تفسير سورة البروج من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة البروج من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة البروج من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير الآيات الخاصة بأصحاب الأخدود ومعناها

يتحدث عن تفسير الآيات القرآنية الخاصة بأصحاب الأخدود ودلالتها على قساوة الكفار في تعذيب المؤمنين. يبين أن جريمتهم الوحيدة كانت الإيمان بالله وأن الله يخفف عن المؤمنين ألم التعذيب.

تسلية المؤمنين وتفسير آية الأخدود

يشرح معنى آية الأخدود ويبين أن أعداء الدين ينقمون على المؤمنين إيمانهم بالله. يستدل بقول ابن القيم رحمه الله ويبين أن ختم الآية بالاسمين العظيمين لتسلية المؤمنين.

عذاب من آذى المؤمنين وكرم الله في التوبة

يتحدث عن عذاب الله لمن آذى المؤمنين والمؤمنات ويشير إلى أن الفتنة تشمل الإحراق والصد عن الدين. يبين عظيم قدر المسلم عند الله ويشدد على كرم الله في دعوة المذنبين للتوبة.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.

  • 29 جمادى الأولى 1447هـ - 19/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الشروع في تفسير سورة البروج، وذكرنا ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في قول الله جل في علاه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، وأشرنا إلى ما جاء في صدد هذه الآيات من تفاسير. ثم قال سبحانه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، وأشرنا إلى أن هذا دعاء بالهلاك، وفي الحقيقة أنه شامل لكل زمان ومكان لكل من أراد التنكيل بأهل الإسلام. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾، قال: النار بدل اجتمال، أي بدل من أصحاب الأخدود، أي ماذا فعلوا؟ النار، قال: ذات الوقود، أي ما توقد به، أي أشعلوا وأضرموا النيران في هذه الأخاديد، وذلك لتعذيب المسلمين، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين بالله من تعذيبهم بالإلقاء في النار إن لم يرجعوا عن إيمانهم، شهود حضور. وهذا في قمة من القساوة والجفاء أن يصل بالإنسان أنه يستمتع بحرق آدمي، الواحد منا لربما إذا جئ له بهرة أو حتى بفأر مثلًا وأحرق إحراقًا أمامه، فإنك تستبشع هذا المنظر، أو يؤتى بكلب يربط ثم توقد عليه المواد الحارقة وتشعل عليه النيران حتى تلتهمه، فإنك لربما تأخذ ليالي وأيامًا تفكر بهذا المنظر وبشدة ما وجده هذا الحيوان من الألم والوجع. إذا كان هذا في حيوان، فما ظنك يا عبد الله بآدمي؟ أنك تشعل فيه النيران. وانظر إلى وصف الله عز وجل: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾، أي أن هؤلاء أتوا بالكراسي، يعني مثل الفرجة، أتوا بالكراسي وجلسوا على حافة الأخدود، وهم يستمتعون بهذا المنظر، بالأجساد وهي تحرق. فهؤلاء جمعوا بين جريمتين، كما قال العلماء: الجريمة الأولى الكفر والشرك بالله جل وعلا، والجريمة الثانية الاعتداء بهذه القساوة على الإسلام وعلى المسلمين. قال: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، أي ما فاتهم هذا، بل يأمر زبانيتهم أن لن يتم الإشعال إلا حتى نحضر ونشاهد ونرى ونستمتع. وقد أخبرنا عن هؤلاء القساة والطغاة في كل زمان، وما كان كيف أنه يستمتع بحضوره ويتلذذ بتعذيب غيره. قال رحمه الله تعالى: روي أن الله أنجى مؤمنين الملقين في النار بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها، وخرجت النار إلى من ثم فأحرقتهم. هذا نعم التفسير، نقل عن بعض السلف، عن بعض السلف، من أن الموحد -كما قلنا- وهذه الوقائع في الحقيقة هي ليست تحكي واقعًا معينًا مخصوصًا، بل هي على مر الأزمان. وقد ذكر العلماء في التواريخ على أن مثل هذه الأخاديد قد صارت تارة منها في أرض فارس، وتارة منها في أرض