الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 388، ألقاها
يشرح هذا الفصل قدوم وفد عبد القيس واستقبالهم من قبل عمر بن الخطاب والنبي صلى الله عليه وسلم. يشير إلى أهمية الترحيب بالضيف واستبشار المسلمين بالأخبار السارة.
يتحدث هذا الفصل عن استقبال النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس بحفاوة وتفاصيل مجالسهم معه، بما في ذلك حديثهم عن طعامهم وتوضيح بعض التفاصيل المتعلقة بذلك.
يتناول هذا الفصل استدلال الإمام البخاري بحديث اتكاء النبي على أحد جانبيه وبسط رجليه في مجلس، مشيرًا إلى جواز هذا الفعل في مجالس العلم والجلوس.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، سيدنا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب: هل يقدم الرجل رجله بين يدي أصحابه، وهل يتكئ بين أيديهم، أي: هل يجوز له أن يمد رجليه وهو جالس مع أصحابه في مجلس، أو كذلك يتكئ بين أيديهم وهم جلوس في هذا المجلس، هل له أن يتكئ على أحد جانبيه؟ فاجتمعت هذه الترجمة على مسألتين: أن يمد الرجل قدميه وهو جالس مع أصحابه، والمسألة الأخرى الاتكاء، أن يتكئ على أحد جانبيه مع جلوسه مع أصحابه. ثم ذكر حديثًا طويلًا فيه ما أراد أن يستشهد به الإمام البخاري رحمه الله من جواز ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن العصري، قال: حدثنا شهاب بن عباد العصري، أن بعض وفد عبد القيس سمعه يذكر، قال: لما بدأنا في وفادتنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سرنا -يعني: عندما أردنا أن نفد على النبي صلى الله عليه وسلم ونأتيه- سرنا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، حتى إذا شارفنا القدوم -يعني: إلى النبي عليه الصلاة والسلام- وقربنا، تلقانا رجل يوضع على قعود له، فسلم. وهذا الرجل هو عمر رضي الله عنه، كما في مسند أبي يعلى، قال: فرددنا عليه السلام، ثم وقف، فقال: ممن القوم؟ قلنا: وفد عبد القيس. قال: مرحبا بكم وأهلا. وإياكم طلبت، قوله: «مرحبا بكم وأهلا»، هذه عبارة استعمل في الترحيب بالضيف والقادم من مكان بعيد، فيرحب به بنحو هذه الكلمات. قال: ثم رفعت رؤوس رواحلكم، ومعنى ذلك -يعني: بات وهو يفكر ويحرص على أن يصبح فيذهب فيبشرهم بما سمع من النبي عليه الصلاة والسلام- وهذا فيه أيضًا استحباب تبشير المسلم بالأمر الذي يسره، إذا سمعت خبرًا يفرح أخاك المسلم، تسارع في إخباره وفي تبشيره بهذا الخبر. قال: فإذا رفعت رؤوس الرواحل بقربهم، قال: ثم ثنى راحلته بزمامها راجعًا، يوضع عوده على بدئه، حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وأصحابه حوله من المهاجرين والأنصار، فقال: بأبي وأمي، جئت أبشرك بوفد عبد القيس -يعني: أنهم قدموا- فقال: أنا لك بهم يا عمر. قال: هم أولئك على أثري قد أظلوا. أن بك أن لك بهم -يعني: ما أدراك أنهم قد قدموا- فأخبره أنه قد أدركهم أنهم خلفه. قال: واتهيأ القوم في مقاعدهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قاعدًا، فألقى ذيل ردائه تحت يده فاتكأ عليه، وبسط رجليه. وهذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى ذيل ردائه -يعني: طرفه- تحت يده فاتكأ عليه، وبسط رجليه -أي: مد رجليه- قال: فقدم الوفد، ففرح بهم المهاجرون والأنصار. قال: فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أمرحوا ركابهم فرحًا بهم، وأقبلوا سراعًا، فأوسع القوم، والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ على حاله، فتخلف الأشج -وهو منذر بن عائذ بن منذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر- فجمع ركابهم، ثم أناخها وحط أحمالها وجمع متاعها، ثم