الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 404، ألقاها
يشرح هذا الفصل استحباب التبرك بالمطر وتعريض الثياب والبدن له مستندا إلى حديث ابن عباس والنبي صلى الله عليه وسلم. كما يبين أن النبي كان يحسر عن ثوبه ليصيبه المطر ويقول إنه حديث عهد بربه.
يناقش هذا الفصل تأديب الزوج لزوجته وضربها ضربا غير مبرح عند نشوزها، ويشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول ضرورة غلق الأبواب ليلا وتقليل الخروج بعد هدوء الليل إلا لحاجة. كما يتطرق إلى توجيهات النبي بشأن إغلاق الأبواب وتغطية الأواني عند النوم.
يشرح هذا الفصل حديث النبي عليه الصلاة والسلام حول كراهية السير بعد هدوء الليل وتوضيح أن هذا الحكم يختلف باختلاف الأحوال والأزمان. كما يوصي بإطفاء المصابيح التي قد تكون مصدرا للنار لتجنب شر النار.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب التيمن بالمطر، قال: حدثنا بشر بن الحكم، قال: حدثنا محمد بن ربيع، عن السائب بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه كان إذا أمطرت السماء يقول: يا جارية، أخرجي سرجي، أخرجي ثيابي، ويقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾. قال: هذا الأثر صحيح الإسناد موقوفا. باب التيمن بالمطر يعني التبرك بنزول المطر إذا نزل، والمطر كما نعلم رحمة من رحمة الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾. فذكر بهذا الباب أثرا لابن عباس أنه كان إذا أمطرت أمر الجارية، فيقول: أخرجي سرجي -السرج ما يوضع على ظهر الراحلة عند الركوب عليها- وأخرجي ثيابي، يعني حتى تصيبها المطر، ويقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾، أي ماء المطر ماء مبارك، والبركة ثبوت الخير وكثرته. وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح حديث أنس، أنه عليه الصلاة والسلام إذا أمطرت حسر عن ثوبه حتى يصيبه المطر، ويقول: «إنه حديث عهد بربه»، أي نزول هذا المطر حديث عهد بالله جل وعلا، فيفعل ذلك حتى يصيب من بركته وخيره. وهذا يدل على استحباب مثل هذا الفعل إذا نزل المطر، أن يكشف الإنسان عن شيء من بدنه حتى يصيبه المطر. وهكذا أيضا لو فعل مثل فعل ابن عباس، أنزل ثيابه أو شيء من ذلك حتى تصيبها المطر، فهو أمر حسن؛ لأن المطر كما سمعنا مطر مبارك، وماء طهورا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. قال رحمه الله: باب تعليق السواك في البيت، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا النضر بن علقمة أبو المغيرة، عن داود بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعليق السواك في البيت. هذا الحديث أورده الإمام البخاري رحمه الله تحت هذا الباب، باب تعليق السواك في البيت، وأخذه من لفظ الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بتعليق السواك في البيت. وهذا إذا احتيج إلى استعماله، إذا احتيج إلى استعمال الصوت فإنه يعلق في البيت؛ وذلك إذا أدب الإنسان ولده مثلا، فإنه لا يستعمل الصوت البداية، ويستعمل الضرب، لكن يستعمل التوبيخ والتنبيه باللسان. وهكذا أيضا إن لم ينفع هجره، إن نفع الهجر، فإن لم ينفع فآخر شيء الصوت، كما يقال: آخر العلاج الكي. فقد يحتاج الأب والولي للأسرة استعمال الصوت أحيانا إذا كان الأبناء عندهم شغب، وربما لا يسمعون نصائحه وتوجيهاته وكلامه، فإذا احتاج في مثل هذه الحالة إلى استعمال الصوت علقه -علق الصوت- الصوت سواء كان من جلد أو عصى من جريد النخل أو نحو ذلك، فيعلقه حتى يعلم من في البيت أنه إن فعل شيئا استحق فيه الضرب، العصى جاهزة ومعلقة، فيكون هذا فيه تخويف لهم وتأديب لهم، لكن تكون في آخر الأمور، يكون الضرب آخر الأمر. وهكذا أيضا تعامل الأستاذ مع