الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الدرس حديث أبي هريرة الذي نهى فيه النبي ﷺ عن الظن والتجسس والتحسس والتباغض، مبيناً أن الظن المحرم هو الذي يُبنى عليه حكم أو يُتكلّم به، وأن الواجب حسن الظن بالمسلم ودفع الوساوس. كما يوضح الفرق بين التجسس والتحسس ويحذر من تتبع العورات لأن ذلك يؤدي إلى البغضاء وقطع العلاقات.
يحذر المقطع من اتباع النفس والغضب مستشهداً بوصية النبي ﷺ «لا تغضب» وبيان أن الشديد من يملك نفسه عند الغضب، ثم يبين النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه المسلم حتى ينكح أو يترك، مستدلاً بقصة فاطمة بنت قيس واختلاف العلماء في جواز الخطبة بعد عدم الرد، مع التأكيد على أن النهي للتحريم لا للإبطال.
يختتم المتحدث الدرس بالتأكيد على تحريم خطبة المسلم على خطبة أخيه استناداً للحديث النبوي، مشيراً إلى أن العلماء ذكروا مسائل كثيرة في هذا الباب تم التطرق لأهمها. يختم بالدعاء بالنفع بما سمع والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن بكير، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري، قال: حدثنا الليث، وابن سعد، وابن الحارث الفهمي، عن جعفر بن ربيعة، وهو أيضا مصري، عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز المدني، وكنيته أبو داود، هذا المشهور، ويقال أيضا أبو محمد، والعرج لقب. قال: قال أبو هريرة: «يأثر عن النبي عليه الصلاة والسلام»، أن يأثره عن النبي، يعني يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه من الكلمات التي تقال في الرفع، مثل: يرويه، يرفعه، ومنها: يأثر ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، وكونوا إخوانا، ولا يقطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك». فهذا الحديث فيه بعض الآداب التي ينبغي المؤمن أن يتأدب بها، وعندما نقول آداب، ليس معنى أن الأدب مستحب، لا، الأدب قد يكون واجبا وقد يكون مستحبا، وهنا من الأداب الواجبة التي لا ينبغي للمسلم أن يخالف، ويأتي بهذا الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. فأولا: قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». الظن هذا الذي هو الظن المحرم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾، لا ينبغي أن يكون المؤمن ظنانا دائما في الناس، يظن في الناس دائما الشر، أو كذا، أو أنه يفعلون كذا، ويتهمهم، فهذه الصفة ليست صحيحة، لأنه سيقع في الإثم، لأن بعض الظن إثم، بعض الظن إثم، والمراد هنا الشيء الذي يتكلم به، أما إذا لم يتكلم وسكت، فهذا لا يؤخذ عليه، لكن لا يبني عليه حكما، لا يبني عليه حكما. فمثلا: أن يشك في إنسان أنه يفعل كذا وكذا من الأشياء المحرمة، مثلا يكلم النساء، أو يفعل كذا، ثم يظن فيه أنه يرتكب الحرام، فيقع في نفسه أن فلانا يرتكب الحرام، فكأنه يحكم عليه بذلك، وأنه رجل فاسق، أو كذا، فهذا خطأ، يعني يحكم بما يكون في نفسه. أما إذا كان شيء في نفسه، وشك في شخص مثلا، فالأولى أنه يبعد هذا الشك عن نفسه، ولا يأثم عليه، لأنه لم يخرج شيئا، ولم يتكلم عليه، ولم يبني عليه حكما. فلهذا فالظن أكذب الحديث، لأنه ليس حقيقة، وإنما شيء يظنه الإنسان أنه كذا، وهو ليس كذلك، فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أكذب الحديث». وينبغي المسلم أن يحسن الظن بأخيه، يحسن الظن بأخيه، وإن رأى شيئا مثلا فيه تهمة، إما أن ينصح له، أو يكلم من سينصحه، إذا كان فيه هناك شيء قد يؤديه إلى التهمة. وينبغي المسلم أيضا أن يخرج نفسه عن مثل هذه المزال، نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، لا يظن فيه، لكن لما أحس أنه سيظن فيه، بين الأمر. ثم جاء في الصحيحين في حديث أنس: لما جاءت صفية إلى المسجد، كلمها النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أراد أن ينقلبها، وليخرجها إلى الباب، فكان يكلمها، فمر رجلان من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أسرع في المشي، فقال: «على رسلكما، إنها صفية»، يعني زوجتي صفية، «على رسلكما»، أي تأنيا، لماذا أسرعتما لما رأيتماني مع امرأة؟ فقالا: يا رسول الله، والله لا نشك فيك، وكذا، قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخشيت أن يلقي في قلوبكما شيئا»، فخشيت أن يلقي في قلوبكما شيئا. فهذا يدل على أن المسلم ينبغي أن يبعد نفسه عن مثل هذه الأشياء التي فيها الشبه، أو يبين الحال إذا كان يستطيع ذلك. ثم قال: «ولا تجسسوا». والتجسس غالبا يأتي بعد الظن، ولهذا لما ذكر الله عز وجل الظن، ذكر بعده التجسس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾. غالبا التجسس، كما قلنا، يأتي بعد الظن، إذا ظن الإنسان في شخص أنه يفعل ويفعل، فيحاول أنه يحقق ذلك، فيتجسس عليه، يتسمع لكلامه، يتجسس عليه في أفعاله، أين يذهب وأين يأتي، وهذا لا يجوز، وهذا أيضا، كما قلنا، مبني على هذا الظن، فيكون هذا الظن فعلا، عندما يتجسس، معناه أنه جعل هذا الظن حكما، فتجسس لأجل أن يثبت هذا الحكم، وهذا ليس صحيحا. وهذا أيضا من تتبع العورات الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه فضحه الله، ولو في قعر بيته». أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، عن عبد الله بن عمر، وجاء له شواهد، فلهذا فالتجسس من ذلك. قال: «ولا تحسسوا». وقد ذكر العلماء الفرق بين التجسس والتحسس، منهم من قال: إن التجسس بالفعل، والتحسس بالقول، أو بالسمع، أنا يسمع أشياء، يقول هذا، ومنهم من قال: إن التجسس يكون بمباشرة، والتحسس يكون بغير مباشرة، يعني يرسل أناسا، أو مثلا يسأل عن الشخص، وهو لا يريد شيء شرعي، فقط يريد أن يعرف لماذا يفعل هذا الشخص كذا، أو هل هذا متهم أو ليس بمتهم، وليس له أيضا في ذلك شيء، يعني ليس أنه مثلا موكل مثلا من الحكومة، أو كذا، حتى يعاقبه مثلا، ليس كذلك. فلهذا لا ينبغي، إن رأى شيئا يستراب منه، أو شيئا منكرا، فإنه ينصحه إن استطاع نصحه، وإن لم يستطع، يخبر من ينصحه. وإن مثلا، كما قلنا، رأى شيئا مريبا يريبه في هذا الشخص، أيضا ينبغي عليه أنه ينصح، إذا كان هذا الشيء مريبا ويضعه في الاتهامات، مثلا على سبيل المثال: وجده يماشي امرأة مريضة مثلا، فهنا ينصحه، ما في شيء هذا، لأنه من باب، ليس من باب أنه مثلا يظن فيه الفاحشة، أو كذا، لا، هذا من باب فقط ترك مثل هذه التهم، حتى لا يقع أن الناس يتهمونه على ذلك، وهذه نصيحة طيبة، بدل مثلا ما يظن فيه السوء، وأيضا يظن فيه عدم الصلاح، وكذا، أو منها، أو أنه يفعل الفواحش وغير ذلك، فينصحه حتى يبعد نفسه هذا الناصح عن الظن السيء، أو يرسل، إن لم يستطع ينصحه، يرسل من ينصحه، يكون عنده أقرب الناس، أو من يستمع كلامه، وكذا، فينصحه أيضا. فقال: «ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا». أنا يبغض أحدكم الآخر، لأن بعد التحسس والتجسس يأتي البغض، فإذا علم أن فلانا يتجسس عليه، أو أن هذا المتجسس رأى شيئا من عورات هذا الشخص، فإنه غالبا يبغضه، وكذلك أيضا هذا المتجسس عليه، أيضا إذا علم أن فلانا يتجسس عليه، فإنه سيبغضه، وتكون بينهم البغضاء، ويكون بينهم الهجر والقطيعة، خاصة إذا كانوا من ذوي الأرحام، فلهذا لا يجوز للمسلم أن يفعل مثل هذه الأفاعيل. أو أيضا البغض بشكل عام، أنه يبغض أخا له مسلم صالح، ليس عليه شيء، وإنما مثلا أخطأ في شيء من الأفعال بينه وبينه، أو في الأقوال، أو حصل بينهم معاملة غير صحيحة، عن ظلمه مثلا في معاملة، أو في كذا من أمر الدنيا، فمثل هذا لا يصل إلى القطيعة والبغض، فيحاول أنه يصلح مثل هذه الشيء، وهذا من أراد وجه الله، يريد وجه الله عز وجل، ويريد