أخرج عيبة له -العيبة: الوعاء من خوص- وألقى عنه ثياب السفر، ولبس حلة -يعني: ثوبًا جديدًا- ثم أقبل يمشي مترسلًا -يعني: متماهلًا- ولهذا قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «إن فيك الخصلتين يحبهم الله: الحلم والأناه». قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من سيدكم وزعيمكم وصاحب أمركم -أي: الذي يتقدمكم ويترأسكم- فأشاروا بأجمعهم إليه -يعني: الأشج منذر بن عائد- قال: كان آباؤه سادتنا في الجاهلية، وهو قائدنا إلى الإسلام -يعني: من دعانا إلى الإسلام وقادنا إليه- فلما انتهى الأشج أراد أن يقعد من ناحية -يعني: من ناحية المجلس- ناحية من نواحي المجلس، قال: فاستوى النبي صلى الله عليه وسلم قاعدًا، وقال: ها هنا يا أشج. وهذا في أن إذا قدم على الإنسان شخص له منزلة ومكانة، أن الإنسان يستقبله على الأكمل هيئة. قال: فأقبل القوم على النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه ويخبرهم، حتى كان بعقب الحديث، قال: هل معكم من أزودتكم شيء -يعني: من طعام- قالوا: نعم، فقاموا سراعًا كل رجل منهم إلى ثقله -يعني: متاعه- فجاءوا بصبر التمر في أكفهم، الصبر -يعني: الطعام المجتمع- الطعام المجتمع كالكومة المتكوم، قال: فوضعت على نطع بين يديه -أي: بين يد النبي عليه الصلاة والسلام- وبين يديه جريدة دون الذراعين وفوق الذراع -يعني: بين ذلك بين أطول أكبر من الذراع وأقل من الذراعين- قال: فكان يختصر بها، قل ما يفارقها. والجريدة -يعني: من النخل من جريد النخل- قالوا: فأومأ بها إلى صبرة من ذلك التمر، فقال: تسمون هذا التعضوض -يعني: هذا النوع من التمر- تسمونه التعضوض؟ قالوا: نعم. قال: في التعليق: هو تمر أسود شديد الحلاوة، قالوا: نعم، قالوا: تسمون هذا الصرفان؟ قالوا: نعم. والصرفان -كما في النهاية كما في التعليق- ضرب من أجود التمر أو زنه، قالوا: تسمون هذا البرني؟ قالوا: نعم، قال: هو خير تمركم وأنفعه لكم -أي: التمر البرني- والتمر البرني أيضًا -كما في المعجم الأوسط- أيضًا كما في المعجم الأوسط، نوع من التمر الأحمر مشرب بصفرة، والنبي عليه الصلاة والسلام مدح هذا النوع من التمر بأنه أنفع التمر وأفضله. قال: هو خير تمركم وأنفعه لكم، قال: بعض شيوخ الحي وأعظمه بركة -أي: أنه قال: أعظمه بركة- وإنما كانت عندنا خصبة نعلفها إبيلنا وحميرنا، فلما رجعنا من وفادتنا تلك عظمت رغبتنا فيها وفسلناها -يعني: زرعناها- حتى تحول الثمارنا منها، ورأينا البركة فيها. وهذا في أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عنده خبرة بمعرفة أنواع التمر. إلا أن هذا الحديث بطوله فيه ضعف، فهو ضعيف الإسناد، فيه يحيى بن عبد الرحمن العصري لا يعرف. نعم، لكن الحديث لبعض ألفاظه شواهد، فقدوم وفد عبد القيس ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. نعم، إلى أن في هذا حديث، وهذا الطول ذكر السبب الذي لأجله تأخر وفد عبد القيس، وكذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن فيك الخصلتين يحبهم الله: الحلم والأناه»، إلا أنه في هذا الحديث لم يذكر فيه هذا اللفظ، وقد صحت في الصحيحين من حديث ابن عباس. وكذلك أيضًا قوله في التمر البرني: «إنه خير تمركم وأنفعه لكم»، هذه القطعة منه صحيحة، فصحح شيخ الباني رحمه الله في الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير تمركم البرني»، هذا صحيح. والشاهد منه هو أن النبي عليه الصلاة والسلام اتكأ على أحد جانبيه وبسط رجليه وعنده القوم جلوس في المجلس، فاستدل بهذا الإمام البخاري رحمه الله على جواز ذلك أن يتكأ الإنسان ويبسط رجليه إذا كان في مجلس وعنده قوم، فإنه لا بأس بذلك.