التعليقات على كتاب الأدب المفرد 261

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 261، ألقاها

حكمة الله في تحديد مكان وفاة الإنسان

يشرح الحديث النبوي حول حكمة الله في تحديد مكان وفاة الإنسان وربطه بطلب الحاجات. يُبين أن الله يجعل للإنسان حاجة في الأرض التي يريد قبض روحه فيها.

تحذير من تولية الإمارات والمناصب وخطورة الشرك في الألفاظ

يتناول تحذير النبي من تولية الإمارات والمناصب ويشرح خطورة الشرك في الألفاظ مثل قول 'الله وفلان'. يُبين أن الصواب هو قول 'الله ثم فلان'.

حكم إضافة مشيئة المخلوق إلى مشيئة الخالق

يناقش حكم إضافة مشيئة الإنسان إلى مشيئة الله ويبين الصيغ الجائزة والأكمل. يحذر من قول 'ما شاء الله وشئت' ويبين أن الصواب هو 'ما شاء الله ثم شاء فلان' أو 'ما شاء الله وحده'.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن أبي المليح بن أسامة، عن نبي عزة يسار بن عبد الله الهذلي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله إذا أراد قبض عبد بأرض جعل له بها أو فيها حاجة". وهذا الحديث صحيح، صححه شيخ الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل إذا أراد قبض عبد بأرض، أي كتب الله سبحانه وتعالى وقضى أن يموت هذا الإنسان في أرض، كتب الله له الموت فيها، وربما كان لا يسكنها، يجعل الله سبحانه وتعالى له في هذه الأرض حاجة، جعل له بها أو فيها حاجة، يعني يذهب إلى هذه الأرض لحاجة، فيموت فيها، يذهب مثلاً لطلب العلم، لأجل في هذه الأرض، فيموت فيها، أو يذهب لتجارة، فيموت في هذه الأرض، أو لزيارة أقارب، أو لغير ذلك من الحاجات، فيموت في هذه الأرض التي كتب الله عز وجل أن يموت فيها. أو رُبما كذلك يذهب لحج أو عمرة، فيموت في الأرض التي كتب الله جل وعلا أن يموت فيها. فإذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له بها أو فيها حاجة، ولو كانت بعيدة جدًا. ربما يعيش الإنسان سنوات وهو مغترب عن بلده سنوات عديدة، فينزل فيموت في بلده، كتب الله عز وجل له أن يموت في بلده، وهكذا غيره كثير، كما نرى ونسمع من يموت في أرض، وفي بلد من البلاد، يذهب إليها لحاجة، لعلاج أو لطلب علم، أو لغير ذلك، فيموت في تلك الأرض، لأن الله عز وجل كتب له الموت فيها. وذكر هذا الحديث في هذا الباب الذي بوب له بقوله: "باب إذا طلب فليطلب طلبًا يسيرًا، ولا يمدح". وقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلبًا يسيرًا؛ فإنما له ما قدر له". كأنه يشير الإمام البخاري رحمه الله إلى أن هذه الحاجة التي يريدها ويطلبها قد لا يقدر أن ينالها، ويحول بينه وبينها المنية، يحول بينه وبين إدراك هذه الحاجة المنية، فهي سبب لمنع الإنسان من الوصول إلى حاجته وإلى مبتغاه. فلأجل ذلك ذكر هذا الحديث: "إن الله إذا أراد قبض عبد بأرض جعل له بها أو فيها حاجة". قال: "باب قول الرجل: لا بل شانئك". قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا الصعق، قال: سمعت أبا حمزة، قال: أخبرني أبو عبد العزيز، قال: أمسى عندنا أبو هريرة، فنظر إلى نجم على حياله، فقال: "والذي نفس أبي هريرة بيده؛ ليودن أقوام ولوا إمارات في الدنيا وأعمالاً أنهم كانوا متعلقين عند ذلك النجم، ولم يلوا تلك الإمارات ولا تلك الأعمال". ثم أقبل علي، فقال: "لا بل شانئك". أكل هذا ساغ لأهل المشرق في مشرقهم؟ قلت: نعم، والله لقد قبح الله ومكر. فوالذي نفس أبي هريرة بيده؛ ليسوقنهم حمرًا غضابًا، كأنما وجوههم المجان المطرقة، حتى يلحق ذا الزرع بزرعه، وذا الضرع بضرعه". ترجم رحمه الله هذه الترجمة "باب قول الرجل: لا بل شانئك"، أي ما حكم قول الرجل هذه الكلمات "لا بل شانئك". و"بل" قال أهل العلم: هي من الطراوة والنداوة والبلال، والمراد بها الحياة. والمراد بها الحياة. و"شانئك" أي مبغضك وعدوك، مبغضك وعدوك، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ يعني عداوة قوم وبغض قوم لكم أن لا تعدلوا. وكذا قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي مبغضك وعدوك هو الأبتر، أي هو المقطوع المبتور. فقول "لا بل شانئك" أي لا أحيى الله عدوك، معنى لا أحيى الله عدوك، أو لا يحيى عدوك، أو لا حياة لعدوك، هذا معنى "بل شانئك" لا بل شانئك. ثم ذكر هذا الأثر، أثر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه قوله: ثم أقبل علي، فقال: "لا بل شانئك"، أي أن أبا هريرة رضي الله عنه استعمل هذه الكلمة، استعمل هذه الكلمة "لا بل شانئك" بمعنى لا أحيى أو لا حياة لعدوك، أو لا يحيى عدوك، وهو دعاء له بالموت، دعاء لعدو بالموت. وهذا الأثر فيه أبو عبد العزيز، وهو نصر بن عمران مجهول، فالأثر موقوف على أبي هريرة رضي الله عنه، وهو ضعيف بهذا السند. لكن صح مرفوعًا القطعة الأولى منه، وهو قوله: "ليودن أقوام ولوا إمارات في الدنيا وأعمالاً أنهم كانوا متعلقين عند ذلك النجم، ولم يلوا تلك الإمارات ولا تلك الأعمال". فقد صح مرفوعًا، أي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "ليوشكن رجل أن يتمنى أنه خر من الثرية ولم يلي، ولم يلي من أمر المسلمين شيئًا". لا يوشكن أن يتمنى رجل أنه خر من الثرية، ولم يلي من أمر المسلمين، أو من أمر الناس شيئًا. فهذا الحديث بهذا اللفظ صح عند الحاكم وغيره، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفي تحذير وبيان خطورة تولية الإمارات والمناصب من رئاسة ووزارة وغيرها، ممن يلي شيئًا من أمور الناس، فإنه على خطر عظيم، فإنه على خطر عظيم إن لم يقم بالعدل والإنصاف، ويحذر من الظلم، فإلا لا تكونن الولاية التي وليها سببًا في هلاكه يوم القيامة. وأما قوله: "ليسوقنهم حمرًا غضابًا"، يريد بذلك ما يقع من الفتن والمصائب بين الناس والمسلمين. وقوله: "كأنما وجوههم المجان المطرقة"، المجان يعني المستديرة، وهي بمعنى الترس، يعني شبهت بالترس لاستدارتها، والمطرقة أي كثيرة اللحم وغليظة، وهي شبيهة بوجوه أهل الترك. وقد جاءت نحو هذه اللفظة في حديث في الصحيحين، لكن بغير هذا المعنى، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، كأنما وجوههم المجان المطرقة". كأنما وجوههم المجان المطرقة. وهذا الأثر كما علمنا لا يصح، لكن القطعة الأولى منه صح مرفوعًا على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "باب لا يقول الرجل: الله وفلان". قال: حدثنا مطر بن الفضل، قال: حدثنا حجاج، قال: ابن جريج سمعت مغيثًا يزعم أن ابن عمر سأله من مولاه؟ فقال: "الله وفلان". قال ابن عمر: "لا تقول كذلك، لا تجعل مع الله أحدًا، ولكن قل: فلان بعد الله". وهذا الأثر عن ابن عمر موقوف عليه، هو ضعيف، ومغيث هذا مجهول، لكن معناه صحيح. فبوب الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب بقوله: "باب لا يقال: لا يقول الرجل: الله وفلان"، أي أن هذا مما لا يجوز؛ لأن هذا من شرك الألفاظ. لا يجوز للمسلم أن يقول مثل هذا اللفظ "الله وفلان"، "لولا الله وفلان". فهذا لا يجوز؛ وذلك لأن هذه الشريعة العظيمة جاءت لإصلاح القلوب، وكذلك أيضًا إصلاح الألفاظ، وسد ذرائع الشرك، وكل ما يكون وسيلة إلى الشرك بالله جل وعلا والوقوع فيه، فإن هذه الشريعة العظيمة قد جاءت بسده. ومنه شرك الألفاظ، فقول "الله وفلان" هذا فيه تشريك ومساواة بين الخالق والمخلوق، مساواة بين الخالق والمخلوق؛ لأن الواو تفيد مطلق الاشتراك، وفيها معنى المساواة. فعندما تقول: "جاء زيد ومحمد"، معناه أنهم اشتركوا في المجيء وتساووا في المجيء. فقولك "الله وفلان" جعلت المخلوق كالخالق، وساويت بين الله عز وجل وخلقه، وهذا من الشرك في الألفاظ، لا يجوز مثل ذلك. وإنما الذي ينبغي إذا أردت أن تأتي بلفظ فتأتي بقول "ثم" بكلمة "ثم"، فتقول: "الله ثم فلان"؛ لأن "ثم" تفيد معنى التراخي، تفيد معنى التراخي وعدم التساوي. فقولك مثلاً: "جاء محمد ثم علي"، معنى أن محمدًا متقدم، وعلي بعده، لم يساويه. وهكذا عندما تقول: "الله ثم فلان"، فتجعل المخلوق بعد الخالق، تجعل المخلوق بعد الخالق. ففي هذا الأثر قال: "سمعت مغيثًا يزعم أن ابن عمر سأله من مولاه؟" يعني من سيده، من سيده؟ فقال: "الله وفلان"، أي أن الله مولاي وفلان. وهذا المعنى، أي أن الله عز وجل مولى أهل الإيمان صحيح، كما قال الله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾. لكن هذا التشريك لا يصح، والجمع بالعطف مثل ذلك لا يجوز. قال ابن عمر: "لا تقول كذلك، لا تجعل مع الله أحدًا". الله جل وعلا لا يساوي أحد من خلقه، ولا يجوز أن يشرك معه أحد من الخلق. ولكن قل: "فلان بعد الله". قل: "فلان بعد الله". فهذا ينفي هذا التشريك الذي قد يقع بلفظ الواو، فتقول: "فلان بعد الله". وكما في هذا تعليم أنه ينبغي للإنسان إذا بين لشخص خطأ وقع فيه، يبين له الصواب، يبين له الصواب الذي ينبغي أن يفعله، وأن يقوله. قال: "باب قول الرجل: ما شاء الله وشئت". قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن الأجلح، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما شاء الله وشئت". قال: "جعلت لله ندًا، ما شاء الله وحده". والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. فهذا الباب كذلك مما يتعلق بشرك الألفاظ، "باب قول الرجل: ما شاء الله وشئت"، أي ما حكم قول مثل هذا اللفظ "ما شاء الله وشئت". وشئت؟ فذكر عن ابن عباس، قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما شاء الله وشئت". قال: "جعلت لله ندًا، ما شاء الله وحده". فهذا فيه بيان كذلك أن مثل هذا اللفظ من شرك الألفاظ الذي لا يجوز للمسلم أن يقوله؛ لأن فيه مساواة المخلوق بالخالق. فقول "ما شاء الله وشئت" جعلت مشيئة المخلوق كمشيئة الخالق، كمشيئة الخالق. ومثل هذا اللفظ لا يجوز، مثل هذا اللفظ لا يجوز. ومشيئة المخلوق هي تبع لمشيئة الخالق، فما شاء الله عز وجل كان، وما لم يشأه لم يكن. وما تشاءون إلا أن يشاء الله، إن الله كان عليمًا حكيمًا. فما شاءه الله سبحانه وتعالى كان، وإن شاءه العبد، وإن لم يشأه الله فإنه لن يكون. فمشيئة المخلوق هي تابعة لمشيئة الخالق، كما قال الشافعي رحمه الله: ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن ما شئت كان وإن لم أشأ، أي ما شاءه الله واقع وكائن، وإن لم أشأ أي وإن لم أشأه المخلوق. فمشيئة الله هي الواقع والكائنة. وما شئت، أي أنا المخلوق، إن لم تشأ لم يكن، ما شاءه المخلوق إذا لم يشأه الله عز وجل فإنه لن يكون، ولن يقع. فدل ذلك على أن مشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله. فقول الرجل "ما شاء الله وشئت" خطأ؛ لأنك تجعل مشيئة المخلوق كمشيئة الله، فهذا لا يجوز. ولهذا قال نبي صلى الله عليه وسلم: "جعلت لله ندًا"، أي جعلت له مثيلاً ونظيرًا؛ لأن المتفرد بالمشيئة هو الله سبحانه وتعالى. وإذا جعلت المخلوق له مشيئة مستقلة عن مشيئة الله، فإنك جعلت لله عز وجل من يماثله من المخلوقين. والله جل وعلا ليس له ند، ليس له مثيل ولا نظير، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فليس لله جل وعلا كفو ونظير ومثيل. قال: "جعلت لله ندًا". وفي هذا أيضًا دليل على أن المخلوق مهما بلغت منزلته عند الله جل وعلا، فلا يجوز أن يرفع فوق منزلته. فالنبي صلى الله عليه وسلم رسول، كرمه الله عز وجل بالنبوة والرسالة، وهو عليه الصلاة والسلام بشر، لا يجوز أن يرفع فوق منزلته التي أنزله الله عز وجل. فإذا رفع فوق منزلته، وجعل له ما هو لله عز وجل من خصائصه، فإن ذلك من الشرك بالله سبحانه وتعالى. هذا، قال: "جعلت لله ندًا، ما شاء الله وحده". ما شاء الله وحده، أي المشيئة لله سبحانه وتعالى. وهذا هو الأكمل أنك تقول: "ما شاء الله وحده"، هذا الأكمل والأفضل أنك تجعل المشيئة لله سبحانه وتعالى وحده. وجاء في بعض الأحاديث بلفظ: "ما شاء الله ثم شاء فلان"، يعني إذا أردت ولابد أن تقول مثل ذلك، فتقول: "ما شاء الله ثم شاء فلان"، هذا جائز. والأكمل والأفضل أن تجعل المشيئة لله جل وعلا، فتقول: "ما شاء الله وحده". وأما "ما شاء الله وشئت" فهذا لا يجوز. طيب، الله هنا والله تعالى أعلم.

شاركنا على