الشام، وتارة منها في أرض اليمن، ولا زالت. فمثل هذه الأخاديد التي صارت ويُبتلى فيها من يبتلى من أهل التوحيد، أن الله عز وجل يخفف عنهم ألم الإحراق، بحيث أن الأرواح تُقبض، نعم، نقل هذا عن الربيع بن أنس، وعن جماعة، أن الله يقبض أرواحهم قبل أن يشعروا بأي شيء. وقد جاءت كذلك أحاديث صحيحة في هذا المعنى، أو بما هو بمعنى، حتى أن المجاهد الذي يقاتل في سبيل الله، فالطعن الذي يقتل به، فإنه ما يشعر إلا كوخز الإبرة، نعم، جاء كذلك بعض الآثار يحسنها بعض أهل العلم. فالشاهد أن الأدلة العامة تدل على أن رحمة الله بأهل الإسلام والإيمان، لكن لا نجزم، لا نجزم، ما عندنا دليل صحيح في هذا، فالله أعلم بهذا. قال: أن الله يقبض أرواحهم بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها، وخرجت النار إلى من ثم، أي أن النار اشتعلت بدل ما تحرق من رميت إليه، بل هي صعدت على من كان جالسًا، وهذا كما قلنا مما جاء عن بعض السلف، فالله أعلم بثبوت ذلك. قال: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وما نقموا منهم، أي الكافر الذي فعل هذه الفعلة الشنيعة من الإيذاء لعباد الله، ما جرمهم؟ ما ذنبهم؟ ما الذي فعلوه حتى تقوم يا أيها الكافر بتعذيبهم بهذا الإيذاء؟ ما الذي فعلوه؟ قال سبحانه: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، فقط هذه جريمتهم. وهل هذه جريمة؟ وهل هذه تهمة؟ أن الإنسان يبقى موحدًا لله جل في علاه، يتعبد الله، فما الذي يضرك يا أيها الكافر؟ أنت في دنياك افعل ما شئت، واعبد ما شئت، فلماذا التعدي على أهل الإيمان والإسلام؟ وهنا فائدة أو نكتة ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى، على أن من عادات أعداء الدين، أي من عادتهم مع أولياء الله، أنهم ينقمون منهم ما ينبغي أن يمدحوا عليه. تأمل إلى هذه القاعدة، ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: أن من عادة أعداء الدين أنهم ينقمون على أولياء الله ما ينبغي أن يمدحوا عليه. فذكر مثلًا: أن أهل الشرك نقموا على أولياء الله التوحيد، وأن المعطلة نقموا على أولياء الله ما كان من إثباتهم للصفات، وأن أعداء الدين نقموا على أولياء الله -من أعداء الدين- مثلًا هنا الرافضة نقموا على أولياء الله ما كان من محبتهم للصحابة، وأن أهل الرأي المحدث نقموا على أولياء الله ما كان من أخذهم للأحاديث السنية. الآن هذا واقع، هذا واقع، فأعداء الدين كثر، لا كثرهم الله. فلما تجد أن معاداتهم لنا، ننظر نحن في أفعالنا، نجد أفعالنا ما فيها ما يستنكر أصلًا. كما أشار ابن القيم رحمه الله: كافر ينقم علي أني موحد، طيب، أشيء يضرك في توحيدي؟ أو ذاك رافضي خبيث ينكر علي أني محب للصحابة، طيب، هل الصحابة محبتهم تهمة؟ أو ذاك المعطل الجهمي وغير ذلك من الفرق الضالة الصفاتية ينكر علي أني أثبت الأسماء والصفات لله عز وجل، وهل هذا ينكر علي؟ وكذلك أهل الرأي المحدث ينكرون علي إذا أخذت بأحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال ابن القيم رحمه الله فيما معناه: «وعادة أعداء الدين أنهم ينقمون على أولياء الله ما ينبغي أن يمدحوا عليه، أن ينبغي أمدح على فعل، أمدح على توحيد لله، أمدح على إثبات للصفات، أمدح على ما كان من تعظيم وحب للصحابة، هذا مما أحمد عليه». ثم ختم ابن القيم هذا الشاهد، هذه المقالة، قال: «فكل هؤلاء لهم نصيب وشبه من أصحاب الأخدود»، ما الذي عناه؟ هذه الآية: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، كل هؤلاء أعداء الدين لهم نصيب ولهم شبه شبه من أصحاب الأخدود. لأن من فعل أصحاب الأخدود هذا الذي يستغرب منهم أنهم ينكرون على أولياء الله ما ينبغي أن يمدحوا عليه. فالشاهد في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وتأمل أن هذه الآية ختمت بهذين الاسمين العظيمين: العزيز، فهو سبحانه وتعالى العزيز في ملكه الذي لا يضام جل في علاه، وهو الحميد، الحميد هنا بمعنى المحمود، وهذا في اللغة العربية وزن فعيل، وزن فعيل يأتي بمعنى مفعول، مثل قتيل بمعنى مقتول. فالله حميد سبحانه وتعالى، أي أنه محمود. طيب، ختم الله هذه الآية عندما ذكر على أن أولياءه قتلوا وحرقوا، أخبر سبحانه بأنه جل في علاه عزيز حميد، ما الفائدة مما يستفاد من هذين الاسمين؟ أولًا: تسلي للمؤمن، المؤمن لربما قد يمايرى أن الكافر قد استولى عليه، وها هو الكافر قد حفر الأخاديد وأشعل فيها النيران، ويعلم المسلم أن الدور سيأتي في أنه سيحرق ويلقى على هذه النار. لربما قد يتساءل: أين الله؟ أين ربي؟ اللهم رحماك بي، فلا زال يدعو ربه عز وجل في أن الله سبحانه وتعالى يعني ما نجاه. لكن المؤمن ينبغي أن يعلم بأن الله يحمد على كل حال، حميد بمعنى أن الله محمود حتى في هذا المقام. يا عبد الله الذي أنت الآن ستدفع دفعًا إلى النار، احمد الله واعلم أن الله في هذا الموقف أراد بك خيرًا، علمت أو لم تعلم. ولهذا من صفات المؤمن المؤمن أنه يحمد الله على كل حال، وهذه كانت سنة عليه الصلاة والسلام، إذا رأى ما يسر قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا رأى خلاف ذلك قال: «الحمد لله على كل حال»، الحمد لله على كل حال. فالإنسان مثلًا لو أنه مؤمن ونكل به من قبل الكفار، لا يسيء الظن بالله، لا تسيء ظنك بالله. فالله مطلع، كما سيأتي، يعلم بما جرى عليك. وهنا عليك أن تحمد الله واعلم أن الله أراد بك خيرًا. فإن من الإيمان بالله الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، خيره وشره، وهذا من القدر الشر الذي أنت لما تحبه، لكن أراد الله لك فيه منفعة ستجدها يا عبد الله إذا بعثت، بأن الله يجعلك من عباده الشهداء الأخيار المقربين الذي يتمتعون بجنة عرضها السماوات والأرض، خالدًا مخلدًا فيها. حين ستنسى هذا كله، هذا الحميد، وهو جل في علاه عزيز، عزيز، هذا إشارة لأعداء الدين، عندما يقوم الكافر ويرى أنه في مقام السلطة والقوة، وها هو يسوم الكفار سوء العذاب، لا يتبختر ولا يتجبر، يقول: ها أنا بطشت بهؤلاء، أين ربهم؟ أين هون؟ لا، الله عزيز قوي سبحانه وتعالى، لكن لحكمة. فالله عز وجل يمهل ولا يهمل، وإن الله لا يملي للظالم، يملي، يعطيك اقتل من شئت من أولياء الله، وأنت في حقيقة حالك إنما أنت تقرب الناس إلى الله عز وجل. كم الإنسان ربما في دفع من المسلمين ضعيف الإيمان، منبعث على المعاصي، فلما يأتي هذا الكافر ويبطش به هذا البطش، يجعل هذا المسلم من خيار الله، يصعد بالابتلاء يصعد يصعد، وكأنك يا أيها الكافر فعلت معروفًا بهذا المسلم وأنت لم تشعر، رقيته إلى منزلة عليا عند الله بهذا الابتلاء العظيم. لكن بالمقابل احذر، اعلم أن رب هؤلاء عزيز قوي، وأن الله عز و الله عز وجل إنما يملي لك، فإذا أخذك لم يفلتك. ولهذا انظر لمن سام المسلمين قديمًا وحديثًا سوء العذاب، ما دامت له حياة، ما دامت له حياة، سرعان ما تخطف روحه، ذهبت إلى أين؟ هنا الكارثة، تذهب إلى قبرك، حينها يا عبد الله ستجد الزبانية، وتجد النيران، وتجد الثعابين، وتجد العذاب، والنار تعرض عليك غدوة وعشية، هذا الجبار المتغطرس. وإذا أقيمت الساعة، حينها سيشرب نارًا ويعيش في نار ويأكل نارًا، خالدًا مخلدًا فيها، حينها تعلم قوة الله عز وجل، قوة الله جل في علاه. فما الحكمة الله عند هذه الآية؟ ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، قال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، أي ما أنكر الكفار على المؤمنين إلا إيمانهم، أي بالله الذي له ملك السماوات والأرض. فهذا الملك كله ملك الله، ولو أراد الله أن ينتصر لأهل الإيمان لانتصر منهم، لكن حكمة من الله عز وجل، يبتلي عباده بما يبتليهم به من الأثقال، من الأوباء، من العدوان، من الظلم والهضم من قبل كفار أعداء الدين، هذه الحكمة. فلله الحكمة البالغة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وكل ذلك اختبار وامتحان. أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. هذا ليس من حكمة الله، فلله من حكمته في خلقه أن قدر عليهم الابتلاء، ومن ذلكم تسلط الكفار. قال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات بالإحراق، هنا ذكر الفتنة بمعنى الإحراق، الفتنة في القرآن تأتي بعدة معاني، تأتي الفتنة بمعنى الإحراق، نعم، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾، يفتنون، أي يحترقون. والفتنة تأتي أيضًا بمعنى الصد عن الدين، الفتنة تأتي في القرآن بمعنى الصد عن الدين، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، الفتنة ها هنا أنك تصد الناس عن دينهم، هذا أشد من قتلهم. فالفتنة تأتي بمعنى الإحراق، وتأتي بمعنى الصد عن الدين، والصحيح أن الفتنة ها هنا عامة تشمل هذا المعنى وهذا المعنى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، وفي ذلك إشارة إلى عظيم قدر المسلم والمسلمة على حد سواء، المؤمن والمؤمنة، حتى الأنثى المسلمة لها قدر عند الله عظيم، ثبت من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف حول الكعبة فقال: «ما أعظمك وأعظم حرمتك، وما أطيبك وأطيب ريحك، فوالذي نفسي بيده لحرمة المؤمن أعظم حرمة عند الله منك». لحرمة المؤمن أعظم حرمة عند الله منك، حرمة المؤمن والمؤمنة عظيمة جدًا عند الله، بل قال عليه الصلاة والسلام: «لزوال الدنيا بما فيها أهون عند الله من قتل امرئ مسلم»، لأن الدنيا أزيلت عن بكرة أبيها، هذا لا شيء أمام إزهاق روح مؤمن. فالمؤمن له عظمة عظيمة عند الله عز وجل، وقد صح عن رسول الله أنه قال: «والله يكره أذى المؤمن»، والله يكره أذى المؤمن، فلا يتجاسر أحد على أذية، فكيف بالذي يتفنن في تقتيله؟ فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، قال: أي عذاب، عذاب إحراقهم للمؤمنين في الآخرة، وقيل في الدنيا، بأن خرجت النار فأحرقتهم، كما تقدم، أي أن الله توعد من أحرق المؤمن في هذه الدنيا، إما أن الله يعجل إحراقه في هذه الدنيا، فالجزاء من جنس العمل، جزاء معجل، أو أن الله يحرقه يوم القيامة في نار جهنم. وهنا أختم المجلس بفائدة عظيمة، جاءت عن إمام الحسن البصري رحمه الله تعالى، عند هذه الآية، لما قرأ قول الله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، قال: انظر لكرم الله، لكرم الله، قال: يقتلون أولياء الله ويدعوهم إلى التوبة والمغفرة. الآية تتحدث عن أناس حفروا الأخاديد لكي يحرقوا أهل الإسلام الموحدين، ومع ذلك قال ربنا: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، يعني بمعنى أن هؤلاء الذين قاموا بالإحراق لو تابوا لتاب الله عليهم. فقال الإمام الحسن: «ما أكرم الله سبحانه، قال: يقتلون أولياء الله ثم يدعوهم إلى التوبة والمغفرة». وبهذا تعلم يا عبد الله عظيم رحمة الله جل في علاه، إذا فتحت الآمال أمام هؤلاء مع ما فعلوا من جرائم وقتل المسلمين والتنكيل بهم، ومع ذلك لا زالت التوبة مفتوحة لهم، فما ظنك بغيرهم من العصاة والمذنبين؟ فهم من باب أولى، عليهم أنهم يغتنموا فضل الله عز وجل، وأن يسارعوا بالتوبة إليه جل في علاه. وإني لغفار لمن تاب، فينبغي للمسلم أن لا يستغلق على نفسه باب التوبة، مهما كان جرمه. ولنا عبرة بهذه الآية، كلما قرأتها يا عبد الله، تأمل إلى عرض الله عز وجل أن عرض التوبة على هؤلاء الكفار القساة الجفاة، فإنهم لو تابوا لتاب الله عليهم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.