كتاب التفسير من صحيح البخاري 204

كتاب التفسير من صحيح البخاري 204

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 204، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية سيهزم الجمع وأساند البخاري في بابها

يستعرض المقطع سياق نزول آية "سيهزم الجمع ويولون الدبر" في سورة القمر وإدراك الصحابة كعمر وعائشة لتحققها يوم بدر. ثم يسرد سلسلة رواة الحديث في صحيح البخاري مع بيان أحوالهم وتصنيفهم من حيث الثقة والجرح والتعديل.

فتنة الذهلي وموقف البخاري ومسلم مع مقدمة حديث دعاء بدر

يتناول المقطع فتنة محمد بن يحيى الذهلي إمام خراسان وخروج البخاري من نيسابور، مبيناً امتناع مسلم عن الرواية عنه ورعاً واستمرار البخاري في الرواية عنه مبهمًا. ثم ينتقل لسند حديث ابن عباس عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في قبة بدر واستعاذته بربه.

إلحاح النبي ﷺ في دعاء القبة يوم بدر ورمي التراب

يصف المقطع إلحاح النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء مستنجداً بعهد الله ووعده بالنصر داخل القبة يوم بدر، ورميه التراب نحو المشركين فهلك من أصابه. ويبين أن ذلك كان لتثبيت قلوب المؤمنين في أول معركة كبرى مع يقينه بوعد الله.

