التعليقات على كتاب الأدب المفرد 229

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 229، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعاء النبي يوم أحد وتمنى النعيم المقيم

دعا النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالحمد والثناء وتمنى النعيم المقيم والأمن، وسأل الله أن يحبب إليهم الإيمان ويكره إليهم الكفر. الدعاء يشمل طلب النصر على الكفرة والذين أوتوا الكتاب.

طلب النعم والحماية من الله في الدعاء النبوي

الدعاء يشمل طلب بسط النعم من الله مثل البركة والرحمة والرزق، والاستعاذة من سوء ما أعطاه الله وشر ما منعه. يتضمن سؤال الله النعيم المقيم والنعيم يوم العيلة والأمن يوم الحرب.

التمسك بالإسلام والدعاء على الكفار

دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الكفار وطلب التمسك بالإسلام والثبات عليه حتى الممات، ويبين أهمية التضرع لله لتحقيق النصر والتأييد.

النصر الحقيقي من عند الله تعالى

النصر الحقيقي يأتي من الله سبحانه وتعالى، ولا تعتمد على الكثرة، بل على التأييد الإلهي والصبر، كما يتضح من يوم حنين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري، رحمه الله، في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا علي، وهو ابن المديني الملقب بحية الوادي، قال: حدثنا مروان بن معاوية، وهو ابن الحارث بن أسماء الفزاري، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ، وكان يدلس، قال: حدثنا عبد الواحد بن أيمن، وهو المخزومي، أبو القاسم المكي، قال الحافظ: لا بأس به، قال: حدثنا عبيد بن رفاعة الزرقي، وهو عبيد بن رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلاني الزرقي، وعبيد بن رفاعة ولد في عهد النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: عن أبيه، وهو رفاعة بن رافع، قال: لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «استووا حتى أثني على ربي عز وجل»، فصاروا خلفه صفوفا، فقال: «اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا مقرب لما بعدت، ولا مباعد لما قربت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الحرب، اللهم عائذا بك من سوء ما أعطيتنا وشر ما منعت منا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحيينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق». قال علي: وسمعته من محمد بن بشر وأسنده ولا أجيء به. وهذا الحديث صاحب شيخ الألباني، رحمه الله، كما في تخريجي لفقه السيرة، وفيه كما سمعنا هذا الدعاء الذي دعا به النبي، عليه الصلاة والسلام، يوم أحد، لما قاتل المسلمون المشركين، وكانت غزوة أحد بعد غزوة بدر، قال: وانكفأ المشركون، أي تفرقوا، فقال النبي، عليه الصلاة والسلام: «استووا حتى أثني على ربي عز وجل»، يعني يذكر من الدعاء ومحاسن الثناء على الله سبحانه وتعالى، قال: فصاروا خلفه صفوفا، فقال: «اللهم لك الحمد كله»، فحمد الله سبحانه وتعالى بهذا الدعاء بقوله: «اللهم لك الحمد كله»، والحمد كما مر معنا في كثير من الأحاديث التي قد مضت، هو الثناء على الله سبحانه وتعالى مع المحبة والتعظيم، وأل فيه للاستغراق، أي كل المحامد فهي لله سبحانه وتعالى. وقوله: «لك الحمد» فيه إفادة التخصيص والحصر، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، فقوله: «اللهم لك الحمد» يعني لا يستحق الحمد إلا أنت، ولا أحد له هذا الحمد إلا أنت، وكله تأكيد أن الحمد كله لله، والله جل وعلا يحمد لكماله، وكذلك لفضل إنعامه. قال: «اللهم لا قابض لما بسطت، ولا مقرب لما بعدت، ولا مباعد لما قربت»، قوله: «اللهم لا قابض لما بسطت»، وهذا عام يشمل كل ما يبسطه الله سبحانه وتعالى من النعم، وهكذا كذلك من النصر والتأييد لأهل الإيمان، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى نصرهم وتأييدهم، فلا يستطيع أحد أن يقبض ذلك عنهم، وهكذا إذا بسط الله عز وجل لعباده النعم، فلا يستطيع أحد كذلك أن يمنعها، «ولا مقرب لما بعدت، ولا مباعد لما قربت»، كذلك ما أراد الله سبحانه وتعالى أن يقرب، فلا يستطيع أحد أن يبعده، وما أراد الله سبحانه وتعالى أن يبعد، فلا يستطيع أحد أن يقربه، فالأمر كله لله سبحانه وتعالى، فهو جل وعلا الذي يقرب ما شاء ويبعد ما شاء، وهو كذلك عام في كل شيء. وفي هذا الموضع يحتمل أن يراد به النصر والتأييد، أي إذا أردته وقربته، فلا يستطيع أحد أن يبعده، وإذا أبعدته، فلن يستطيع أحد أن يقربه، لأن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى. «ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت»، كذلك ما أراد الله سبحانه وتعالى إعطاءه، فلا يستطيع أحد أن يمنعه، وما منعه الله سبحانه وتعالى، فلا يستطيع أحد أن يعطيه، فالمنع والإعطاء بيد الله سبحانه وتعالى، «ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت»، وهذا كذلك عام في كل شيء من الأمور الحسية والمعنوية. قال: «اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك»، وقوله: «من بركاتك»، وهذا يشمل كل البركات