الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 293، ألقاها
يروي عمر بن العاص رضي الله عنه عن عجبه من الرجل الذي يفر من القدر وهو واقع به، ويحذر من إفشاء السر بعد أن أؤتمن عليه.
يناقش أهمية الإيمان بالقضاء والقدر مع الأخذ بالأسباب، ويحذر من تتبع عيوب الآخرين مع إهمال إصلاح النفس.
ينصح النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بأن يكونوا مرآة لأخيهم المؤمن، ويحذر من الحسد والبغضاء في القلب.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، باب إفشاء السر، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني موسى بن علي، عن أبيه، عن عمر بن العاص، قال: عجبت من الرجل يفر من القدر، وهو مواقعه، ويرى القذاذة في عين أخيه، ويدع الجذع في عينه، ويخرج الضغن من نفس أخيه، ويدع الضغن في نفسه. وما وضعت سري عند أحد فلمته على إفشائه، وكيف ألومه وقد ضقت به ذرعا. وهذا الأثر صحبه الشيخ الألباني رحمه الله. وترجم الإمام البخاري رحمه الله هذه الترجمة "باب إفشاء السر"، وذكر فيه أثر عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه. والشاهد هو قوله: "ما وضعت سري عند أحد فلمته على إفشائه، وكيف ألومه وقد ضقت به ذرعا". ويريد بذلك أن السر إذا أفشي وخرج وانتشر، الأمر ينبغي أن لا يلوم صاحب السر من أسر إليه أن لا يلومه؛ إذ أنه لم يتحمل كتمان هذا الأمر في نفسه، فهو ضاقت نفسه بتحمل هذا الأمر حتى أخرجه إلى غيره. وإذا أخرجه هذا الغير، فإنه لا ينبغي أن يلوم، وإن كان لا ينبغي ذلك، ليس معنى هذا أنه لا بأس أن الإنسان يفشي السر إذا أسره إنسان بكلام وأخبره بشيء، وأن هذا الأمر سر. فالواجب أنه لا ينبغي أن يفشي سره، بل أن يحفظ سره؛ لأن هذه أمانة أمنه بحفظ هذا الكلام، فلا ينبغي إخراجه. فلو أخرجه، لا ينبغي لصاحب السر ولصاحب هذا الكلام أن يلوم من أفشى هذا السر؛ لأنه هو نفسه قد ضاقت نفسه بحفظ هذا الأمر حتى أخرجه إلى غيره. في هذا الأثر يقول عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه: "عجبت من الرجل يفر من القدر، وهو مواقعه". يعني يفر من قدر الله، وما قدره الله عز وجل، فلابد أن يقع ولابد أن يكون، مهما فر الإنسان. وكذلك أراده أن يبتعد عن قدر الله، فإن ما قدره الله سبحانه وتعالى هو الواقع. والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وخلق كل شيء فقدره تقديرا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء". والحديث صحيح لما مسلم. فالأمور مقدرة قد قدرها الله سبحانه وتعالى، وكل شيء يقع فهو بقدر الله، فهو مما قضاه الله عز وجل وقدره. وهذا مما ينبغي أن يؤمن به الإنسان، وهو أحد أركان الإيمان، الإيمان بالقضاء والقدر. وهذا لا ينافي أن يأخذ الإنسان بالأسباب؛ فالإنسان مأمور أن يأخذ بالأسباب. فليس معنى أن كل شيء بقضاء الله وقدره أنك تعرض نفسك للمهالك، وتعرض نفسك للمخاطر، وتقول: أنا أؤمن بقضاء الله وقدره. فالذي أمرك بالإيمان بالقضاء والقدر أمرك كذلك أن تتخذ الأسباب، وهو القائل سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ﴾. فلا ترمي بنفسك في مكان الهلاك، وتقول: هذا مما قضاه الله وقدره. لا، بل ينبغي أن تتخذ الأسباب، تتخذ الأسباب أسباب السلامة وأسباب النجاة. وما قدره الله عز وجل فسوف يكون، فلا مفر من قدر الله، عز وجل. قال: "ويرى القذاذة في عين أخيه، ويدع الجذع في عينه". القذات هي الأوساخ، والتبن، ونحو ذلك مما يكون في العين أو في الماء، مما يقع في العين أو في الماء، يقال لها قذات. والمراد بهذه الجملة هو التحذير من تتبع عيوب الآخرين. قال: "ويرى القذاذة في عين أخيه، ويدع الجذع في عينه". يعني يتتبع عيوب الآخرين، وإن كان الشيء يسير، وشيء حقير، وهو عندهم من العيوب ما هو عظيم، نسبته كنسبة الجذع إلى القذات. فهو يرى الأشياء اليسيرة فيكبرها، ويتتبعها، يتتبع عيوب الآخرين. ولا شك أن الناس لا يسلمون من العيوب والأخطاء؛ لأنهم بشر معرضون للإصابة والخطأ. وما من أحد إلا وله عيوب، حتى الذي يتتبع عيوب الآخرين ربما كانت عيوبه أعظم، وعندهم من العيوب ما هو أكثر. فلا ينبغي أن يكون هذا خلقه، أنه يتتبع عيوب الناس وينسى عيوبه. ربما كانت عيوبه أعظم من عيوب من تنقصهم. بل الذي ينبغي أن ينظر الإنسان في عيوب نفسه، ولا ينظر في عيوب الآخرين. ينبغي أن يعتني بإصلاح نفسه، وعلى تتبع عيوب نفسه بإزالتها وإصلاحها. وإذا رأى في أخيه عيب أو تقصير، فينبغي أن ينصحه. لا ينبغي أن يشهر به، وأن يتقذ من ذلك مدخل للطعن فيه أو لتنقصه. هذا لا يصدر إلا من مريض القلب، ممن في قلبه حقد أو غل أو حسد على أخيه. فإذا تبع عيوبه ويحاول أن يتحصل منه على أخطاء حتى يتكلم عليه ويتنقصه إلى آخر ذلك، فهذا خلاف خلق المؤمن. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "المؤمن مرآة أخيه المؤمن". فأنت لأخيك المرآة، تنظر إلى أعماله، وتنظر إلى ما يصدر منه من خطأ، فينبغي أن تكون عونا له على الخير، تناصحه، تبين له ما وقع فيه من خطأ حتى يصححه. قال: "ويخرج الضغن من نفس أخيه، ويدع الضغن في نفسه". والضغن هو الحقد والحسد. قال: "ويخرج الضغن من نفس أخيه، ويدع الضغن في نفسه". يقول عمرو بن العاص: عجبت من الرجل يكون فيه هذا الوصف، وهذا الخلق، يخرج الضغن من نفس أخيه، يعني لا يحب من أحد أن يحقد عليه أو أن يحسده أو أن يبغضه. قال: "ويدع الضغن في نفسه". يعني يدع الحسد والعداء والبغضاء في نفسه وفي قلبه. وهذا لا شك أنه أمر فيه شيء من التناقض، كيف لا يحب من أحد أن يحمل عليك وأن يحسدك وأن يبغضك، وأنت تحمل ذلك في نفسك عليه أو على غيره؟ فهذا لا شك أنه أمر لا ينبغي أن يكون عليه المسلم، وطالب العلم كذلك على وجه الخصوص، أن يكون في نفسه ضغن وحسد وبغضاء لأخيه، وهو لا يحب من أحد أن يحسده وأن يبغضه. وهذا لا شك أنه ينافي ما للإيمان. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". فأنت لا تحب من أحد أن يحسدك أو يبغضك أو يعاديك، فكذلك ينبغي أن تطهر قلبك من ذلك، أن يكون في قلبك على أحد حسد أو عداوة أو بغضاء. وينبغي أن يعتني المسلم بسلامة قلبه من مثل هذه الأمراض التي هي من الأمراض التي تضر بالإنسان، تضر به وتحمله بعد ذلك على الوقوع في معاصي كثيرة. إذا وقع الحسد في القلب حمل الإنسان على التعدي والبغي، وكذلك رمو أوقعه في الغيبة وأوقعه في النميمة، وفي غير ذلك من المعاصي الكثيرة. والشاهد من الأثر كما ذكرناه، وقوله: "وما وضعت سري عند أحد فلمته على إفشائه، وكيف ألومه وقد ضقت به ذرعا". يعني ضقت أن أحفظ هذا السر وأحفظ هذا الكلام وهذا الأمر حتى أخرجته إلى غيري. فإذا كنت أنا صاحب الكلام وصاحب هذا الأمر لم أتحمله، فكيف ألوم غيري إذا حصل منه إفشاء لهذا السر؟ نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.