أبو بكر يكف النبي عن الإلحاح وخروجهما لملاقاة العدو

يروي المقطع تدخل أبي بكر الصديق رضي الله عنه بأخذ يد النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: "حسبك يا رسول الله ألححت على ربك". ثم لبسا الدرع وخرجا معاً والنبي يتلو آية "سيهزم الجمع" معتمداً على وعد الله بالنصر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب قوله جل وعلا: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾». هذه الآية معلومة أنها آية من سورة القمر، أو سورة «اقتربت». وهذه الآية لما نزلت، قال عمر - جاء في ذلك حديثه، إن كان مرسلًا، لكنه جاء من طرق - أن عمر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية قال: «وأي جمع هذا الذي يولون الدبر؟». هذه الآية نزلت في مكة: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾. قال: حتى جاء يوم بدر، قال: «فقلت: هذا اليوم يُهزم الجمع ويولون الدبر». قالت عائشة رضي الله عنها: «نزلت هذه الآية وأنا ألعب، وأنا صغيرة، ألعب مع الصبيان، أنا عائشة مع البنات، نزلت وهي صغيرة». أنا نزلت وهي في مكة؛ لأن عائشة رضي الله عنها ذهبت المدينة وهي بنت سبع سنين، فهذه الآية نزلت في مكة. ولهذا قال عمر: «أي جمع هذا الذي سيهزم ويولى الدبر؟» قال: حتى جاء يوم بدر، فعلمنا أنه يوم بدر. وهذا وعد من الله عز وجل: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾. قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب، وهو الطائفي الكوفي، وهو ثقة أو صدوق. قال: حدثنا عبد الوهاب، وهو ابن عبد المجيد الثقفي البصري. عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي البصري كان من أصحاب أيوب السختياني، وكان فتى صغيرًا وهو عند أيوب، كان يقول أيوب: «عليكم بهذا الفتى إذا أردت بحديثي فعليكم بهذا الفتى الثقفي». وعبد الوهاب يعتبر من ثقيف، والثقيف هي قبيلة من قبائل قيس عيلان، وهي من مضر، وكانوا يسكنون الطائف. فعبد الوهاب ابن عبد المجيد كان حافظًا من حفاظ البصرة، يقارن بابن علية وحماد بن زيد وغيره، لكن هؤلاء أرفع منه. قال: حدثنا خالد، خالد هو الحداء أبو المنازل. قيل له: حداء، ليس لأنه يبيع الأحذية، وإنما قيل: إنه كان يجلس قربه فقيل له: خالد الحداء أبو المنازل. وهذه الكنية من الأفراد، هذه الكنية من الأفراد. إيش معناها من الأفراد؟ أنا ليس لأحد يعرف بأهل الحديث في هذه الكنية، فإذا قيل: من هو أبو المنازل؟ فهو خالد الحداء، خالد بن عبد الله الحداء. قال: حدثنا خالد، وهو من أهل البصرة، عن عكرمة. عكرمة هو مولى ابن عباس، أبو عبد الله البربري، أبو عبد الله البربري كان موسوعة في علم ابن عباس، علم التفسير، كذلك السيرة، كان أكثر الناس نقلًا عن ابن عباس؛ لأنه أكثر ملازمة له. وقلنا: أخرج له البخاري ومسلم، لم يخرج له، والظاهر مسلم تورع أو لم يخرج له لأنه قد تكلّم فيه. وقد تكلمنا في هذا في درس مضى. قال: وحدثني محمد. محمد هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي. وغالبًا البخاري لا يصرح باسمه، مما إن يقول: حدثني محمد، أو يقول: حدثني محمد بن خالد، أو يقول: محمد بن فارس، فلا يصرح باسمه. وقد يكون لأجل ما حصل بينهما. لكن البخاري روى عنه وأخرج حديثه، أما مسلم فلم يخرج لمحمد بن يحيى شيء مع أنه شيخه وتلمذ عليه. فمحمد بن يحيى هو إمام أهل خراسان، أهل نيسابور، خراسان. لكن حصل ما حصل من الفتنة، وكان سببها الوشاة، أي الذين يأخذون الكلام بغير فهمه وينقلونه. المهم حصلت هذه الفتنة، فلما حصلت الفتنة وخرج البخاري من نيسابور، قال محمد بن يحيى: «عزمت على كل من يقول بالقرآن أن لفظي بالقرآن مخلوق أن يقوم من مجلسي». فقام مسلم بن الحجاج، وهو لم يقل ذلك، لكن ظن أنه قصده، فقام مسلم بن الحجاج من المجلس، وجاء بكتبه كلها التي كتبها عنه، وعطاه إياه، قال: «هذه كتبك». وهذا من باب الورع، وما كان ينبغي أن يفعل هذا مسلم رحمه الله. فمحمد بن يحيى شيخه، ولو حصل ما حصل، فما ينبغي أنه يترك حديثه. والمهم أن مسلم لم يروِ عنه، لكن البخاري ما ترك حديث محمد بن يحيى، لكن ما يقول: محمد بن يحيى الذهلي، أما يقول: محمد مبهم، أو يقول: محمد بن خالد، أو محمد بن فارس، أو يقول: ابن فارس. قال: حدثني محمد، قال: حدثنا عفان بن مسلم، وهو أبو عثمان الصفار البصري، كان حافظًا كبيرًا من حفاظ البصرة. قال الإمام أحمد رحمه الله: «إليه المنتهى في التثبت». كان رحمه الله إذا شك في حرف في الحديث ترك الحديث كله. ولهذا كانت أحاديثهم من أفضل الأحاديث، ومن أحسن الأحاديث تثبتًا، وكذلك ضبطًا وإتقانًا. حتى كان الإمام أحمد يسميهم: أصحاب الشكل والنقط، أن يسمي: عفان بن مسلم، وبهز بن أسد، وحبان بن هلال. كان يقول: «هؤلاء أهل الشكل والنقط». معناه: يشكلون كتبهم وينقطونها، عن أنهم يضبطون الكتب، يضبطون الكلمات، يضبطون أيضًا الأسماء. فلذا صار تحديثهم من أفضل الأحاديث. قال: حدثنا عفان بن مسلم، عن وهيب. وهيب بن خالد الهذلي، وهو أيضًا من حفاظ البصرة، وهو في مرتبة عبد الوهاب. قال: حدثنا خالد، وهو أبو المنازل، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال - وهو في قبة، في قبة يوم -: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تُهْلِكْ هذه العصابة لا تُعْبَد بعد اليوم». فأخذ أبو بكر بيده، فقال: «حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك». قال: وهو يثب في الدرع، فخرج وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾. فهذا الحديث العظيم فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام ناشد ربه، ونبي عليه الصلاة والسلام موقن بوعد ربه جل وعلا، هو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾، وعنده يقين على ذلك. لكن أراد أن يثبت أصحابه بهذا الدعاء. ولهذا أبو بكر رضي الله عنه التزمه، كما جاء في رواية مسلم من حديث أنس، وكذلك من حديث عباس: التزم النبي صلى الله عليه وسلم، أو أبو بكر التزمه من خلفه، وقال: «يا رسول الله، كفاك مناشدتك، مناشدتك لربك»، أو «مناشدتك لربك»، معنى بالرفع وبالنصب، والنصب أشهر: «مناشدتك لربك». فقال: فقام النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما دعا وألح على ربه، إنما لأجل أن يثبت أصحابه. ولهذا قال بعض الصحابة رضي الله عنه: «دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر وهو ساجد ويدعو الله، قال: فعرفت أن الله عز وجل سينصرنا، قال: فخرجت وقاتلت، ثم رجعت ووجدت النبي عليه الصلاة والسلام ساجدًا يدعو ربه، قال: فقلت: هذا النصر». فجاء الله عز وجل بالنصر، كما قال ابن عباس. فلما قام النبي عليه الصلاة والسلام قال: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾. ثم أخذ ترابًا، فقال: «شَاهَتِ الوجوه». وما من هؤلاء من أحد وقعت في هذا التراب إلا قتل يوم بدر كافرًا. فهزمهم الله عز وجل. وقوله هنا: «وهو في قبة»، القبة مثل خيمة نُصبت للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان فيها يدعو، يدعو الله عز وجل، وقال: «إن تُهْلِكْ هذه العصابة لا تُعْبَد بعد اليوم». وجاء في رواية مسلم: «إن تهزم هذه العصابة لا تُعْبَد بعد اليوم». والمراد أنه ليس تهديدًا، وإنما مناشدة، وكذلك إلحاح النبي عليه الصلاة والسلام على ربه، وأنه إن هزمت هذه الطائفة ما سيقام العبودية لله جل وعلا؛ لأن الداعي إلى الله عز وجل هو نبيه صلى الله عليه وسلم، ليسلم. وهذا فقط المراد به واقع الأمر، وإلا ربنا جل وعلا قادر على كل شيء سبحانه وتعالى. لكن من باب الإلحاح على الله، وأيضًا ذكر واقع الأمر، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بهذه العبارات، صلوات الله والسلام عليه، وهو الموقن بربه جل وعلا. لكن كما قلنا، كما قال الشراح: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت أصحابه. ولأن بدر أول معركة يخوضها المسلمون ضد الكفار، وكان عددهم قليلًا، والكفار عددهم كثير، فلذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت أصحابه، وأن الله عز وجل معهم. ولهذا خرجت الملائكة تقاتل مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك»، أو قال: «عهدك ووعدك»، يجوز الأمرين معًا: أنا بالرفع وبالنصب: «أنشدك عهدك ووعدك»، أو «عهدك ووعدك». والمراد بالعهد والوعد هو قوله جل وعلا: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾، أي أن الله عز وجل سيهزم هؤلاء. فأول جمع تجمع هؤلاء الكفار هو يوم بدر، فهزمهم الله عز وجل، وقتل صناديدهم، صناديد قريش: كأبي جهل، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة، وغيرهم من صناديد قريش. وأيضا عتبة القوم، وهو عقبة بن أبي معيط، أيضًا قتل يوم بدر، وغيرهم من الكفار، أو من كبار الكفار ممن قتل في تلك المعركة، ووضعوا في قليب بدر. والقليب هو البئر القديمة، وضعوا فيها. فقال: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك». وكان يرفع يديه عليه الصلاة والسلام حتى سقط رداؤه من على كتفه، فأخذ، وكان أبو بكر عن يمينه، فأخذ أبو بكر رداءه ووضعه فيه، والتزمه، وقال: «كفاك مناشدتك لربك». وجاء في رواية: «كذلك مناشدتك لربك»، وكلا المعنيين صحيح. فقال: «يا رسول الله، ألححت على ربك»، أنا كثرت عليه في الدعاء، وإنه ناجز لك ما وعده. والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم ذلك، وهو على يقين من ذلك. لكن كما قلنا، كما قال أيضًا الشراح: أن المراد كما ذكر الحافظ رحمه الله، أن هذا تثبيت للمؤمنين. النبي صلى الله عليه وسلم أراد يثبت الإيمان، وأن الله عز وجل معهم، وأنه معيدهم، ولو كانوا قليلا. قال: فأخذ أبو بكر بيدي، فقال: «حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك». قال: وهو يثب في الدرع، أنا معه الدرع، فخرج وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾. يقينًا بوعد الله عز وجل وموعوده سبحانه وتعالى. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.