الآخرة. وأما مثلا من يريد نفسه فقط، ويريد الانتقام لنفسه، فإن هذا ترديه هذه النفس إلى أشياء أعظم، قد يكون مثلا هذا الشيء عنده حق فيه، أنه يغضب فيه كذا، لكن ترتب الآثار هذا الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن الشديد ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، الذي يملك نفسه عند الغضب. وهذا من أعظم ما يتفلت عن الإنسان في هذا الموقف، عند الغضب، تجد أنه يتكلم بكلام لا يليق به، يفعل أفعالا لا تليق به، يتهم أناسا، أو يبغضهم، بسبب، كله هذا بسبب الغضب الذي حصل. لهذا كانت من نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم لذاك الرجل، لما قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب». فلهذا الغضب هذا يأتي بعد ذلك بالتباغض، والتحاسد، وغيرها من الآثار التي لا ينبغي أن تكون بين المسلم وأخيه. قال: «وكونوا إخوانا». ثم قال: «ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يذر أو يترك». وهذا أيضا من الأمور التي يحصل فيها التحاسد بين المسلمين، والقطيعة، وأيضا كذلك يحصل الشحناء، فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم نبه أنه لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك. وقلنا: أنه يجوز أن يفعل ذلك إذا أذن له، أذن له الخاطب، أو ترك، ترك الخطبة. وقال بعضهم أيضا، زاد بعض العلماء، كالشافعي وأحمد: أنه لو سكتت المرأة، أو لم يرد له، لم يرد له خبرا، لم يرد له خبرا، قالوا: أيضا يجوز الخطبة، أنا مثلا جلست فترة، أو خطب عندهم، ولكن لم يرد له خبرا، فهل يعتبر هذا رد أو لا؟ فبعضهم استدل بهذا الحديث على أن المرأة إذا سكتت، فإنه يكون لها رضا، وهذا ليس صحيح، هذا في النكاح، أما في الخطبة، وهو الموافقة فقط على الخطبة، فهذا شيء آخر. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءته فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وقالت له: لما طلقت من زوجها، أو طلقها ثلاثا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لك سكنى ولا نفقة»، فقالت: يا رسول الله، أين أعتد؟ قال: «اعتد في بيت أم شريك»، ثم قال لها: أم شريك امرأة يدخل عندها الرجال، لأنها كانت امرأة تاجرة تبيع، وكذا، فكان يدخل بيتها الرجال، يأتون للشراء، فقال: «اعتد في بيت ابن عمك، ابن أم مكتوم»، يعني يعتبر ابن عمها، حتى إذا ألقيت ثيابك لا يراك، لأنه رجل أعمى، فلهذا اعتدت بعد ذلك. ثم قالت: يا رسول الله، لما انتهت عدتها، قالت: يا رسول الله، قد خطبني معاوية وأبو جهم، خطبني معاوية وأبو جهم، ولم ترد عليهم، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، فإني ضارب للنساء»، فقال: «أنكحي أسامة بن زيد». وهذا اعتبره بعض العلماء ليس خطبة على خطبة، لأنها استشارته، استشارته في هذا، فأشار إليها أن تخطب أسامة بن زيد، أن توافق على أسامة، ولم يخطب النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها لم ترد عليهم، لم ترد عليهم، فلهذا ذكر الشافعي وغيره على أنها إذا لم ترد، أو ما رد الولي لهذا الخاطب، فمعنى ذلك يجوز أنه يخطب. وهذا أيضا، كما قلنا، أنه جاء بمعنى أكثر العلماء على أنه للتحريم، ولكنه لا يبطل النكاح، لأن بعض العلماء يقول: إنه يبطل النكاح، إذا خطب على خطبة أخيه ثم وافق عليه، يبطل النكاح، وهذا ليس صحيحا، وأكثر العلماء على أنه لا يبطل النكاح، لكنه لا يجوز، يعني يأثم الشخص إذا فعل هذا الفعل، لكنه لا يكون عقده باطلا. طيب، فلهذا، كما قلنا، لا يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه، كما جاء في هذا الحديث، وذكر العلماء هناك مسائل كثيرة في هذا الباب، وذكرنا بعضها، وأهمها، فإن شاء الله تعالى نكتفي بما ذكر، ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة