعني لا تعود نفسك أن تتأتي بمثل هذه الكلمات، كلمة اللعن والسب. المسلم يحرص أنه ما يعود لسانه على اللعن، ولو كان اللعن لمن يستحقه، ولو كان اللعن لمن يستحقه، فالكافر يستحق اللعن، ومع ذلك لا يعود المرء لسانه على اللعن، أو كذلك لعن الشيطان. بعض الناس أجده إذا خاطب ابنه أو غضب عليه: لعن الله شيطانك، أو نحو ذلك من هذه العبارات، الأولى أنك ما تقول ذلك، ولا تعود لسانك على اللعن، لا تعود لسانك على السب واللعن. وكذلك فيه بيان رفق النبي عليه الصلاة والسلام، وحلمه، وعظيم عفوه عليه الصلاة والسلام، وحسن تعامله حتى مع الكافر، حتى مع الكافر. والشاهد من هذا الحديث هو أن الكافر الكتابي إذا سلَّم، فقال: السام عليكم، يرد عليه بقوله: وعليكم، بقوله: وعليكم، بقوله: وعليكم. طيب، إن سلَّم سلامًا صريحًا، إذا قال: السلام عليكم، هنا اختلف أهل العلم، منهم من قال: يرد عليه بالسلام، يرد عليه بالسلام، إن سلَّم سلامًا صريحًا، فيرد عليه، فيقال: وعليكم السلام. قالوا: لأن العلة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: وعليكم، هو كونهم يقولون السام، ولا يسلمون سلامًا صريحًا. قالوا: فإذا سلَّم سلامًا صريحًا، فإنه يرد عليه بقوله: وعليكم السلام. واستدل بعض أهل العلم بقول الله جل وعلا: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾. وممن ذهب إلى ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله، في كتاب أحكام أهل، رجح أنه إن صرح وسلم سلامًا صريحًا، أنه يرد عليه بماذا؟ بالسلام. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه وإن صرح بالسلام، فإنه يقال: وعليكم، يقال: وعليكم، أخذًا بظاهر هذا الحديث، وبإرشاد النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، لأنه ربما يأتي بسلام خفي، أو فيه شيء من الخفاء، فلا ينتبه له المسلم، فيرد عليه بالسلام، وهو لم يسلم. فالأولى أنه يرد عليه بقوله: وعليكم. نعم، هذا الذي رجح الإمام القرطبي رحمه الله، وابن عبد البر في التمهيد، وغيرهم من أهل العلم. وذكر القرطبي نحو هذه التوجيه، أنه ربما يسلم سلامًا غير صريح، وأنت تظنه أنه سلم، وربما يسلم تارة، وتارة يقول: السام، فلهذا تجيب في سائر الأحوال بقولك: وعليكم، بقولك: وعليكم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.