في الصحة والعافية، في المال والولد والأهل والنصر والتأييد إلى آخر ذلك، فهو دعاء عام، وهكذا أيضا «من رحمتك وفضلك ورزقك»، فهذا سؤال من الله جل وعلا أن يبسط عليهم هذه الأمور: البركة والرحمة والفضل والرزق، والله جل وعلا يبسط الرزق لمن يشاء، وهكذا جل وعلا يرحم من يشاء، وينزل بركاته على من يشاء، وفضله على من يشاء. قال: «اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول»، وهذا السؤال يتضمن سؤال الجنة، لأن النعيم الذي لا يحول يعني لا يتحول ولا يتغير، ولا يزول أي لا ينتهي، هذا نعيم الجنة، وأما نعيم الدنيا فهو يحول ويزول، يتغير ويفنى ويذهب، لكن نعيم الجنة هو النعيم الذي لا يحول ولا يزول. «اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الحرب»، قوله: «النعيم يوم العيلة» يعني يوم الفقر والشدة، فالعيلة هي الفقر والجوع، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي فقرا وجوعا وشدة، فأنت تسأل الله سبحانه وتعالى النعيم أن ينعم عليك من النعم في يوم الفقر والجوع والشدة، «والأمن يوم الحرب» أي إذا وقع الحرب والقتال، أن ينزل الله سبحانه وتعالى عليك من الأمن ما يذهب عنك روعا القتال والحرب والفزع. قال: «اللهم عائذا بك من سوء ما أعطيتنا وشر ما منعت منا»، وهذه استعاذة بالله سبحانه وتعالى من سوء ما أعطى الله سبحانه وتعالى، وهكذا استعاذة من الشر، لأن الخير والشر كله من الله سبحانه وتعالى خلقا وإيجادا، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وخلق كل شيء فقدره تقديرا، فالخير والشر من خلق الله وتقدير الله سبحانه وتعالى، ولكن فعل الشر من العبد هو من كسب العبد وفعله، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، يعني من فعلك وما اكتسبته، فأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من السوء والشر الذي قد يقدر لك. قال: «اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان»، وهذا كذلك دعاء أن تدعو الله عز وجل أن يحبب إليك الإيمان الذي أمر الله عز وجل به، وأمر به رسوله عليه الصلاة والسلام، ويتضمن ذلك الإيمان والإتيان بأركان الإيمان الستة، وأن تحقق ذلك في قلبك وفي جوارحك، وكذلك أن يزينه الله عز وجل في قلبك، فتكون مؤمنا ظاهرا وباطنا، وأن يكره الله عز وجل في قلبك إليك الكفر والفسوق والعصيان. قال: «واجعلنا من الراشدين»، «اللهم توفنا مسلمين وأحيينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين»، وهذا كذلك دعاء على الثبات على هذا الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى، وبعث به نبيه محمدا، صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بالإيمان به، هو دين الإسلام، فليس العبرة فقط أن تكون مسلما، لكن المقصود هو تحقيق الإسلام والثبات عليه حتى تلقى الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، يعني تمسكوا بالإسلام واثبتوا عليه حتى تلقوا الله عز وجل وأنتم مسلمون، فتسأل الله عز وجل أن يتوفاك على الإسلام، وأن يحييك على الإسلام، ومعنى «أحينا مسلمين» أي متمسكين بالإسلام، مطبقين لأحكام الإسلام، ليس المسلم مجرد اسم ورسم، لكن المسلم هو الذي يحقق الإسلام في نفسه، وكذلك في عشيرته، وفي كل ما يستطيع. وهكذا تسأل الله عز وجل أن يلحقك بالصالحين ممن سبقك، غير خزايا ولا مفتونين، أي لا يصيبك خزي ولا يصيبك كذلك مذلة بسبب المعاصي والذنوب ومخالفة دين الإسلام، التي هي سبب لحصول الخزي، وهكذا أيضا غير مفتونين، أي ألا تصيبك فتنة مما يضر بدينك، سواء كانت فتنة دنيا أو دين. «اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق»، وهذا دعاء على الكفرة، وهو دعاء عام يدل على جواز الدعاء على الكفرة بالدعاء العام، إذا كانوا ممن يحارب الإسلام وأهله، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك»، «واجعل عليهم رجزك وعذابك»، فهذا الحديث كما سمعنا فيه هذا الدعاء المجمل على عدة أدعية مما دعا به النبي، عليه الصلاة والسلام، وذكره المؤلف، رحمه الله، في باب دعوات النبي، عليه الصلاة والسلام. وهو يدل كذلك على ما ينبغي أن يكون عليه المسلمون في مقاتلتهم للأعداء والكفار، من التضرع والذل والخضوع لله سبحانه وتعالى بالدعاء والعبادة والطاعة، لأن ذلك من أعظم أسباب النصر والتأييد من الله سبحانه وتعالى، ولما كان في غزوة أحد ما كان من تسلط المشركين على المسلمين، تضرع عليه الصلاة والسلام لله عز وجل بهذا الدعاء، وهكذا ينبغي أن يكون أهل الإسلام دائما في تضرع وخضوع إلى الله سبحانه وتعالى حتى ينالوا نصر الله عز وجل، فالنصر لا يكون بالاغترار ولو كانوا في عدد كثير أو عدة، إن لم يكن قد حققوا الإسلام وتمسكوا بهذا الدين التمسك الحق، فإنهم لن ينالوا بذلك النصر، حتى يعلموا أن النصر من الله سبحانه وتعالى، وأن الكثرة لا تغني شيئا، ولهذا قال الله عز وجل في يوم حنين: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾، فالنصر والتأييد بيد الله سبحانه وتعالى، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين.