الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  212

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 212

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 212، ألقاها

شرح حديث جابر بن عبد الله وتوضيح دلالته

يشرح الحديث الذي يرويه جابر بن عبد الله عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في القبر ليلًا، ويوضح أن النار كانت تضيء للحفارين. يُبين أن هذا الحديث من شواهد جواز الحفر في القبر ليلًا.

أحكام الصلاة على الميت ليلًا ورفع الصوت بالذكر

يُبين جواز الصلاة على الميت ليلًا مستدلًا بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما يشرح جواز رفع الصوت بالذكر أحيانًا دون تعمد أو جهر كثير.

حكم رفع الصوت في الذكر والدعاء وتوضيح الفروق بينهما

يشرح حكم رفع الصوت في الذكر والدعاء، مبينًا جواز رفع الصوت في الذكر بينما يُستحب الإخفاف في الدعاء، مستندًا إلى الأحاديث والآيات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله، وهو سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني: قال أخبرنا محمد بن حاتم بن بزيع، وهو بصري ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. قال أخبرنا أبو نعيم، وهو الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة ثبت من حفاظ أهل الكوفة، قال عن محمد بن مسلم، وهو الطائفي المكي. محمد بن مسلم الطائفي المكي، ليس هو أبو الزبير، فذاك محمد بن مسلم بن تدرس المكي. وهو محمد بن مسلم الطائفي، وقد اختلف العلماء في توثيقه، فمنهم من وثقه كيحيى بن معين وعلي بن المديني وجماعة والنسائي وأبو داود، ومنهم من ضعفه كأحمد رحمه الله ورحمهم جميعًا، ضعفه، بل قال: هو ضعيف جدًا. وكان محمد بن مسلم يخلط في بعض الأحاديث ويضطرب فيها، فلهذا ضعفه الإمام أحمد، وخاصة إذا روى من حفظه. أما إذا كان قد روى من كتابه، فكتابه صحيح كما قال أبو داود وغيره. فلهذا قال الحافظ رحمه الله في التقريب: صدوق يخطئ. ومثل هذا غالبًا يمشي حديثه. وبعض الأئمة ضعف هذا الحديث بمحمد بن مسلم الطائفي، لكن الحديث له شواهد، قد جاء عن ابن عباس نحوه، وجاء كذلك من حديث جابر أيضًا من غير طريق محمد بن مسلم، لكن فيها ضعف، لكن تصلح في الشواهد. قال عن محمد بن مسلم الطائفي عن عمر بن دينار، وقد رواه أيضًا محمد بن إسحاق أو محمد بن منصور، أيضًا روى هذا الحديث عن محمد بن مسلم، وخالف أبا نعيم في بعض ألفاظه، لكن الحديث واحد. قال عن عمر بن دينار، وهو الجمحي المكي، قال أخبرني جابر بن عبد الله أو سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وعمر بن دينار من أوثق الناس، حتى قال شعبة: ما رأيت أحدًا في تثبته كعمر بن دينار. قال أو سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأى ناس نارًا في المقبرة، فأتَوها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر، وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم. فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر. قال: هذا حديث حسن. وهذا الحديث فهمه بعض الشراح خطأ، فقوله: رأى ناس نارًا، ليس المراد النار من القبر، وإنما المراد أن النار هذه كانت تضيء لمن يحفرون القبر، وليست أنها تخرج من القبر. قد ذكر الشوكاني عن بعض العلماء أنهم ذكروا هذا. أو بعض الشراح فهموا الحديث أن النار تخرج من القبر، وليس كذلك. ما جاء في بعض الروايات صريحًا أنها كانت نارًا تضيء له. وفي هذا حديث جواز القبر ليلًا، جواز يقبر الشخص ليلًا. وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على جواز القبر ليلًا. وما الحديث الذي جاء في حديث جابر يصحح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقبر الرجل ليلًا حتى يصلى عليه، إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أن الذي يقبر ليلًا لا يصلى عليه. وكذلك أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القبر ليلًا حتى لا يقبرون بدون أن يؤذنوا به. ولهذا لما قبر تلك المرأة التي كانت تقوم في المسجد، فقال: ألا آذنتموني؟ إن هذه القبور لتشتعل نارًا على أصحابها، وإن الله - أو قال عليه الصلاة والسلام - وإن الله لا يخففها عنهم بصلاة أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم لأجل هذا، لأجل أنهم إذا صلوا في الليل أولًا لا يؤذنون به للصلاة. وكذلك أيضًا أنها تدفن بدون صلاة غالبًا. وكذلك العلة الثالثة أنها لا تكفن كفنًا صحيحًا، لأنهم في الليل لا يرون الكفن صحيحًا. فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وأما إذا كفن الميت كفنًا صحيحًا سابغًا، وكذلك صلي عليه، فليس هناك مانع من الصلاة في الليل وقبره في الليل. وهذا الحديث يدل على ذلك. وقد قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد عن عائشة ليلًا. وأكثر الروايات أنه قبر ضحى أو صلي عليه في الضحى، لكن بعض أهل السير يقول: إنه صلي عليه في الضحى، لكن بقي إلى الليل وقبر عليه الصلاة والسلام في الليل. وكذلك أبو بكر رضي الله عنه قبر ليلًا. فدل على جواز الصلاة ليلًا، وهو قول أكثر العلماء أنه يجوز الصلاة ليلًا. وهناك خلاف لأبي حنيفة على عدم الجواز. طيب هذه المسألة الأولى أخذت من هذا الحديث، ودل عليه أن قولهم: رأى ناس نارًا في المقبرة فأتَوها. وهذه النار تدل على أنهم أضاءوا بهذه النار لأجل الحفر، أو هذه النار سراجًا، وهذا يدل على أنه ليلًا. وأيضًا كذلك فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى المقابر ويثني أصحابه بنفسه عليه الصلاة والسلام. وكان هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في القبر، وكان يقول: ناولوني صاحبكم، فهو يلحد عليه الصلاة والسلام كما جاء أيضًا في الحديث الآخر في حديث جابر، قال: جئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحفر قبرًا ولما يلحد. وقال أيضًا في حديث البراء الذي أخرجه الترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: دخلت القبر، فقعد عند القبر على حفير القبر، وقال: يا إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا. يا إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا. وفي هذا الحديث قال: فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر. وهذا رجل الظاهر أنه معروف معروف عند الصحابة رضي الله عنهم أنه كان يرفع صوته أحيانًا بالذكر. وقد جاء في حديث جابر أيضًا حديث في رواية أخرى أنه فقال له رجل: اخفض صوتك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: دعه، فإنه رجل أواه. دعه، فإنه رجل أواه. وجاء نحوه أيضًا من حديث عقبة بن عامر. ومعنى أواه: راجع إلى الله عز وجل. وكأنه خصه بهذا أنه يغلب عليه، ليس عن تعمد أنه رفع صوته بالذكر، ليس يتعمد ذلك، لكن يغلب عليه. كثرة ما يكثر من الذكر أحيانًا يرتفع صوته. وليس المراد رفع الصوت بالجهر الكثير لا، وإنما ما يسمع به من حوله. ما يسمع به من حوله. وقد جاءت أحاديث في رفع الصوت بالذكر أحيانًا. من ذلك مثلًا ما جاء عند أحمد أن رجلًا صلى معنا من التابعين، قال له الجُنيد: جاء وصلى عند عبد الله بن عمر، قال: فسمعته يقول بعد الصلاة: اللهم أنت السلام منك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. قال: ثم صليت جنب عبد الله بن عمر، قال: فسمعته يقول هذا. أنا نفس الذي سمعته من عبد الله بن عمر. قال: فضحكت. قال: يا عبد الله بن عمر ما يضحكك؟ قال: قد صليت جنب عبد الله بن عمر، فسمعته يقول مثل ما تقول. قال: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعنا هذا الذكر. كما جاء أيضًا كذلك عن عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى إذا انصرف من الصلاة استغفر ثلاثًا، ثم قال: اللهم أنت السلام منك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. فتبين أنه يرفع صوته ليس رفعًا كثيرًا، وإنما ليسمع من كان حوله. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانًا يرفع صوته ببعض الأذكار حتى يسمعه بعض الصحابة. ولهذا تجد أن بعض الصحابة يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا أو سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا في الركوع أو في السجود. فهذا يرفع النبي صلى الله عليه وسلم صوته أحيانًا بالذكر أيضًا. جاء في صحيح مسلم أن عقبة بن عامر قال: صلى - أو كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن نكون عن يمينه في الصف - قال: فسمعته - ويقول: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك - قال: فسمعته ويقول: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك. فدل على أنه يجوز للإنسان أحيانًا يرفع صوته بالذكر. وأما رفع الصوت بالذكر ما يكون فيه جهر فهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه. كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين، لما كانوا يذكرون الله فيرفعون أصواتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه سميعًا بصيرًا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن ذلك. وجاء في رواية أنه قال: «أربعوا على أنفسكم، أربعوا على أنفسكم، فإنه ليس تدعون أصم ولا غائبًا». فهذا النهي إنما المراد به الجهر بالصوت بالذكر. وأما من أسمع من عنده أحيانًا فهذا ما في شيء. إن لو قال الإنسان مثلًا: استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله، اللهم أنت السلام منك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ورفع صوته شيئًا قليلًا فهذا لا شيء فيه. كما فعل عبد الله بن عمر، ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا. كذلك جاء في بعض حديث عبد الله بن عباس أنه قال: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع الصوت بالذكر. برفع الصوت بالذكر. وجاء في الرواية الأخرى بالتكبير. أن كان يكبر. لكن هل المراد التكبير بعد الصلاة؟ قد قال بعض العلماء هذا. وقد قال بعض العلماء هذا. وكان بعض السلف يفعل ذلك، يكبر ثلاثًا بعد الصلاة بعد الانصراف من الصلاة. وأنكر أيضًا بعضهم هذا الأمر لما فعل مصعب بن الزبير كبر لما صلى ثم كبر ثلاثًا، فسمعه عبيدة السلماني، فسمعه عبيدة السلماني، فقال: إن كان لنا عارًا للبدع - إن كان لنا عارًا للبدع - أي مظهرًا للبدع - فأنكر عليه هذا. وقد جاء أيضًا عن الحسن: رفع الصوت بالدعاء من البدع. رفع الصوت بالدعاء من البدع. وهنا ينبغي أن يفرق بين الذكر والدعاء. ما كان إذا كان ذكرًا، وإن كان على سبيل الدعاء لكنه ذكرًا واردًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا لا بأس أن يرفع به الصوت. وأما الدعاء الذي ليس بذكر، وإنما دعاء يدعو به العبد، فالأولى أن يخافت به. أن يخافت به. ولهذا ما جاء في الصحيحين في سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء:110]، قالت عائشة: نزلت في الدعاء. المراد بالدعاء هنا الذكر. نزلت في الدعاء، المراد به الذكر، أي لا ترفع صوتك بالذكر، سواء كان بقراءة القرآن، لأن بعضهم فسر كما جاء عن ابن عباس، أي في الصلاة. ولا أيضًا كذلك بالأذكار. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:110]، أي ليس رفعًا وليس كذلك سكوتًا، وإنما يكون بين ذلك. أو أحيانًا ترفع أحيانًا تخفض. مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لما سمعه يخفض صوته، قال: ارفع في صلاتك. يا أبا بكر ارفع صوتك قليلًا. فرأى ثم مر على عمر فرآه يرفع صوته، فقال: يا عمر اخفض صوتك قليلًا. ولهذا قال بعض العلماء: إن هذه الآية نزلت في قيام الليل. فقيام الليل الإنسان لا يرفع صوته كثيرًا حتى يوقظ من كان عنده نائمًا، ولا يخفض صوته حتى لا يسمع، بل بين ذلك. كما جاء في هذه الحادثة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ارفع صوتك قليلًا. وقال لعمر: اخفض صوتك قليلًا. خلاصة هذا الأمر أنه يجوز للإنسان أن يرفع صوته بالذكر أحيانًا. وأما الدعاء فالأصل فيه الاخفات. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الاخفات سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر فيها عشر فوائد. ذكر فيها عشر فوائد في السنة أنه الاخفات بالصوت للدعاء. وأما الذكر فلا بأس أنه يذكر الله عز وجل أحيانًا فيرفع به صوته. وكان عمر رضي الله عنه يحث الناس على الذكر حتى أحيانًا يجعلهم يرفعون أصواتهم، فهذا جائز. لكن الدعاء ينبغي أن يكون مخافتًا به. والله أعلم.

شاركنا على