شرح القواعد الأربع 7

شرح القواعد الأربع 7

الدرس في شرح القواعد الأربع 7، الدرس السابع:من( القاعدة الثالثة:أن النبي صلى الله عليه وسلم ظهر على أناس متفرقين ... وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفرق بينهم ). ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

القاعدة الثالثة واختلاف عبادات الكفار

يتحدث عن قاعدة قتال الكفار المختلفين في عباداتهم دون تفريق، ويبين قبح الشرك وتفرق أهله. يُظهر تعدد معبودات الكفار.

خطورة الشرك وتأثيره

يشرح خطورة الشرك وتأثيره على حياة الإنسان، حيث يسبب التشتت ويؤدي إلى ضيق الصدر. يشمل الشرك عبادة غير الله.

عموم الشرك وأثر الجهل به

يشرح مفهوم الشرك وعمومه، ويبين أهمية معرفته لتجنبه. يشمل الشرك عبادة مختلف المعبودات.

الدعاء والصلاة على النبي في الختام

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويُتبع بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويظهر تواضعًا واعترافًا بعلم الله.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَتَتِمَّةٌ لِمَا مَضَى ذِكْرُهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ، وَهِيَ الرِّسَالَةُ الَّتِي أَلَفَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وَذَكَرَ فِيهَا أَهَمَّ الْقَوَاعِدِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ فِيهَا، وَهِيَ قَوَاعِدُ عَظِيمَةٌ فِي بَابِ التَّوْحِيدِ وَالْمُعْتَقَدِ. وَكَانَتِ الْقَاعِدَةُ الْأُولَى تَدُورُ فِي بَيَانِ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيُّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانُوا يُقِرُّونَ بِوُجُودِ اللَّهِ -جَلّ وَعَلَا-، بَلْ وَيُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ وَهُوَ الرَّازِقُ، وَذَكَرْنَا مَبَاحِثَ مُتَعَلِّقَةً بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ. ثُمَّ كَانَ الْكَلَامُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ بَيَانُ أَنَّ الْكُفَّارَ تَوَجَّهُوا لِتِلْكَ الْمَعْبُودَاتِ بِالْعِبَادَةِ مِنْ بَابِ الْقُرْبَةِ وَالشَّفَاعَةِ: «مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى». وَكَانَ كَذَلِكَ الْحَدِيثُ عَنْ بَعْضِ الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشَّفَاعَةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: «الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ظَهَرَ عَلَى أُنَاسٍ مُتَفَرِّقِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْأَشْجَارَ وَالْأَحْجَارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ»، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَدِلَّةَ عَلَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي مَحَلِّهِ. فَفِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- مَا سَمِعْتُمْ، وَفِيهَا مَسَائِلُ مُهِمَّةٌ يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهَا. فَفِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: «أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ظَهَرَ عَلَى أُنَاسٍ مُتَفَرِّقِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ»، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ هَذِهِ الْمَعْبُودَاتِ: «مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الْحَجَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الشَّجَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الصَّنَمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الْوَثَنَ»، وَهَكَذَا يَقُولُ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. وَهَذَا يَسْتَفَادُ مِنْهُ -إِخْوَانِي فِي اللَّهِ- قَبَاحَةُ الشِّرْكِ، وَأَنَّ مِنْ قَبَاحَتِهِ أَنَّ أَهْلَهُ مُتَفَرِّقُونَ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمَعْبُودَاتِ. فَكُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ فَهُوَ فِي مُتَاهَةٍ، كُلُّ مَنْ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَى اللَّهِ -جَلّ وَعَلَا- فَهُوَ يَعِيشُ فِي ضَنْكٍ، وَيَعِيشُ فِي قَلَقٍ، وَيَعِيشُ فِي الضَّلَالِ. أَنْظُرْ إلَى الْكَافِرِ عِنْدَمَا أَعْرَضَ عَنْ رَبِّهِ -جَلّ وَعَلَا- كَيْفَ كَانَتْ حَيَاتُهُ؟ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَعْبُودٍ دُونَ آخَرَ، بَلْ الْكُلُّ يَأْخُذُ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْنَافَهُمْ فِي عِبَادَاتِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ -جَلّ وَعَلَا- لَا تَقُومُ عَلَى مِنْهَاجٍ، وَإِنَّمَا تَقُومُ عَلَى هَوًى، كُلُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَوَاهُ يَمِيلُ إلَى خَالِقٍ أَوْ إلَى مَخْلُوقٍ أَوْ إلَى مَعْبُودٍ عَبَدَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ -جَلّ وَعَلَا-. وَلِهَذَا عِنْدَمَا دَخَلَ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مَكَّةَ وَجَدَ حَوْلَهَا هَذِهِ الْأَعْدَادَ الْكَثِيرَةَ -مَا يُقَدَّرُ أَوْ مَا يُقَدَّرُ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَنَمًا- ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَنَمًا كَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، كُلُّهَا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ -جَلّ وَعَلَا-: إلَهٌ وَإِلَهٌ وَإِلَهٌ وَإِلَهٌ، مِئَاتُ الْآلِهَةِ، سُبْحَانَ اللَّهِ! مِئَاتُ الْآلِهَةِ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ -جَلّ وَعَلَا-. وَهَكَذَا حَالُ الْأُمَمِ وَالْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ عِنْدَمَا أَعْرَضَتْ عَنْ رَبِّهَا -جَلّ وَعَلَا- كَانَ هَذَا حَالُهُمْ. يُذْكَرُ أَنَّ فِي بَعْضِ الْمَنَاطِقِ مِمَّنْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَالْأَوْثَانَ وَالْأَرْجَاسِ يَذْهَبُونَ إلَى سُوقٍ يُسَمَّى سُوقَ الْأَصْنَامِ، تَذْهَبُ تَجِدُ مَحَلَاتٍ عَنْ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ، وَتَجِدُ مَجْمُوعَةً مِنْ نَجَّارِينَ يُعْرِضُونَ سِلَعَهُمْ، مَا هِيَ السِّلَعُ؟ يَبِيعُونَ أَصْنَامًا! مَا هَذَا؟! يَقُولُ لَكَ: «هَذَا صَنَمُ الْمَحَبَّةِ، وَذَاكَ صَنَمُ الْمَطَرِ، وَذَاكَ صَنَمُ النَّبَاتِ، وَذَاكَ يَقُولُ لَكَ: إلَهُ الْجِبَالِ، وَهَذَا إلَهُ السَّحَابِ، وَهَذَا إلَهُ النَّارِ»، إذَنْ: «اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ رَبَّهُ، مَنْ يُرِيدُ رَبَّ الْجِبَالِ يَشْتَرِي بِكَذَا أَلْفٍ». انْظُرْ -أَخَوَانِي- إلَى الْمَهْزَلَةِ! تُبَاعُ الْآلِهَةُ، تُبَاعُ الْأَرْبَابُ فِي السُّوقِ! وَانْظُرْ إلَى هَذَا كَمَا قَالَ رَبُّنَا -جَلّ وَعَلَا-: «أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ». فَالْكَافِرُ يَتَشَتَّتُ فِي دِينِهِ وَفِي مُعْتَقَدِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا أَعْرَضَ عَنْ رَبِّهِ. وَلِهَذَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي بَعْضِ كُتُبِهِ عِنْدَمَا تَكَلَّمَ عَنْ أَسْبَابِ شَرْحِ الصَّدْرِ، ذَكَرَ مِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ التَّوْحِيدَ: «إنَّ أَعْظَمَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَنْشَرِحُ لَهَا الصُّدُورُ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِالْمِثْلِ: «أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَضِيقُ لَهَا الصُّدُورُ الشِّرْكَ، الْمُشْرِكُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ ضِيقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي إلَى مَنْ يَلْتَجِئُ، يَلْتَجِئُ إلَى هَذِهِ الْآلِهَةِ، فَإِنْ لَمْ تَنْفَعْهُ اسْتَبْدَلَهَا بِأُخْرَى، فَإِنْ لَمْ تَنْفَعْهُ الثَّانِيَةُ اسْتَعَوَضَهَا بِثَالِثٍ». كَانَ الْجَاهِلِيُّ يَعْبُدُ حَجَرًا مَا، فَإِذَا وَجَدَ حَجَرًا أَفْضَلَ مِنْ هَذَا الْحَجَرِ رَمَى هَذَا وَأَخَذَ الثَّانِيَ، يَسْتَبْدِلُ «يَبِيعُ رَبَّهُ بِشَيْءٍ لَا شَيْءَ»، فَيَأْخُذُ فَتْرَةً مِنْ الزَّمَنِ عَلَى هَذِهِ الْعِبَادَةِ، فَإِنْ رَأَى حَجَرًا أَطْيَبَ وَأَفْضَلَ وَأَحْلَى أَخَذَ ذَلِكَ وَرَمَى الْأَوَّلَ، وَهَكَذَا دِينُهُ. وَمِمَّا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ يَتَّخِذُ مَعْبُودًا لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، يُنَادِي: مَثَلًا «الْعِيدْرُوسُ، يَا عِيدْرُوسُ، يَا عِيدْرُوسُ!». إنْ أَرَادَ مَثَلًا الْوَلَدَ، فَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ الْعِيدْرُوسُ قِيلَ لَهُ: «يَا أَخِي، نَادِ الْمِحْبَارَ! الْمِحْبَارُ سِرُّهُ أَعْظَمُ»، فَيَسْتَبْدِلُ بِالْعِيدْرُوسِ الْمِحْبَارَ، وَهَكَذَا، فَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ لَا هَذَا وَلَا ذَاكَ انْتَقَلَ إلَى الْبَدَوِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ الْبَدَوِيُّ وَالْمِحْضَارُ وَالْعِيدْرُوسُ انْتَقَلَ إلَى الرِّفَاعِيِّ، وَهَكَذَا يَنْتَقِلُ مِنْ آلِهَةٍ إلَى آلِهَةٍ، وَمِنْ طَاغُوتٍ إلَى طَاغُوتٍ يُعْبَدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ -جَلّ وَعَلَا-. وَهَذَا حَالُ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ رَبِّهِ -جَلّ وَعَلَا-. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا: «رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ، وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ، هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا؟ لَا يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَبَدًا». أَنْ تَكُونَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- تَحْتَ مَعْبُودٍ وَاحِدٍ -جَلّ وَعَلَا- تُعَبِّدُهُ، وَتَكُونَ لَهُ الْمَحَبَّةُ وَالتَّعْظِيمُ، بِخِلَافِ مَنْ تَشَتَّتَ هَمُّهُ وَتَشَتَّتَ فِكْرُهُ، فَتَوَزَّعَتْ أَفْكَارُهُ لِهَذِهِ الْآلِهَةِ. وَكَانَ هَذَا حَالُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي عِبَادَاتِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الْحَجَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُدُ الشَّجَرَ. وَالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ كَذَلِكَ تَسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْمَقْطَعِ فِي بَيَانِ أَنَّ الشِّرْكَ الَّذِي يَكُونُ صَاحِبُهُ مُشْرِكًا لَا يَخْتَصُّ فَقَطْ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَحْجَارِ، وَهَذَا الظَّنُّ الَّذِي يَظُنُّهُ الْكَثِيرُ مِنْ الْجُهَّالِ وَمِنْ عَوَامِّ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، حِينَ ظَنُّوا أَنَّ الشِّرْكَ إنَّمَا يَقْتَصِرُ فِي عِبَادَةِ الْأَحْجَارِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الصَّالِحِينَ عَلَى حَدِّ زَعْمِهِمْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ: «أَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ شِرْكًا، لَا يُعَدُّ شِرْكًا!». فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ نَصَبَ تِمْثَالًا فَأَخَذَ يَدْعُوهُ وَيَلْتَجِئُ إلَيْهِ يَقُولُ: «هَذَا الشِّرْكُ، هَذَا لَا إشْكَالَ، هَذَا صَاحِبُهُ كَافِرٌ، مُرْتَدٌّ عَنْ دِينِ اللَّهِ». لَكِنْ إنْ قِيلَ لَهُمْ: «اسْتَبْدِلْ بِهَذَا الصَّنَمِ بِوَلِيٍّ»، يَقُولُ: «لَا، مَا فِي شَيْءٍ! تَدْعُو هَذَا الرَّجُلَ الصَّالِحَ، تَسْتَغِيثُ بِهِ، تَهْتِفُ بِاسْمِهِ، لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ!». مَا هَذَا التَّفْرِيقُ؟! نَعَمْ نُفَرِّقُ! يَقُولُونَ: «إنَّ الْأَحْجَارَ وَالْأَصْنَامَ هَذَا الَّذِي إذَا عُبِدَتْ تَكُونُ شِرْكًا»، وَهَذَا تَقْسِيمٌ بَاطِلٌ، وَهَذَا فِكْرٌ كَاسِدٌ فَاسِدٌ، لَيْسَ عَلَيْهِ آثَارٌ مِنْ عِلْمٍ. بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ عَبَدَ صَنَمًا فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَنْ عَبَدَ رَجُلًا وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا فَهُوَ أَيْضًا مُشْرِكٌ. وَلِلدَّلِيلِ عُذَارٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، نُقَصِّرُ عَلَى بَعْضِهَا. مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هَا هُنَا، حَيْثُ قَالَ: «وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ». أَيْ: أَنَّ نَبِيَّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي سِيرَتِهِ عِنْدَمَا قَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ قَاتَلَهُمْ عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ، لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ يَعْبُدُ الْوَسَنَ وَبَيْنَ مَنْ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، وَبَيْنَ مَنْ يَعْبُدُ الصَّالِحَ، وَبَيْنَ مَنْ يَعْبُدُ النَّبِيَّ. كَانَ مِنْ كُفَّارِ الْعَرَبِ مَنْ يَتَوَجَّهُ لِلصَّالِحِينَ كَاللَّاتِ وَهَكَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَتَوَجَّهُ لِلْأَنْبِيَاءِ كَالنَّصَارَى، وَمِمَّا تَوَجَّهَ إلَى الْجَمَادَاتِ كَالْوَثَنِيِّينَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَاتَلَهُمْ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ، لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ هَذَا وَذَاكَ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ عَلَى الْعُمُومِ، فَمَنْ تَوَجَّهَ إلَى وَثَنٍ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَنْ تَوَجَّهَ إلَى صَالِحٍ وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا فَهُوَ أَيْضًا مُشْرِكٌ. وَأَيْضًا عُمُومُ الْأَدِلَّةِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. يَقُولُ رَبُّنَا -جَلّ وَعَلَا-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، وَيَقُولُ الْعُلَمَاءُ: «النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ تُفِيدُ الْعُمُومَ»، «فَوَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»، أَيْ شَيْءٍ، لَمْ يُحَدِّدْ رَبُّنَا -جَلّ وَعَلَا-، وَلَمْ يُخَصِّصْ كَائِنًا دُونَ كَائِنٍ أَوْ شَيْئًا عَنْ شَيْءٍ. فَالْمُؤْمِنُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشْرِكَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ هَذَا الشَّرِيكِ كَانَ صَلَمًا أَوْ كَانَ وَثَنًا، وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا أَوْ صَالِحًا، فَالْعُمُومَاتُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَرِّقَ؛ لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى الْعُمُومِ. وَأَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَفْظُ الشِّرْكِ، فَلَفْظُ الشِّرْكِ مِنْ تَعَرَّفَ إلَى مَعْنَى الشِّرْكِ عَلِمَ أَنَّ الشِّرْكَ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَوْلِيَاءُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ هُوَ أَنْ يُشْرِكَ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا فِي خَصَائِصِ الرَّبِّ -جَلّ وَعَلَا-. وَمِنْ أُمُورٍ أَوْقَعَتِ النَّاسَ فِي الشِّرْكِ وَفِي الضَّلَالِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَتَفِقُوا فِي دِينِ اللَّهِ -جَلّ وَعَلَا-، وَلَمْ يَتَفَطَّنُوا إلَى بَابِ الشِّرْكِ، وَالَّذِي كَانَ السَّلَفُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى- يَهْتَمُّونَ بِهَذَا الْبَابِ، لَيْسَ حُبًّا فِيهِ، بَلْ خَوْفًا مِنْهُ. كَمَا قَالَ حُذَيْفَةُ: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُ عَنْ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي». فَالسَّلَفُ كَانُوا يَهْتَمُّونَ بِالشِّرْكِ بِمُصْطَلَحَاتِهِ، وَبِتَقَاسِيمِهِ، وَبِتَعَارِيفِهِ؛ حَتَّى لَا يَقَعُوا فِيهِ. وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا قَوْلُ السَّلَفِ: «أَنَّ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ مَنْ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَيْهَا وَقَعَ فِي ضِدِّهَا». فَالَّذِي لَا يَتَعَرَّفُ عَلَى السُّنَّةِ يَقَعُ فِي الْبِدْعَةِ، وَالَّذِي لَا يَتَعَرَّفُ عَلَى التَّوْحِيدِ يَقَعُ فِي الشِّرْكِ. فَكَوْنُ النَّاسِ لَمْ يَتَفِقُوا عَلَى مُصْطَلَحَاتِ التَّوْحِيدِ وَلَا عَلَى مُصْطَلَحَاتِ الشِّرْكِ أَوْقَعَهُمْ هَذَا فِي هَذَا الْخَلْطِ وَالْخَبْطِ. فَالْكَثِيرُ مِنْ هَؤُلَاءِ إنْ سُئِلُوا عَنْ الشِّرْكِ مَا عَرَفُوا مَا هُوَ الشِّرْكُ، كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ إنْ سُئِلُوا عَنْ الشِّرْكِ قَالَ: «الشِّرْكُ أَنْ تَعْبُدَ الْوَثَنَ!»، هَذَا عِنْدَهُمُ الشِّرْكُ وَانْتَهَى الْبَابُ، غَيْرُ هَذَا لَيْسَ بِشِرْكٍ! وَهَذَا مِنْ جَهْلِهِمْ. وَلِهَذَا مِنْ تَأَمَّلَ فِي تَعْرِيفِ الشِّرْكِ فِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي هَذَا الشِّرْكِ، وَفِي مَعْنَى الشِّرْكِ كُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْمَعْبُودَاتِ، مِنْ جَمَادٍ أَوْ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ. وَهَكَذَا يَعْنِي: مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الشِّرْكَ لَيْسَ فِيهِ تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْجَمَادِ وَالْجَمَادِ، وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ: أَنَّ هَؤُلَاءِ يَنْقُصُهُمُ الدَّلِيلُ. فَالَّذِي يُفَرِّقُ مَثَلًا يَقُولُ: «مَنْ تَوَجَّهَ إلَى صَنَمٍ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَنْ تَوَجَّهَ إلَى صَالِحٍ لَيْسَ مُشْرِكًا!»، فَهَؤُلَاءِ يَحْتَاجُونَ إلَى دَلِيلٍ. أَيْنَ الدَّلِيلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ؟! لَوْ بَحَثُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَتَأَمَّلُوا فِي السُّنَّةِ، وَمَاذَا؟ وَاسْتَقَرَوْا كَلَامَ الْعُلَمَاءِ، لَنْ يَجِدُوا أَحَدًا أَبَدًا يُفَرِّقُ بَيْنَ التَّوَجُّهِ إلَى مَخْلُوقٍ أَوْ التَّوَجُّهِ إلَى جَمَادٍ؛ فَإِنَّ الْكُلَّ يُعْتَبَرُ مَاذَا؟ شِرْكًا بِاللَّهِ -جَلّ وَعَلَا-. وَبَقِيَ ثَمَّةُ الْكَلَامُ -إنْ شَاءَ اللَّهُ- تُدْرَكُ فِي دَرَسٍ قَادِمٍ. فَأَسْأَلُ مَوْلَايَ -جَلّ وَعَلَا- أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.