طلابه، فيكون الضرب آخر شيء إذا احتيج إليه، فيستعمل الضرب، إلا قبل الضرب فالنصيحة واللسان والكلمة الطيبة، فإن لم ينفع ورأى أنه لا يزداد إلا عتوا وتكبرا، وحينئذ يستعمل العصى، لكن برحمة، استعمال العصى والضرب، العصى لا بد أن يكون برحمة، ما يكون تعذيبا يكسر عظمه أو يهشم لحمه، لا، الشرع أجاز الضرب، أجاز الضرب، لكن ضرب تأديب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ». هذا الضرب ضرب تأديب، ضرب خفيف. وهكذا أيضا ضرب الرجل زوجته إذا كانت ناشزا لا تسمع كلامه، فينصحها، فإن لم ينفع النصح هجرها في المضجع، فإن لم ينفع الهجر ضربها ضربا غير مبرح، ضرب غير مبرح. قال بعض العلماء: هذا الضرب يكون بالعمامة أو بالسواك أو نحو ذلك الشيء الخفيف الذي تنكسر به المرأة ولا يجرحها؛ لأن المقصود هو التأديب لا التعذيب. فبعض الآباء ربما يستعمل الضرب مع أولاده، لكنه ضرب تعذيب، ربما يعني من شدة الضرب تجد أثر هذا الضرب في جسمه. وبعضهم ربما يستعمل الكهرباء أو نحو ذلك من الأشياء التي يحصل بها التعذيب، هذا لا يجوز، إنما المقصود هو التأديب، يكون بالضرب الخفيف. قال: باب غلق الباب بالليل، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، قال: حدثنا القعقاع بن حكيم، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والسمر بعد هدوء الليل؛ فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله من خلقه، أغلقوا الأبواب، وأوكوا السقاء، وأكفئوا الإناء، وأطفئوا المصابيح». باب غلق الباب بالليل يعني إذا أراد الإنسان أن ينام فيغلق الباب، سواء الباب الذي يكون مدخل البيت أو بالأبواب الداخلية التي في البيت. وكأن المقصود -الله أعلم- هو الباب الخارجي الذي يدخل منه الإنسان للبيت، فيغلق عند النوم. ذكر حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والسمر بعد هدوء الليل»، هكذا في هذه الرواية: «إياكم والسمر»، السمر يعني السهر، لكن الرواية الصحيحة: «إياكم والسير»، «إياكم والسير بعد هدوء الليل». قال: «فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله من خلقه». فالمناسب هو السير، ويؤيد ذلك الرواية التي ستأتي معنا في الأبواب القادمة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أقل الخروج بعد هدوء». فيكون المراد «إياكم والسير بعد هدوء الليل»، يعني لا تخرج بعد هدوء الليل، أي بعد سكون الناس وذهاب كل شخص إلى بيته، ويهدأ الناس، وتهدأ الحركة في الليل، فإياك أن تخرج بمثل ذلك الوقت. «إياكم والسير بعد هدوء الليل»، هذا إذا لم يكن هناك حاجة، إذا لم يكن هناك حاجة، أما إذا كان الإنسان له حاجة في ذلك الوقت فلا بأس أن يخرج. ولهذا جاء في الرواية الأخرى: «أقل الخروج»، يعني خففوا وقللوا، فيكون الخروج للحاجة. قال: «بعد هدوء الليل»، وهدوء الليل قد يختلف باختلاف الأزمان والأحوال. ففي قديم الزمان ربما يكون هدوء الليل بعد العشاء بشيء يسير؛ لكون الناس مثلا يتعودون القيام من الصباح الباكر، فلا يأتي آخر الليل إلا وقد تهيأوا للنوم من شدة تعب النهار. وأيضا عدم وجود الكهرباء فيصبح الهدوء في أول الليل بعد العشاء. وهذا قد يوجد مثله في بعض المناطق ربما التي ليس فيها كهرباء، تجد أن أهلها يهدؤون في أول الليل، لكن في المدن مع وجود الكهرباء وحركة الناس تجد الناس بعد الليل ما زالوا في حركة وفي عدم هدوء وسكون، تجد حركة تجارية، بيع وشراء، وتنقل الناس من هنا وهناك. ففي مثل هذه الحالة لا بأس إنسانا يخرج إذا كانت له حاجة؛ لأن الليل هنا لم يهدأ، ربما يكون الهدوء في وقت آخر، مثل الظهيرة، الآن أكثر الناس تجدهم في وقت الظهيرة في هدوء في البيوت؛ لأنهم يرتاحون من تعب النهار وكد النهار. فتجد في الظهيرة وقت هدوء، مثل هذا الوقت قد ينهى عن الخروج في مثل هذا الوقت؛ لعدم وجود الناس وانتشار الناس، فيحفظ الأبناء في مثل ذلك الوقت. وفي السابق كان وقت الظهيرة وقت حركة، ولازال في بعض القرى تجد أن النساء لا يخرجن إلا في وقت الظهيرة، هذا موجود مثلا في سقطرة، عادة النساء في الزيارة في وقت الظهر، بعد الغداء، يذهبن للتزاور. وأيضا رأيت مثل ذلك في شبوة، في بعض المناطق في حضرموت مثلا، كنا عندما ذهبنا في دعوة، واستغربنا ما رأينا أحدا من النساء في العصر، فكان الجواب أن من عادة النساء أنهن يتزاورن في الظهر، في وقت راحة الرجال في البيوت. فكان وقت الحركة في وقت الظهيرة، ويختلف في مناطق أخرى وبلدان أخرى وقت الظهيرة ووقت الراحة والسكون. فقول عليه الصلاة والسلام: «إياكم والسير بعد هدوء الليل»، هذا كما قلنا يختلف باختلاف الأحوال والأزمان، فكلما قلت حركة الناس في الوقت -سوى وقت الليل أو وقت الظهيرة- فهنا ينبغي إقلال الحركة إلا لحاجة. وهكذا في الليل، وهكذا في الليل إذا تأخر الليل أو في مؤخرة الليل، وقلت حركة الناس، وهدأ الناس، هنا يأتي هذا الحكم، فيكون يكره الخروج أو السير في ذلك الوقت إلا لحاجة. وأما مع حركة الناس فلا بأس إن كان له حاجة فلا بأس. وإلا فنحن نعلم أن السمر بعد العشاء مكروه، نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن النوم قبل العشاء والحديث بعدها، إلا لما يعني شيء ينتفع به الإنسان من مجلس علم أو جلوس مع ضيف أو نحو ذلك، أو جلوس مع الأهل. وأما لغير ذلك فالأولى عدم السهر، وإن كان على معصية فهو محرم. قال: «فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله من خلقه»، يعني بعد هدوء الليل ربما تبث الشياطين -الشياطين الإنس والشياطين الإنس- تجد في آخر الليل كما يقال: تأتيك الدواهي، ربما يظهر بعض السكيرين والمعربدين. وأيضا شياطين الجن تنتشر؛ لأنها تحب الهدوء، وهكذا ربما شيء من الهوام والدواب الموذية وغيرها، فإنها تخرج في وقت الهدوء، فربما تصيب الإنسان بشر وبضر. قال: «أغلقوا الأبواب»، أغلقوا الأبواب يعني عند النوم إذا هدأ الليل أو أردت أن تنام أغلق الباب، بل وكذلك تغلق الأبواب التي داخل البيت، يعني الباب الخارجي الذي يخرج أو يدخل منه إلى البيت، وأيضا أبواب داخلية تغلق إذا كان مثلا للأولاد غرفة يغلق بابها؛ لأن اللفظ عام يشمل كل باب في البيت، فإنه يغلق، أبواب الحمامات وكلها تغلق عند النوم. والعلل فيه كما مر معنا في الحديث السابقة أن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، الباب المغلق لم يجعل الله جل وعلا للشيطان قدرة على فتحه، لكن إذا كان مفتوحا معناه أنه سيدخل، أنه يدخل إذا وجد الباب مفتوحا يدخل على أهل الغرفة ربما يصيبهم بسوء. قالوا: «وأوكوا السقاء»، يعني اربطوا السقاء ربطا جيدا. «وأكفئوا الإناء»، أكفئوا الإناء يعني يقلبوه، الإناء الفارغ يقلب، الفتحة تكون في الأسفل؛ لماذا؟ حتى لا يدخل شيء داخل الإناء من دابة أو ربما يصيبه شيء من الوباء الذي ينزل في السنة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما مر معنا أنه في السنة ينزل وباء لا يجد سقاء ولا إناء إلا أصابه -يعني مفتوحا- إلا أصابه من هذا الوباء. فيقلب حتى يسلم من ذلك من وقوع شيء من هذا الوباء، أو أيضا من مجيء شيء من الحيوانات أو الحشرات المضرة، فتضع شيئا يضر الإنسان بعد ذلك يستعمله، فإذا كان فارغا يقلب إناء الماء، كأس الماء أو نحو ذلك من هذه الآنية تكون مقلوبة. قال: «وأطفئوا المصابيح»، أي السرج، كما مر معنا، خاصة مكان يوقد منها من النار، كالفتيلة التي توقد في النار أو الفوانيس نحوها، فإنها تغلق حتى يسلم من شر النار. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.