التعليقات على كتاب الأدب المفرد 213

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 213، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعاء النبي بالمغفرة وتفسيره

كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بالمغفرة رغم أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، إما لتواضعه أو لتعليم أمته أهمية الاستغفار. هذا الدعاء يشمل طلب المغفرة من الله عز وجل لما وقع وما سيقع من الذنوب.

أهمية الاستغفار والتوبة في حياة المسلم

الاستغفار والتوبة أمران ضروريان للمسلمين لأنهم معرضون للذنوب والخطأ، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يستغفر الله كثيرا. ينبغي على المسلم أن يكثر من الاستغفار والتوبة اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام.

الدعاء في التشهد وقبل التسليم

كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بدعاء خاص في التشهد قبل التسليم، يتضمن معاني الاستغفار والتوبة والاعتراف بجلال الله وقدرته. يستحب للمرء أن يقول في صلاته قبل التسليم دعاء خاصا يختم به صلاته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا عبد الله عن عبد الوهاب، وهو الحجبي، قال أبو حاتم: ثقة، صدوق. قال: حدثنا خالد عن الحارث، وهو ابن عبيد الهجيمي، وهو كذلك ثقة ثبت، كما قال الحافظ رحمه الله. قال: حدثنا عبد الرحمن المسعودي، هو عبد الرحمن بن عبد الله عن عتبة بن عبد الله عن مسعود، صدوق اختلط في آخره، قيل: قبل موته بسنة أو سنتين. قال: عن علقمة عن مرثد، وهو الحضرمي أبو الحارث الكوفي، وهو ثقة، عن أبي الربيع، وهو المدني، قال أبو حاتم: صالح الحديث، عن أبي هريرة قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، إنك أنت المقدم والمؤخر، لا إله إلا أنت». الحديث بهذا السند كما سمعنا فيه المسعودي وهو مختلط، وخالد بن الحارث، الله أعلم به، سمع منه قبل الاختلاط أو بعده. فالحديث صحيح بشواهده. وأصل الحديث الصحيح جاء في «صحيح الإمام البخاري» من حديث ابن عباس في استفتاح النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الليل، في ضمن حديث طويل. وكذلك جاء في «صحيح الإمام مسلم» حديث آخر، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول بين التشهد والتسليم -يعني من آخر دعائه قبل التسليم في الصلاة-: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت»، وفي زيادة: «وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». فالحديث صحيح. وفي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت». ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام بالمغفرة مع أن الله عز وجل قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أهل العلم: هذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام، من تواضعه وهضمه لنفسه، وبيان عظيم إجلاله لله سبحانه وتعالى، وتعظيمه لربه. فكان يستغفر عليه الصلاة والسلام مع مغفرة الله عز وجل ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وقيل: إن استغفاره عليه الصلاة والسلام هو على سبيل التعليم، هو على سبيل التعليم، تعليمه لأمته مثل هذا الدعاء حتى يستأنسوا بفعله، وكذلك اقتدوا به عليه الصلاة والسلام. وقيل: هو لكل الأمرين، هو لكل الأمرين، لتواضعه عليه الصلاة والسلام، وعظيم إجلاله لربه، وكذلك أيضا لتعليمه لأمته، وكذلك لتعليمه لأمته. وذلك أن ما من عبد إلا وهو يذنب، غير معصوم من الخطأ، وغير معصوم من الذنب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيغفر الله لهم». ومعنى هذا أن الذنب لابد أن يقع من الإنسان، وليس المقصود الحث على الذنوب، لا، المقصود الحث على التوبة والإنابة والاستغفار والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، لأن الإنسان معرض للذنب والخطأ، غير معصوم من ذلك، كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم». فلذلك ينبغي على المسلم أن يحرص على الاستغفار، وأن يكثر من الاستغفار والتوبة من الذنوب، ويقتدي بذلك بالنبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر في اليوم أكثر من مائة مرة، كما جاء في الصحيح: أكثر من مائة مرة يستغفر الله عز وجل. وكان يعدون للنبي عليه الصلاة والسلام في المجلس الواحد مائة مرة: «رب اغفر لي وارحمني وتب علي، إنك أنت الغفور الرحيم». فإذا كان هذا حال النبي عليه الصلاة والسلام مع مغفرة الله عز وجل، فلا شك أن من كان دونه أولى وأحرى أن يكثر من الاستغفار، يكثر من الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، مع قلة الأعمال الصالحة وكثرة الغفلة والإقبال على الدنيا. فلا شك أننا أحوج إلى الاستغفار والتوبة. قال: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت»، يعني: ما قدمت قبل هذا الوقت، وما أخرت، أي: فيما سيقع، فأنت تدعو الله عز وجل أن يغفر لك ما قد حصل منك في الماضي، وهكذا أيضا يغفر لك ما قد سيقع منك في المستقبل، لأنك معرض للذنب والخطأ، فتستغفر الله عز وجل عما قدمت وأخرت. «وما أسررت وما أعلنت»، أي: كذلك ما حصل مني في السر والعلانية، أي: ما أظهرته وما أخفيته. فإنك تسأل من الله عز وجل أن يغفر لك ما أسررت وما أعلنت. وقيل: «ما أسررت وما أعلنت»: ما أسررت، ما حدثت به نفسك، وما أعلنت، ما تكلمت به بلسانك. والظاهر أن المعنى الأول أقرب: ما أسررت، أي: ما حصل في السر، وما أعلنت، ما حصل في العلانية والإظهار. فإنك تستغفر الله عز وجل وتسأل منه أن يغفر لك ذلك، ما حصل منك في السر والعلانية، وهذا يشمل كل ما يقع منك من ذنب وقطع، سواء كان مما هو كذلك من حديث النفس الذي يؤاخذ به الإنسان، مما يكون فيه هم وقصد لفعل، وهكذا أيضا ما يتكلم به الإنسان بلسانه. قال: «وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي؟» لأن الله عز وجل جل وعلا يعلم ما سيفعله العباد، وهو جل وعلا خالق العباد وأفعالهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فالله عز وجل يعلم ما سيفعله العبد وما سيقع منه، مما لا يعلمه العبد نفسه. أنت ما تعلم ما ستفعله في المستقبل، وما سيقع منك من خطأ أو ذنب، فأنت تستغفر الله عز وجل أن يغفر لك ما لم تعلمه مما علمه الله سبحانه وتعالى. «وما أنت أعلم به مني»، وهذا من كمال الاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، أنك تستغفر من ذنبك الذي قد وقع، والذي سيقع، والذي لا تعلمه، وقد علمه الله سبحانه وتعالى، تسأل من الله عز وجل أن يغفره لك. «إنك أنت المقدم والمؤخر»، المقدم والمؤخر، أي: أن الله عز وجل يقدم من شاءه بطاعته، وغيره، وغيرها، أي: من الأمور، سواء كان من أمور العبادات والطاعات أو غيرها من أمور الدنيا. وهكذا جل وعلا المؤخر، فيؤخر جل وعلا من شاء، فالتقديم والتأخير بيد الله سبحانه وتعالى. قال بعض أهل العلم: أراد النبي عليه الصلاة والسلام بذلك نفسه، إذ أنه عليه الصلاة والسلام المقدم في البعث في الآخرة، وهو المؤخر في البعث في الدنيا. فكان التقديم والتأخير من الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام ولأمته، وهذا لعله معنى من معاني التقديم والتأخير، وإلا فهو أعم من ذلك، فهو أعم من ذلك. «لا إله إلا أنت»، أي: لا إله معبود بحق، أو لا إله بحق إلا أنت، الذي يستحق العبادة وحده جل وعلا، هو الله الخالق جل وعلا، المتصرف في الخلق والملك والتقدير، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، فهو سبحانه الإله الذي يستحق العبادة وحده. «لا إله إلا أنت»، فهذا الدعاء من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان يدعو بها عليه الصلاة والسلام. وكما سمعنا كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء الذي يأتي به قبل التسليم -يعني في التشهد قبل أن يسلم- يختم دعاءه عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء. فهذا مما يستحب أن يقوله المرء في صلاته قبل التسليم، يختم دعاءه بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت».