الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 18، ألقاها
العلم النافع هو الذي يعرف به العبد ربه ويطمئن قلبه، ويترجم إلى أعمال صالحة. العلم الذي لا يترجم إلى عمل يصبح حجة على صاحبه يوم القيامة.
يُصنف العلماء حسب معرفتهم بالله وأحكام الشريعة، وأعلى المراتب هو من جمع بين العلم بالله والخشية منه. العلم النافع يقرب العبد من ربه ويجعله يخشاه.
أصل العلم هو العلم بالله الذي يوجب خشيته ومحبته، ويليه العلم بأحكام الله. العلم النافع يؤدي إلى القلب الخاشع والنفس القانعة والدعاء المسموع.
كأنه يراه، قال: فالعلم النافع ما عُرف بين العبد وربه، كأن الأصوب: ما عرف به العبد ربه، أو معرفة بين العبد وربه، قال: ودله عليه حتى عرف ربه وحده، وأنس به، واستحى من قربه، وعبده كأنه يراه. ومعنى هذا أن العلم النافع يعرف به العبد ربه، يتعرف على الله جل وعلا بما يتعلم من وقوفه على أسماء الله وصفاته، وعلى كذلك أيضاً أفعاله وعظيم صنعه وخلقه، فيزداد القلب معرفة بالله، ويطمئن، ويأنس بالله سبحانه وتعالى، ويعبد الله عز وجل عبودية الخوف المراقى، يعبد الله كأنه يراه، نعم، يعبده كأنه يرى الله جل وعلا. ولهذا قال الطائفة من الصحابة: إن أول علم يرفع من الناس الخشوع، وروي هذا مرفوعاً، رواه طبراني عن شداد بن أوس، وهو في صحيح الجامع بلفظ: أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع؛ حتى لا ترى فيها خاشعاً، نعم، هو بهذا اللفظ رواه طبراني عن أبي الدرداء: أول ما يرفع في هذه الأمة الخشوع؛ يعني يقل الخشوع في الناس، وقل أن ترى خاشعاً. قال: وقال ابن مسعود: إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ؛ نفع. وهذا الأثر معناه أنهم يقرؤون القرآن بألسنتهم، ولا تتأثر به قلوبهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم؛ لا يجاوز حناجرهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ؛ نفع؛ يعني ما ينتفع به الإنسان من القرآن ما وقع في القلب وأثر في قلبه، ليس مجرد تحريك اللسان بالتلاوة والقراءة، نعم، هذا يوجع عليه الإنسان أن يقرأ القرآن بلسانه، لكن المقصود هو انتفاع القلب وتحريك هذه القلوب بكتاب الله جل وعلا. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله يوجد فيه اختلافاً كثيراً. فالمقصود من إنزال القرآن هو التدبر؛ تدبر هذا القرآن، قراءته بتدبر وتمعن وتفهم وخشوع، كما قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فتحريك القلب وانتفاع القلب بسماع القرآن وتلاوته هذا الذي يحصل به النفع. قال: وقال الحسن: العلم علمان؛ فعلم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذلك العلم النافع. وهذا الأثر روي مقطوعاً من قول الحسن، وروي مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وروي مرسلاً من مراسيل الحسن، وهو ضعيف، وهكذا أيضاً جاء من حديث أنس مرفوعاً، وهو ضعيف جداً، وقال الألباني رحمه الله: منكر مرفوعاً، لا يصح رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هو ثابت من قول الحسن البصري. قال: العلم علمان؛ فعلم على اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم؛ يعني ما يتكلم به الإنسان بلسانه، فهذا حجة الله عليه، هذا حجة الله عليه يوم القيامة، ما قاله بلسانه فإنه حجة عليه إذا لم يعمل به؛ فقد ماذا؟ أقام الحجة على نفسه. وعلم في القلب؛ فذلك العلم النافع؛ الخشية والخشوع والخوف من الله سبحانه وتعالى؛ هذا الذي يثمر الأعمال الصالحة، وهو الذي ينتفع به الإنسان في الدنيا والآخرة. وأما مجرد قول اللسان؛ ربما أن الإنسان يتكلم كلاماً كثيراً، ويقول قولاً كثيراً، لكن ليس عنده شيء من العمل، ولا عنده شيء من الخوف والخشية من الله؛ فهذا لا ينتفع بهذا العلم الذي عنده، بل هو حجة عليه يوم القيامة. قال: وكان السلف يقولون: العلماء ثلاثة؛ عالم بالله، وعالم بأمر الله، وعالم بالله ليس عالم بأمره، وعالم بأمر الله ليس عالم بالله. هذا الأثر ذكره ابن كثير رحمه الله في تفسيره عن سفيان، عن أبي حيان التميمي، عن رجل، ثم فيه زيادة في آخره وتفسير لهذه الأصناف الثلاثة. قال: فالعالم بالله والعالم بأمر الله: الذي عنده خشية لله ومعرفة بحدود الله وفرائضه؛ هذا هو العالم بالله وبأمر الله، وهو في أرفع المنازل. وعالم بالله ليس عالم بأمره: إنسان عنده خوف من الله وعنده خشية من الله؛ هذا عالم بالله، لكن في أمور الشريعة هو جاهل، ما عنده علم بأحكام الله وفرائض الله؛ ليس عالم بأمر الله، وهذا في الدرجة الثانية. والثالث: عالم بأمر الله ليس عالم بالله؛ وهذا في أدنى المنازل؛ الذي عنده علم بأحكام الشريعة، وعلم بحدود الله وفرائضه، لكن ليس عنده علم بالله، ولا خوف ولا خشية من الله؛ فهذا في أدنى هذه المراتب. قال: وأكملهم الأول؛ وهو الذي يخشى الله ويعرف أحكامه؛ عنده خشية من الله، وعنده معرفة بأحكام الله وفرائض الله سبحانه وتعالى؛ فهذا في أرفع المنازل. قال: فالشأن كله في أن العبد يستدل بالعلم على ربه؛ فيعرفه، فإذا عرف ربه فقد وجده منه قريباً، وقربه إليه، وأجاب دعاءه. والمعنى أن العلم النافع الذي يعرف العبد بربه ويقربه منه، وكذلك أيضاً يجعل في قلبه الخوف والخشية من الله سبحانه وتعالى. قال: كما في الأثر الإسرائيلي: «ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء». هذا الأثر ذكره ابن كثير رحمه الله في تفسيره، قاله في الأثر وذكره، وهو من الإسرائيليات والأخبار الإسرائيلية، كما نعلم: ما كان منها مخالفاً لما جاء في الشريعة فمردود، وما كان منها موافقاً أخذ به لموافقة الشريعة له، وما لم يكن فيه ذلك فإنه لا يصدق ولا يكذب؛ فيتوقف فيه، ويجوز روايته لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». ومعنى هذا الأثر صحيح، ويدل على معناه ما تقدم في حديث ابن عباس: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة»، وكذا حديث أبي هريرة: «وما يزال عبد يتقرب لي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعذنه». ومعنى أن العبد كلما تقرب إلى الله وقويت صلته بالله؛ فإن ذلك سبب لقرب الله منه، وسماع دعائه، واستجابته لمطالبه. قال: وكان ذنون يكرر هذه الأبيات، وذنون المصري من المتصوفة، وكان صاحب عبادة، قال: كان يكرر هذه الأبيات بالليل: أطلبوا لأنفسكم مثل ما وجدت أنا، قد وجدت لي سكناً ليس في هواه، عنى: إن بعدت قربني، وإن قربت منه دنا. وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول عن معروف: أصل العلم خشية الله، معروف الكرخي كان من عنده خوف من الله سبحانه وتعالى على قلة علمه بالحدود والفرائض؛ كان قليل العلم، قيل في مجلس الإمام أحمد رحمه الله وقل ذكر أي معروف، فقيل: إنه قصير العلم، فقال أحمد رحمه الله: أمسك عافاك الله، وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف؟ يعني الخوف والخشية من الله سبحانه وتعالى؛ هذا هو أصل العلم، هذا هو أصل العلم وأساس العلم. فالعلم الذي عند الإنسان مهما كثر؛ إذا كان لا يوصله إلى الخوف من الله والخشية من الله؛ فلا خير في هذا العلم الذي عنده، ولا نفع فيه، نعم، لابد أن يوصل العلم صاحبه إلى الخشية من الله؛ هذا هو دليل العلم النافع. قال: فأصل العلم العلم بالله الذي يوجب خشيته ومحبته والقرب منه والأنس به والشوق إليه، ثم يتلوه العلم بأحكام الله وما يحبه ويرضاه من العبد من قول أو عمل أو حال أو اعتقاد. إذن أصل العلم هو العلم بالله؛ أن يعرف العبد ربه معرفة توجب له الخشية من الله جل وعلا، والخوف ومحبة العبد لربه، والقرب منه، ومحبة مناجاته، والأنس بذكر الله، وبطاعة الله، وبعبادة الله، والشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى؛ هذا هو أصل العلم. ثم بعد ذلك يتلوه العلم بأحكام الله؛ معرفة أحكام الشريعة، أحكام الصلاة، أحكام الصيام، أحكام الزكاة، أحكام البيوع، أحكام الحج، إلى آخره من الأحكام الشرعية، ثم معرفة ما يحبه ويرضاه؛ معرفة ما يحبه ويرضاه من الأقوال والأفعال؛ فيفعلها، وما يكرهه ويأباه؛ فيتركه، ويجتنبه، ويبتعد عنه. قال: فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه علماً نافعاً، وحصل له العلم النافع، والقلب الخاشع، والنفس القانعة، والدعاء المسموع. ومن فاته هذا العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم، ويريد بذلك حديث زيد في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من أربع: من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع». فمن دلائل العلم النافع تحقيق هذه الأمور الأربعة: أن يكون العلم نافعاً؛ فينتفع به، وقلب خاشعاً، وكذلك أيضاً نفس قانعة غير طامعة، وكذا أيضاً دعاء مسموع؛ إذا دعا الله استجاب الله جل وعلا له؛ هذه كلها من دلالات ونتائج العلم النافع. قال: وصار علمه وبالاً وحجة عليه؛ فلم ينتفع به؛ يعني إذا لم تتحقق له هذه الأمور الأربع؛ صار هذا العلم الذي عنده حجة عليه لا له؛ لأنه لم يخشع قلبه لربه، ولم تشبع نفسه من الدنيا؛ بل ازداد عليها حرصاً، ولها طلباً؛ هذا من دلائل عدم الانتفاع بالعلم؛ إذا كان الإنسان ذا طمع وحب للدنيا وحرص عليها، وانكباب عليها؛ فهذا من دلائل عدم الانتفاع بالعلم. أو كذلك أيضاً ليس عنده خشوع ولا خشية ولا خوف من الله سبحانه وتعالى، قال: ولم يسمع دعاؤه؛ لعدم امتثاله لأوامر ربه، وعدم اجتنابه لما يسخط ويكرهه. هذا إن كان علمه علم يمكن الانتفاع به؛ وهو المتلقى عن الكتاب والسنة. فإن كان متلقى عن غير ذلك؛ فهو علم غير نافع في نفسه، ولا يمكن الانتفاع به؛ بل ضره أكثر من نفعه. يقول: هذه الأمور التي يرى تحقيقها؛ إذا لم تتحقق بما عندهم من العلم؛ إذا كان علمه مما يمكن الانتفاع به، وأن ينتفع به الإنسان؛ وهو ما كان متلقاً من الكتاب والسنة؛ أي من علوم الشريعة. وهذا هو ماذا الأصل في العلم الممدوح والعلم النافع؛ هو علم الكتاب والسنة؛ فإذا لم ينتفع به؛ إذا لم ينتفع بما عندهم من علم بالكتاب والسنة؛ فهذا أولى ألا ينتفع؛ إذا كان العلم الذي عنده ليس مما يؤخذ وينتقى من الكتاب والسنة؛ بل من العلوم ومصادر أخرى؛ كعلم الكلام والفلسفة، وكذلك غيرها من هذه العلوم؛ فهذا في ذات نفسه هو علم غير نافع؛ هو في ذات نفسه علم غير نافع؛ فكيف يحصل له الانتفاع به؟ بل ضره أكثر من نفعه. وكلامه هنا رحمه الله هو في العلم الذي يمكن الانتفاع به؛ علم الشريعة، علم الكتاب والسنة؛ هذا الذي ينبغي أن يتحقق لطالبه هذه المقاصد وهذه المطالب؛ أن يؤثر في قلبه؛ فيجعل فيه الخشية والخوف من الله جل وعلا، وأن يجعل فيه القناعة والزهد في الدنيا، وعدم الطمع في متاع هذه الحياة. وكذلك أيضاً أن يجعل بينه وبين ربه جل وعلا صلة؛ إذا دعاه استجاب له، وإذا سأله أعطاه؛ فهذه الأمور التي يرى تحقيقها من هذا العلم النافع؛ علم الكتاب والسنة؛ حتى يصير أخذه وطلبه لهذا العلم ماذا؟ طلباً نافعاً، وكذلك تحصيله؛ تحصيلاً للعلم النافع. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين.