الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 55، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي البخاري بسند عالٍ عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن البيع على البيع والخطبة على الخطبة، وفسر الخطبة على الخطبة بأن لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب الأول أو يأذن له. وبين صور البيع على البيع ومنها الزيادة على المشتري بعد العقد والمساومة على السلعة أثناء التفاوض.
يشرح المقطع مفهوم السوم وهو ركون المشتري على سعر ثم زيادة آخر عليه، ويعتبر ذلك سومًا على سوم أخيه ومحرمًا، وكذلك العكس في البيع على البيع. ويستثني جمهور العلماء الحراج (المزاد) فيجوز الزيادة فيه حتى بعد الركون مستدلين بأحاديث نبوية في بيع النبي صلى الله عليه وسلم بالزيادة.
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك»، مبيناً أنه لا يجوز للمسلم أن يتقدم لخطبة امرأة وهو يعلم أن أخاه المسلم قد سبق إليها إلا إذا أذن له الأول أو انتهت خطبته. والراجح تحريم ذلك لنهي الشارع عنه، أما من خطب جهلاً بخطبة غيره فلا حرج عليه.
يذكر الشيخ أن من رُدَّت خطبته أو تركها يجوز له أن يخطب مرة أخرى لانتهاء الخطبة السابقة، ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال الحديث في درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع». حتى ينكح: أي حتى يتزوج، أو أنه يترك؛ إذا ترك فلا بأس بذلك، كما سيأتي. قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، وهو حنظلي تميمي خراساني، طلب العلم في المشرق، وخاصة في الحرمين: في مكة والمدينة، ورحل وهو... أو طلب العلم مبكرًا، ورحل كذلك مبكرًا، وسمع من الكبار، ولهذا أخرج البخاري عنه بعض الأحاديث من طريق الثلاثي. قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: أنا من ثلاثي، أي ثلاثة بين النبي صلى الله عليه وسلم والبخاري: أنا يروي مكي بن إبراهيم عن يجيد بن عبيد، عن سلمة بن الأكوع، عن النبي عليه الصلاة والسلام. لأن أكثر أسانيد البخاري أربعة وما فوق، لكن أحيانًا يأتي بإسناد في ثلاثة، وهذا يعتبر من عوالي البخاري، يعني الحديث العالي الذي رواه رحمه الله عليه. قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، إمام الحرم المكي وعالم أهل مكة. قال: سمعت نافعًا يحدث أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقول: «نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب». فهذا الحديث فيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن البيع على البيع، والخطبة على الخطبة. على الخطبة: لا يجوز للرجل أن يبيع على بيع أخيه. وهذه المسألة -مسألة البيع- لها صور، لكن أظهرها صورتان: الصورة الأولى: أن يكون قد باع، مثل إنسان في دكان مثلًا باع شيئًا من البضاعة، فقال مثلًا: بعت لبنًا بكذا وكذا، فجاء رجل آخر وقال له: أنا أشتريه منك، أي يقول للبايع: أنا أشتريه منك بأكثر مما أعطاك. فهذا لا يجوز، هذا بيع على بيع. والصورة الثانية: إذا ركن، وهي المساومة. ولهذا جاء في بعض الروايات: «ولا يسوم أحدكم على سوم أخيه». والسوم هو الركون، أن يركن في البيع. معناه: أن يأتي المشتري فيشتري من البايع فيقول له: أريدها بكذا، فكأن البايع رضي بهذا. فممكن مثلًا يريد أن يناوله البضاعة، أو قبل، أو مثلًا سكت كأنه رضي بهذا السعر، فيقوم آخر فيقول: أنا سأعطيك أكثر منه. فهذا سوم على سوم أخيه، لأنه قد ركن، قد رضي. وعكسهما أيضًا صورتان، وعكسهما أيضًا للمشتري: إذا رضي البايع على البيع، فمثلًا... معنى: واشترى المشتري، فيقول مثلًا: أنا... مثلًا هذه البضاعة... مثلًا المشتري يقول: أقصد البايع... معنى: بايع آخر يقول له: أنا أعطيك إياها أقل من هذا السعر. أنا يأتي مثلًا إنسان عند... يحضر البيع وهو أيضًا يبيع، فاشترى هذا الرجل وأعطاه البضاعة، فيقول له: أنا سأعطيك أكثر من هذا، أو أقل من هذا السعر. هذا أيضًا داخل في البيع على البيع، وكذلك السوم على السوم نفسه. واستثنى العلماء إذا كان الأمر حراجًا، وهذا قول جمهور العلماء. وجاء في ذلك حديث صححه كثير من العلماء: أن النبي صلى الله عليه وسلم باع بدينار... أو في كعب، وزاد معنا، وزاد معنا، أي: نادة بالزيادة. وجاء في حديث نعيم بن همار لما أوصى أن يعتق عبده من دبر، وليس عنده غيره، فباعه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «من يشتري هذا بدينار وكذا أو يزيد؟» فأجاز العلماء الحراج؛ عندما يحصل الحراج على سلعة فهذا يجوز، حتى لو ركن البايع، يجوز أن هناك من يزيد في السلعة؛ لأنها صارت على المزيد، صارت على المزيد. فيقول مثلًا: هذا عندي عشرة آلاف، ثم يقال للمشتري، أو يقال للبايع: بعت؟ فيقول: بعت، أو يسكت، فيقول آخر: أنا عندي كذا وكذا، يزيد. فهذا لا بأس، لأن هذا يستثنى من هذه المسألة. وأيضًا المسألة التي في الباب أيضًا، قال: «ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه». ثم ذكر حديث يحيى بن بكير: قال: حدثنا يحيى بن بكير، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري. قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، قال: قال أبو هريرة يروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا...» وهذا إن شاء الله نتركه. «ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك». فهذا فيه الحديث، إن شاء الله الحديث نتركه أيضًا في درس اللحن، لكن هنا وجه الشاهد هو قوله: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك». فهذا فيه أيضًا عدم جواز أن ينكح الرجل... أن يخطب على خطبة أخيه. ومعنى ذلك: أنه يعلم أن فلانًا قد تقدم عند فلان، فيذهب هو ويخطب مرة أخرى، يخطب هذه المرأة. فهذا لا يجوز، لا يجوز أن يخطب على خطبة أخيه حتى يترك، أو يذر، أو يأذن له. يأذن له يقول: خلاص، جرب حظك أنت، معنى: تريد عندها وخطب. فهذا لا بأس إذا أذن. أما إذا لم يأذن، فخطب بدون إذنه وقبل أن يذر ويترك، وكذلك أيضًا وهو يعلم ذلك، فهذا لا يجوز. وهو قول عند أحمد أنه حرام، وبعض العلماء قال: يكره. لكن الصحيح أنه لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه. «ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك». لأن هذا مما يحز في النفوس، فلذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه. فقال: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك». أي: حتى يتزوج، أو يترك هذه الخطبة، أو يردون له مثلًا أهل المرأة، يقولون: خلاص نحن ما نريد، فلك بعد ذلك أن تخطب عندهم. لكن بهذه الشروط كما قلنا: إذا كان يعلم. أما إذا كان لا يعلم أن فلانًا خطب عندهم فخطب، فلا شيء عليه؛ لأنه لا يعلم أن فلانًا خطب. أما إذا كان يعلم، فلا ينبغي له أن يخطب على خطبة أخيه. أو كذلك أيضًا لم يترك، ولم يتزوج... يعني: إذا تزوج خلاص انتهى. وأما إذا ترك أو رد، فله بعد ذلك أن يخطب؛ لأنه انتهت خطبته، انتهت خطبته. فهذا ما يذكر في هذا المقام. إن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق في الحديث الآخر. والحمد لله رب العالمين.