كتاب التفسير من صحيح البخاري 71

كتاب التفسير من صحيح البخاري 71

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 71، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير مستهل سورة المؤمنون: السبع الطرائق والسابقون ووجل القلوب

يستعرض المفسر معنى "سبع طرائق" بأنها سبع سماوات، و"لها سابقون" بأنهم من سبقت لهم السعادة، و"وجلة" القلوب بأنها خائفة من عدم قبول الأعمال. ويبرز الفرق الجوهري بين خوف السلف المصاحب للعمل وإساءة المتأخرين المصحوبة بالرجاء الكاذب، مستشهداً بحديث عائشة عن عبدالله بن بريدة ومناقشة سماعه منها.

شرح حال المؤمنين في الآيات (60-66) بين العمل والخوف من الرد

يفسر قوله تعالى ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ بحديث عائشة أنهم العاملون بالصالحات الخائفون من رد أعمالهم لا العصاة، وينقل أقوال ابن عباس وقتادة في تفسير ألفاظ ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ و﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ و﴿لَنَاكِبُونَ﴾ و﴿كَاحِلُونَ﴾. ويذكر سند علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وتوثيق الإمام أحمد له.

بيان معاني الألفاظ القرآنية الغريبة في السورة ككاحلون وسلالة وغثاء

يستعرض المقطع أقوال المفسرين في معاني كلمات قرآنية منها: "كاحلون" بمعنى تشويه النار للشفتين، و"سلالة" بمعنى النطفة أو الطين، و"الجنة" من الستر، و"يجعرون" برفع الأصوات، و"على عقبين" أي الرجوع، و"سامراً" جمع سمر، و"فأنى تُسحرون" أي كيف تُصرفون، و"غثاءً" الزبد الذي لا نفع فيه. ويشير إلى ضعف بعض الروايات المرفوعة في ذلك.

