التعليقات على كتاب الأدب المفرد 197

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 197، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الدعاء الجامع لخير الدنيا والآخرة

الدعاء الجامع لخير الدنيا والآخرة يشمل طلب المغفرة والرحمة والهداية والرزق. هذا الدعاء يعبر عن أهمية تعلم أحكام الدين والاستغفار والتوبة من الذنوب.

رحمة الله تعالى وفضلها على عباده

رحمة الله وسعت كل شيء وتتجلى في الدنيا والآخرة، وتشمل الهداية والنجاة من النار ودخول الجنة. الله يغفر الذنوب لمن تاب وأناب.

تفاصيل الهداية والرزق في الدعاء

الهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق، والرزق كذلك نوعان: رزق عام للخلائق ورزق خاص للمؤمنين. كلا النوعين بيد الله وحده.

الدعاء بين السجدتين وأحكامه

يجوز الدعاء بين السجدتين، وقد ورد حديث نبوي يدل على ذلك، مع اختلاف في الروايات حول زيادة "وعافني".

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا علي بن عبد الله، وهو المديني الملقب بحية الوادي، قال: حدثنا مروان بن معاوية، وهو الفزاري، فقيه حافظ، قال: حدثنا سعد بن طارق بن أشيم الأشجعي، وهو أبو مالك الأشجعي، فقيه، وهو تابعي، قال: حدثني أبي، وهو طارق بن أشيم الأشجعي، صحابي جليل، قال: كنا نغدو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيجيء الرجل وتجيء المرأة، فيقول: يا رسول الله، كيف أقول إذا صليت؟ فيقول: «قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني، فقد جمعت لك دنياك وآخرتك». قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سليمان بن حيان، قال: حدثنا أبو مالك، قال: سمعت أبي، ولم يذكر: «إذا صليت». وتابعه عبد الواحد ويزيد بن هارون. والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وقد جاء أن هذا الدعاء في الصلاة -يعني سؤال النبي صلى الله عليه وسلم- كما في الرواية الأولى: «ماذا أقول إذا صليت؟» فذكر هذا الدعاء. وجاء في روايات أخرى مطلقًا من غير تقييد في الصلاة، فيدل ذلك على أن هذا الدعاء يشرع قوله في الصلاة وفي خارج الصلاة. وبهذا الحديث -كما سمعنا- ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من حرصهم على العلم وعلى تعلمه، والسؤال عن أمور دينهم، الرجال والنساء، يأتي الرجل وتأتي المرأة تسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن أمور دينها، وهكذا الرجل يأتي ويسأل عن أمور دينه. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم عنده حرص على تعلم أحكام هذا الدين، وما فرض الله سبحانه وتعالى من الفرائض والواجبات، فهذا من العلم الواجب الذي يجب على كل إنسان بنفسه أن يتعلم أحكام هذا الدين، من أركان الإسلام، تعلم التوحيد والصلاة، وكذلك الصيام والزكاة إن كان عنده أموال، والحج إذا أراد أن يحج واستطاع الحج وجب عليه أن يتعلم أحكامه. وهكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فسئل النبي عليه الصلاة والسلام: «كيف أقول إذا صليت؟» فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الدعاء: «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني»، قال: «فقد جمعت لك دنياك وآخرتك»، بهذه الكلمات اليسيرة إذا دعوت بها فإنها تجمع لك خير الدنيا والآخرة. «اللهم اغفر لي»: تسأل من الله عز وجل أن يغفر لك ذنوبك، ومعنى اغفر لي أي: استر عني ذنوبي. والمغفرة مأخوذة من الستر، أو الغفر من الستر، ومنه المغفر الذي يوضع على رأس المقاتل سمي بذلك لأنه يستر رأسه. فأنت تسأل من الله عز وجل أن يغفر لك ذنوبك. والمسلم مهما بلغ من الصلاح ومن الاستقامة فهو لا يسلم من الوقوع في الذنب ومن الوقوع في الخطأ، فهو بحاجة عظيمة أن يسأل من الله جل وعلا أن يغفر له ذنوبه وأن يسترها عنه. والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن ما من عبد مؤمن إلا ويذنب، لو لن تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم. وفي الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي ذر: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم». فجميع العباد يخطئون ويذنبون، لكن الواجب على المسلم أنه يستغفر من ذنبه ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هو حال المؤمن. كما قال الله عز وجل في وصف أهل التقوى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. والله جل وعلا وصف نفسه بهذه الصفة العظيمة، صفة المغفرة، وهو الغفور الودود، وهو الغفور الرحيم، وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى. وهذه من صيغ المبالغة: غفار، يعني كثير المغفرة، كثير المغفرة سبحانه وتعالى لمن أذنب ولمن أخطأ، مهما بلغت ذنوب الإنسان فإنه إذا تاب إلى الله سبحانه وتعالى ورجع غفرها الله له. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. لا يقنط الإنسان من رحمة الله سبحانه وتعالى مهما بلغت ذنوبه، لو بلغت ذنوبه ما بلغت فتاب إلى الله سبحانه وتعالى لتاب الله عليه. لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، وقال المسيح: ﴿أَوَلَمْ يَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُوهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. هذا بحق من هؤلاء النصارى الذين كفروا بالله سبحانه وتعالى وقالوا فيه بأنه ثالث ثلاثة، أغفر الله عز وجل أنهم إن تابوا ورجعوا لتاب الله سبحانه وتعالى عليهم وغفر لهم. فكيف بالمسلم الذي يؤمن بالله جل وعلا ويوحد الله سبحانه وتعالى؟ فإنه إذا أذنب واستغفر الله عز وجل وصدق في توبته غفر الله سبحانه وتعالى له. وإذا غفر الله جل وعلا لك فإن ذلك سبب عظيم من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار. فلذلك أن تسأل الله سبحانه وتعالى بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي وارحمني». كذلك تسأل من الله جل وعلا أن يرحمك، أن يرحمك في الدنيا والآخرة. والله سبحانه وتعالى ذو الرحمة الواسعة: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. فأولى الناس برحمة الله جل وعلا هم أهل الإيمان والتقوى. ومن أعظم أسباب نيل رحمة الله الإيمان بالله جل وعلا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. والرحمة من صفة الله التي يصف الله جل وعلا بها: الرحمن الرحيم، وهو الغفور الرحيم، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدل على اتصاف الله جل وعلا بهذه الصفة العظيمة. ومن رحمة الله أنه قدمها عز وجل على غضبه: «رحمتي سبقت غضبي». ومن نيل رحمة الله أن يسر الله سبحانه وتعالى للعبد الهداية في هذه الدنيا والاستقامة على شرع الله وعلى دين الله سبحانه وتعالى، وأن يجنبه طرق الضلالة والغواية التي ضل فيها من ضل من الكافرين ومن المبتدعة، فهذا من رحمة الله، من رحمة الله جل وعلا بك أن ينجيك من الضلالات ومن أسباب الهلاك. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى كذلك بك في الآخرة أن ينجيك من أهوال يوم القيامة، وذلك ما يكون للمؤمن من البشرى في أول انتقاله من هذه الدنيا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾. هذا من رحمة الله أن يبشر المؤمن بهذا النعيم الذي أعده الله سبحانه وتعالى لأهل الإيمان، وأن يبشر بنجاته من عذاب الله ومن أهوال الآخرة، وأن يبشر كذلك بالجنة، كل ذلك من عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى بعبده المؤمن. والله عز وجل أخبر أن له من الرحمة جل وعلا ما هي صفة من صفاته غير مخلوقة كسائر صفاته سبحانه وتعالى. ومن الرحمة ما هي مخلوقة، فقد خلق الله جل وعلا مئة رحمة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أنزل منها في هذه الدنيا رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق، وبها ترحم الوحش ولدها وترفع حافرها خشية أن تصيبه. وهكذا يعطف الخلق بعضهم على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها الله عز وجل برحمته عز وجل. هذه رحمة واحدة في الخلق يتراحم بها العباد، الضعيف يرحم الضعيف، والغني يرحم الفقير، وهكذا ترحم الوحش التي هي من طبيعتها التوحش والشراسة، ومع ذلك فإنها ترحم ولدها وتشفق عليه، بل ربما تفدي نفسها من أجله، هذه برحمة واحدة. وجعل الله سبحانه وتعالى تسعة وتسعين رحمة أخرى يرحم بها عباده يوم القيامة، وهذا من عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى. قال: «واهدني». كذلك تسأل من الله جل وعلا الهداية، أن يهديك الله سبحانه وتعالى. والهداية هدايتان: هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق. فأنت تسأل من الله جل وعلا أن يهديك وأن يدلك على طريق الحق وطريق الاستقامة، كما أنك تسأل من الله جل وعلا ذلك في كل يوم وفي كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. تسأل من الله جل وعلا أن يهديك صراطًا مستقيمًا، الذي لا اعوجاج فيه، وهو سبيل من سلكه ممن أنعم الله سبحانه وتعالى عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فهذه الهداية -هداية الدلالة والإرشاد- هي مما جعله الله سبحانه وتعالى له وليًا من شاء من خلقه من أهل الإيمان، وعلى رأسهم أهل الأنبياء والرسل، كما قال الله عز وجل بنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فأنت تسأل من الله جل وعلا هذه الهداية، وهكذا أيضًا هداية التوفيق، أن يوفقك الله سبحانه وتعالى لسلوك طريق الحق وطريق الجنة حتى يميتك الله سبحانه وتعالى على ذلك ويدخلك الجنة. وهذه الهداية لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى، وهي التي نفاها الله عز وجل في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. أي: الله عز وجل يوفق من شاء لسلوك طريق الحق والاستقامة التي توصله إلى الجنة وتنجيه من النار. فهذه لا يملكها إلا الله عز وجل، لا الأنبياء ولا الرسل ولا أحد من الخلائق يملك هذه الهداية. فأنت تسأل من الله جل وعلا كلا الهدايتين: هداية الدنيا وهداية الآخرة، وبذلك يحصل لك الخير العظيم في الدنيا والآخرة. وهكذا قوله: «وارزقني». كذلك تسأل من الله جل وعلا الرزق. والله جل وعلا هو الذي بيده الرزق، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. ما من دابة تدب في هذه الأرض فرزقها على الله سبحانه وتعالى. فإذا علم العبد أن الرزق بيد الله فإنه ينبغي أن يسأله من الله جل وعلا. والله هو الموصوف بهذه الصفة العظيمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. وجاء بهذه الأوصاف على صيغة المبالغة: رزاق، على وزن فعال، يعني كثير الرزق، كثير الرزق سبحانه وتعالى. ورزقه جل وعلا رزقان: رزق عام، ورزق خاص. فالرزق العام هو ما يكون لجميع الخلق من مسلمهم وكافرهم وجنهم وإنسهم، وهكذا الحيوانات كلها يرزقها الله سبحانه وتعالى. وهذا الرزق هو ما يقوم به أبدانهم ومعايشهم في هذه الدنيا، فالله جل وعلا هو الذي يرزقهم، وسواء كان هذا الرزق من حلال أو حرام فهو من الله، أي حصول هذا الرزق وإنزاله من الله سبحانه وتعالى. أما اكتسابه فهو من العبد، إن اكتسبه من وجه حلال فهو حلال، وإن اكتسبه من وجه حرام فهو حرام وآثم على اكتسابه، لكن جميع الرزق هو من رزق الله سبحانه وتعالى. هذا الرزق الدنيوي والحسي. والرزق الخاص هو ما يكون لأهل الإيمان من الإيمان والعلم والهدى الذي يكون في قلب العبد، فهذا هو أعظم الرزقين الذي يؤتيه الله سبحانه وتعالى من شاء من عباده. وأن تسأل من الله جل وعلا كلا الرزقين: رزق الدنيا وهو الرزق الحسي، وكذلك الرزق المعنوي الذي يكون في قلب المؤمن من الله سبحانه وتعالى من الإيمان والعلم والهدى، فإنك تسأل من الله جل وعلا أن يرزقك هذا الرزق العظيم الذي هو الرزق الحقيقي الذي يحتاج له المسلم والعبد في هذه الدنيا ولا يستغني عنه. فهذا الحديث العظيم -كما سمعنا- يجمع خير الدنيا والآخرة، من مغفرة الذنوب ورحمة الله سبحانه وتعالى وتيسير الله عز وجل الهداية في الدنيا وفي الآخرة، وهكذا أيضًا أن ييسر الله عز وجل لك الرزق، كذلك المعنوي والحسي الذي به يكمل به العبد في هذه الدنيا وتكون له الخيرية العظيمة في الدنيا والآخرة. فينبغي على المسلم أن يحرص على مثل هذا الدعاء العظيم في صلاته، فإن أتى به بعد التشهد فهو موضع من مواضع الدعاء، وكذلك أيضًا في السجود كما حث النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم». أو أتى به كذلك أحيانًا بين السجدتين فلا بأس، فهو كذلك من مواضع الدعاء. وقد ورد نحو هذا الحديث في السنن من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله بين السجدتين بزيادة: «وعافني»، وحسنه بعض أهل العلم.