كتاب النكاح من صحيح البخاري 53

كتاب النكاح من صحيح البخاري 53

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث إذن البكر وصمتها

يشرح المقطع حديث عائشة رضي الله عنها: «إذن البكر صماتها»، مبينًا أن الولي لا يزوج البكر إلا بعد استئذانها، وأن سكوتها يعد رضا. كما ينقل خلاف الفقهاء في علامات الرضا والكراهة، حيث يشترط المالكية عدم وجود نفور أو بكاء، بينما يشترط الشافعية اقتران البكاء بالصياح.

حكم سكوت البكر البالغة واختلاف الأولياء

يُعد سكوت البكر البالغة عند استئذانها رضا بها عند جمهور العلماء، حتى لو صاحبته دموع أو قيام، ولا يبطل العقد بظهور رفض لاحق. اختلف الفقهاء في جواز تزويج الأب لابنته البكر البالغة بغير إذنها، فذهب الجمهور إلى جوازه، بينما منعه بعض الكوفيين والأوزاعي، كما اختلفوا في اعتبار سكوتها إذنًا عند غير الأب من الأولياء.

إجبار الأب للبكر والفرق بين البكر والثيب

يجوز للأب تزويج ابنته البكر دون استئذانها، فإن سكتت صح العقد، وإن رفضت بطل؛ أما الثيب فلا بد من إذنها الصريح. اختلف العلماء في إجبار البكر على النكاح إذا رفضت بلا سبب، وذهب الجمهور إلى أن قول البكر «نعم» رضا صريح، بينما تمسك الظاهرية بظاهر الحديث أن رضاها سكوتها فقط، ورد العلماء عليهم بأن النطق بالرضا أوضح دلالة.

ختام الدرس وتذكير بالاجتماع الليلي

يعبر المتحدث عن نيته إنهاء المسائل المطروحة مستعيناً بالله، ويذكر الحضور بأنه سيكون هناك اجتماع في هذه الليلة إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها». أُخذ الحديث الأول، وبقي الحديث الثاني. قال: حدثنا عامر بن ربيع، ابن طارق، عامر بن ربيع ابن طارق، وهو بصري، أو هو مصري أقصد، فمن مشايخ البخاري المصريين. قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي المصري. وكان الليث عالمًا كبيرًا وإمامًا. قال الشافعي رحمه الله: «الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه ضيعوا على تلاميذه، لم ينشروا علمه». فكان الليث فقيهًا عالمًا بالحديث، ومع ذلك كان تاجرًا يتاجر في العسل والسمن وغير ذلك. وقيل: إن لم تكن تجب عليه الزكاة؛ لأنه كان يخرج أمواله ويوزعها، يعني يتصدق بهذه الأموال، فلا تجب عليه الزكاة. وكان أيضًا ينفق على أهل العلم ويعطيهم من أمواله، كان يعطي مالكًا وغيره. كان رجلًا كريمًا من أهل العلم ومن التجار كذلك، فأعطاه الله عز وجل علمًا وأعطاه مالًا، فهو ينفق ماله بعلمه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله علمًا وآتاه مالًا، فهو يسخر ماله بعلمه في الخير فيما علمه». وكان الليث من هذا القبيل، رحمه الله. قال: حدثنا الليث عن ابن أبي مليكة، وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة المكي، قال: عن أبي عمر مولى عائشة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: يا رسول الله، إن البكر تستحيي. قال: «رضاها صماتها». وتقدم الحديث الأول: «إذنها»، وكيف إذنها؟ قال: «إذنها صماتها». وهنا في حديث عائشة قالت: إن البكر تستحيي، قال: «إذنها صماتها». طيب، وهذا يدل كما تقدم معنا على أن الأب والولي لا يزوج موليته وابنته إلا بعد أن يستأذنها، حتى يستأذنها سواء كانت كبيرة ثيبًا أو كانت بكرًا. لكن الثيب تستأمر، والبكر تستأذن فقط، بمعنى إعلامها: تعلم أن فلانًا مثلًا يريد أن يتزوجها. وأما البكر فيقال لها: هل تريدين فلانًا؟ فإنه يريد أن يتزوجك، فتستأمر. وكذلك البكر تستأذن فقط، فإن صمتت ولم تتكلم فזה إذنها، فإذنها صماتها. لكن هناك قد تكون علامات، فبعض الفقهاء قال: إن دلت علاماتها على الرضا فهي راضية. فعند المالكية مثلًا قالوا: إن نفرت أو بكت أو قامت من المجلس أو ظهر منها ما يدل على الكراهة، قالوا: لا تزوج. وعند الشافعية أن هذا لا أثر له إلا إذا قرنت مع البكاء الصياح. أما إن كانت دمعت فقط، رؤية منها الدمع والبكاء، فهذا لا يدل على أنها ترفض. أيضًا إذا رفضت بعد ذلك، هل رفضها هذا يؤثر على العقد؟ على مثلًا امرأة بكر، قال لها أبوها: فلان جاء يتزوجك، فسكتت ولم تتكلم، ففعل العقد. فلما عقد قالت له، قالت مثلًا لأبيها: أنا لست موافقة على هذا. فيقول لها أبوها: لماذا لم تتكلمي؟ أنت سكتِ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «رضاها صماتها» أو «صماتها ورضاها سكوتها». فإذا قالت: ما كنت أعلم ذلك، فهل هذا يؤثر؟ لا، أن جمهور العلم على أن هذا لا يؤثر. وعد المالكية أنه يؤثر، وأن العقد يبطل. والصحيح أنه لا يؤثر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذنها صماتها». فلذلك فهذا الصمت حتى لو ظهرت معه آثار مثلًا من البكاء أو من القيام مثلًا، لما قالوا لها: قامت ودخلت غرفتها، فهل هذا يؤثر؟ لا، ما يؤثر. فهذا يعتبر أيضًا من السكوت. ويحمل كما ذكرنا قبل أن هذه البكر التي تستأذن هي البالغة، وأما غير البالغة فيجوز كما تقدم أن يزوجها أبوها من غير استئذان. ولكن هل هذا يكون للأب فقط أم لكل ولي؟ أن لو كان وليها مثلًا أخوها، أخوها ولي، فاستأذن هذه البنت، هذه البكر البالغة، استأذنها فسكتت، فهل هذا يعتبر إذنًا لها؟ فهذه أيضًا الخلاف. فعند الجمهور أكثر أهل العلم على أن الحديث في جميع الأولياء، في جميع الأولياء، فكل ولي سوى كان أبًا لها أو جدًا أو أخًا أو غير ذلك، إذا كلمها فسكتت فهذا السكوت يعتبر رضا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وإذنها صماتها»، ولم يذكر أن الولاية تقول للعب، فإنما قال: «لا تنكح البكر حتى تستأذن». قالوا: يا رسول الله، كيف إذنها؟ قال: «أن تسكت». وفي هذا الحديث قال: إن البكرة، قالت عائشة: إن البكرة تستحيي، فقال: «إذنها صماتها». وخصه بعض الشافعية أنه يكتفى بالسكوت إذا كان بالنسبة إلى الأب أو الجد دون غيرهما، أو الجد، فلا يصبح سكوتها إذنًا. وهذا غير صحيح ومخالف للحديث. واختلف العلماء في تزويج الأب للبكر البالغة بغير إذنها، عما استأذنها، فهل يجوز هذا العقد؟ فذهبت جماعة إلى أنه لا يجوز، وقول أهل الكوفة، وقول الأوزاعي وغيره. وذهب أهل العلم أنه يجوز: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. قالوا: يجوز للأب أن يزوج المرأة البالغة البكر بغير استئذان. واستدلوا بمفهوم هذا الحديث؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل الثيب أحق بنفسها من وليها، فمفهوم هذا أن ولي البكر أحق بها منها. فلذلك قال أكثر أهل العلم: إنه يجوز للأب أن يزوج ابنته بغير إذنها. لكن بعد ذلك إن رفضت فيكون العقد غير صحيح، وإن سكتت فالعقد صحيح. فالذي عليه كما قلنا، والذي وظاهر الحديث، يجوز أن يزوجها أبوها من غير أن يستأذنها، من غير أن يستأذنها. فإن استأذنها فهو لا معنى، من باب ليس بشرط، معنى كأنهم يقولون: إن الاستئذان ليس بشرط، وإنما من باب تطيب النفس، من باب استحباب نفسها. وقد جاء عن الجماعة من السلف أنهم يفعلون ذلك، ما جاء عن ابن عمر، وعن سالم ابنه، وعن القاسم وغيرهم، أنهم كانوا يزوجون الأبكار من غير إذن. وأيضًا هذا إذا لم ترفض، أما إذا رفضت فالعقد يعتبر غير صحيح. فعن إذا زوجها أبوها ثم رفضت، فهنا العقد يكون غير صحيح. أما إذا لم ترفض فالصحيح أن العقد يستمر، حتى لو كانت مثلًا في نفسها أنها غير راضية، أو حدثت بعض صديقاتها أو كذا، فهذا لا يضر بالعقد، لا يضر بالعقد ما دامت أنها لم تكلم وليها بذلك، فيستمر على ذلك العقد. وإذا رفضت، إذا رفضت هذه المرأة كل من جاءها رفضت، هل للولي أن يجبرها على ذلك؟ فقال أكثر أهل العلم: إن كانت ثيبًا فهي أحق بنفسها، وأما إن كانت بكرًا فإذا كانت ترفض بلا سبب فلوليها أن يجبرها، أن يجبرها على هذا. طيب، فخلاصة ما يذكر: أن هذه الرخصة أو هذا السكوت إنما يكون للبكر، وأما الثيب التي قد نكحت وتزوجت فإنها لابد أن تتكلم، إما تقول لا أو تقول نعم، فهي أحق بنفسها من وليها، فلابد أن يستأمرها. فإن قالت لا فليس له عليها سلطان، وإن قالت نعم فهذا رضاها. وإن سكتت، معنى الثيب إن سكتت لا يكون رضا لها. وأما البكر فإن تكلمت، فعند الجمهور معنى تكلمت بالرضا، فعند أكثر أهل العلم أن هذا رضا. لكن الظاهرية بقوا وجمدوا على الظاهر، فابن حزم يقول: إن إذا قالت نعم فهذا ليس إذن، وهذا كلام ليس كلامًا صحيحًا. وإن ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: «رضاها سكوتها، رضاها أن تسكت»، لأن البنت البكر تستحي أن تتكلم غالبًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سكوتها»، أو قال: «رضاها صماتها»، أو «رضاها سكوتها». فإن تكلمت وقالت: نعم أريد، فهذا لا شك أنه رضا، وهذا هو الذي يدل عليه الحديث. أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رضاها صماتها»، ليس معنى ذلك أنها إذا تكلمت فليس برضا، فهذا ليس من العقل في شيء. ولهذا أنكر العلماء على الظاهرية قولهم هذا، وجعلوه من الشذوذ ومن الجمود على الظاهر. فقال ابن حزم: إذا قالت نعم أو رضيت فيعتبر أنه ليس برضا، وهذا كلام باطل. الله تعالى، إن شاء الله نختم بهذه المسائل، والله تعالى أعلم. هذا تذكير: إن شاء الله سيكون في هذه الليلة اجتماع.