تعقيب على آية فأنى تُسحرون ومنهج المؤلف في ترك أحاديث السورة

يتناول المفسر تعليقه على آية «فَأَنَّى تُسْحَرُونَ» مبيناً كيف يعرض الناس عن الحق الواضح الذي جاء به الرسول، ويشير إلى أن المؤلف لم يورد أي حديث في سورة المؤمنون ربما لعدم ثبوت حديث على شرطه. ويختتم بالاكتفاء بما ذُكر من التفسير.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "سورة المؤمنون"، أي: ما جاء في تفسيرها من الحديث، إن شاء الله تعالى نذكر بعض ما ذكره البخاري هنا من بعض تفسيرات أو بعض تفسير الكلمات؛ لأنه كما ذكرنا عادة البخاري أنه يذكر في كل سورة تفسير لبعض الكلمات، وإن لم يكن يرتبها. فقال ابن عيينة: "سبع طرائق"، سبع سماوات. "ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق"، قال: طرائق، أي: سبع سماوات. هذا جاء عن ابن عيينة في تفسيره، وأيضا أخرجه الطبري عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: "سبع طرائق"، أي: سبع سماوات. وقوله جل وعلا: ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾، أي: سبقت لهم السعادة. قال: سابقون، أي: سبقت لهم السعادة، فهم لها سابقون. وقوله جل وعلا: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أي: خائفة. ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، أي: خائفة أن تلقى الله عز وجل بدون أعمال. ولهذا السلف رحمهم الله تموا بهذا الباب، وهو الاهتمام بمسألة تصحيح الأعمال والدعاء لله عز وجل أن يتقبلها. ولهذا كان ابن عمر يقول: "لو أعلم أن الله عز وجل تقبل مني ركعتين لفرحت فرحا عظيمة"، وكما قال رحمه الله: "معنى ليس الهم هم العمل لكن هم القبول". لهذا هذا الذي جعل السلف رحمهم الله مع العمل أنهم عندهم خوف عظيم مع أعمالهم. ولهذا كان الحسن يقول: "كان من قبلنا يحسن العمل مع الخوف، ونحن نأسأ العمل مع الرجاء". أي: يقول أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا عندهم عمل وخوف، ليس عملا فقط بل عمل وخوف، وأما المتأخرون فجمعوا بين الإساءة والرجاء، جمعوا بين الإساءة والرجاء، تفريط في الأعمال، وكذلك أيضا يرجون عفو الله ومغفرته ورحمته، بخلاف السلف كانوا يخافون مع الأعمال صالحة إلا أنهم يخافون أن لا يتقبل منهم. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، خائفة. جاء عند الترمذي من حديث عبد الله بن بريدة عن عائشة، وبعضهم يقول: إن عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة، وهو الإمام الدارقطني رحمه الله، وبعضهم يقول أنه ممكن أن يكون سمع؛ لأن عبد الله بن بريدة من أهل المدينة أصلا، وإنما ذهب إلى خراسان للقضاء، لما ذهب إلى خراسان كان قاضي خراسان وجلس فيها فترة، فلهذا ممكن أن يكون قد سمع من عائشة. في الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، يؤتون ما آتوا من الأعمال الصالحة، فوق ذلك أيضا قلوبهم وجلة. فقالت: يا رسول الله، هل هم الذين يشربون الخمر؟ هل هم الذين يزنون؟ لماذا يخافون؟ فقال: "لا يا بنت الصديق، هم الذين يعملون أعمالا وقلوبهم تخاف أن لا يتقبل منهم"، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. فجاء في الحديث: أهو الرجل يزني ويسرق ومع ذلك يخاف الله؟ قال: لا، بل الرجل يصوم ويصلي وهو مع ذلك يخاف الله، كما في بعض روايات. وقال: وقال ابن عباس: "هيهات هيهات"، قال: بعيد بعيد. وهذا في رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكما تقدم معنا أن علي بن أبي طلحة لم يسمع التفسير من ابن عباس، لكنه سمعه من مجاهد ومن أصحاب عبد الله بن عباس، فلهذا صحح العلماء هذه النسخة، كانت نسخة مكتوبة عند علي بن أبي طلحة. قال الإمام أحمد: "لو ذهب أحد إلى مصر لأجل نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لما كان ذلك كثيرا"، أي: أنه أمر عظيم وأمر يستحق الذهاب، يستحق أن يذهب الإنسان إلى مصر لأجل هذه النسخة، نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. فلهذا العلماء قبلوا هذه النسخة؛ لأن علي بن أبي طلحة أخذ هذا التفسير عن مجاهد عن ابن عباس. فقال: "هيهات هيهات"، أي: بعيد بعيد. وجاء عن قتادة: "أي تباعد ذلك في أنفسهم". قال: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾، أي: الملائكة العادّين، أي الذين يحسبون. قال: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾، أي: الملائكة، أي الذين يحصون أعمال بني آدم يكتبونه. قال: ﴿أَنَا لَكَاذِبُونَ﴾، ﴿لَنَاكِبُونَ﴾، ﴿لَنَاكِبُونَ﴾، قال: لعادلون. هنا بعض في بعض النسخ "تنكسون"، أي: تستأخرون. أنا ذكر الحافظ أنه في رواية النسفي أنه ذكر هذه الكلمة "تنكسون"، أي: تستأخرون. وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾، ناكبون، قال: لعادلون. وقال ابن عباس: "لناكبون"، أي: لعادلون. هكذا جاء عن ابن عباس، وذكره الإمام الطبري في صحيفة علي بن أبي طلحة: أنهم عدلوا عن الصراط، لم يسيروا على الصراط المستقيم، عدلوا عنه. قال: ﴿كَاحِلُونَ﴾، أي: عابسون. كالحون: عابسون. أيضا كذلك هو في نسخة علي بن أبي طلحة، وجاء أيضا عن ابن مسعود أيضا مثله، وجاء مرفوعا حديث بسعيد، لكنه لا يصح، أخرجه الحاكم، فقال في قوله: ﴿كَاحِلُونَ﴾: "تشويه النار، فتقل الشفتان العليا وتسترخي السفلاء". وقال: ﴿وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ سُلَالَةٍ الْوَلَدِ وَالنُّطْفَةِ السُّلَالَةِ﴾، السلالة قال: غير من سلالة، أي: من طين. فقال: السلالة: الولد والنطفة، السلالة. معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾، معنى السلالة: الولد والنطفة، السلالة. وقال بعضهم كما ذكر الحافظ عن قتادة: أنه استل آدم من طين، استل آدم من الطين، وخلق ذريته من سلالته، وخلق ذريته من سلالته، لكن صارت من ماء مهين. فمن فسره بالولد، بعضهم استشكل: كيف تكون السلالة هي الولد؟ لأن الإنسان ليس من الولد، بل الأمر بالعكس. لكن قال بعض العلم: أن المراد الذين فسروا السلالة بالولد، أي: أن الإنسان يولد أولا مبتدأ ولدا، ثم بعد ذلك يتسلل منه الولد، فالولد فالولد، وهكذا السلالة من ماء مهين، فهو أصله من ماء مهين، وأصل أبيهم من الطين. ثم قال هنا أيضا: ﴿مِنْ هَذِهِ﴾، قال: يجعرون، أن يرفعون أصواتهم. وقبل ذلك: ﴿الْجَنَّةُ وَالْجُنُونُ وَحُبُّ الْجَنَّةِ مِنَ السِّتْرِ﴾، فكل ما استتر فهو جنة. ولهذا سموا الجن جنا لأنهم لا يرون، كذلك الجنة سميت جنة لأنها لا ترى، وإنما سمي مثلاً الرجل المجنون مجنونا لأنه أصيب بالجن، وقيل له: جنون. وقوله: ﴿يَجْأَرُونَ﴾، أن يرفعون أصواتهم كما تجعر البقرة، عن أهل النار يجعرون بأصواتهم ويرفعون أصواتهم. قال: ﴿عَلَى عَقِبَيْكُمْ﴾، أي: رجع على عقبين. وقوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾، أي: من السمر، والجمع السمار، والسامر ها هنا في موضع الجمع. وهذا كله أوصاف لهؤلاء المعارضين لله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالله عز وجل أيضا هنا ذكر في بعض النسخ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾، والغثاء: الزبد ومرتفع على الماء من الجيف. أنا الله عز وجل جعلهم غثاء، لا فائدة فيهم ولا فائدة منهم. وقال: ﴿عَلَى عَقِبَيْكُمْ﴾، أي: رجع على عقبين. وسامراً، قال: سامر ها هنا في موضع الجمع، فسامراً تهجرون، أي: معناه أنكم لا تلتزمون بما جاء عن الله بل تعارضونه. قال: قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾، أي: تعمون من السحر. ﴿أَنَّى تُسْحَرُونَ﴾، أي: لماذا تعرضون؟ هل هناك من سحركم حتى تعرضون عن الحق وعن هذا الصراط المستقيم وعن ما جاء عن الله عز وجل؟ فلهذا كأنه يقول الله عز وجل: لماذا تنصرفون ولماذا تبتعدون؟ ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾، وتتعامون عن هذا الحق الذي جاء الله عز وجل به وأرسل إليكم هذا الرسول الكريم ليبين لكم، ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. فهذه بعض الآيات أو الكلمات التي ذكرها، ولم يذكر فيها حديثا، رحمه الله. وقد يكون لم يصح على شرطه حديث في سورة المؤمنون، لم يذكر شيئا من الأحاديث. إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.