الدرس في شرح كتاب الطهارة 30، ألقاها
يتناول شرح الأشياء النجسة في الإسلام مثل الدم المسفوح وبول وروث الحيوانات غير المأكولة والميتة. يستثنى من ذلك ميتة السمك والجراد بناء على الأدلة الشرعية.
يشرح حكم ما لا نفس له سائلة وما قطع من البهيمة وهي حية، كما يتناول أحكام المذي والودي والمني ودم الحيض والنفاس وطريقة التطهر منها.
يذكر حكم الجلالة وهي الدابة التي تأكل النجاسة، ومدة حبس الدجاجة والشاة بعد تبرز النجاسة لضمان تطهيرهما.
الحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال مؤلف فقه الله: في ذكره للأشياء التي قامت الدليل على نجاستها، قال ثانيا: الدم المسفوح من الحيوان المأكول. أما الدم الذي يبقى في اللحم والعروق، فإنه طاهر، بقوله تعالى: ﴿أو دما مسفوحا﴾، وهو الذي يهرق وينصب. الله عز وجل يقول: ﴿أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾، بمعنى نجس وقذر. فالدم المسفوح الذي يهرق وينصب ويسيل، هذا نجس، لا يجوز شربه ولا استعماله. أما ما يكون في اللحم والعروق، فهذا شيء يسير لا يضر استعماله، لمشقة التحرز منه. قال ثالثا: بول وروث كل حيوان غير مأكول اللحم، كالهر والفأر. بول وروث كل حيوان غير مأكول اللحم، الحيوان الذي لا يجوز أكل لحمه، فبوله وروثه نجس، كالحمار والبغل والفأر والهرة، ونحو ذلك من الحيوانات التي لا يجوز أكلها، فروثها وبولها نجس. أما ما يؤكل لحمه، فإن بوله وروثه طاهر، بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى العرانيين أن يشربوا من أبوال الإبل حين شكوا إليه ما يجدون من المرض. وهكذا أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في مرابط الغنم، مع أن فيها بولها وروثها، فدل هذا على أنها طاهرة. والقول بطهارة روث وبول كل حيوان مأكول اللحم، هذا قول الصحابة، وهذا قول عامة الصحابة. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسة بول وروث ما يؤكل لحمه. قال: فالقول بنجاسته قول محدث، لا سلف له من الصحابة. قال رابعا: الميتة، يعني من الأشياء النجسة الميتة. قال: وهي ما مات حتف أنفه من غير ذكاة شرعية. ما مات حتف أنفه، يعني أصابه الموت من غير أن يذكى، سواء كان بصدمة أو بنطح أو بسقوط من مكان مرتفع أو بضرب أو بغير ذلك من الأسباب، أو بأكل السبع فماتت من غير أن تذكى، فهذه تسمى ميتة، فهي نجسة. قال الله عز وجل: ﴿إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ الآية. فالميتة نجسة. قال: ويستثنى من ذلك ميتة السمك والجراد، وما لا نفس له سائلة، فإنها طاهرة. أما ميتة السمك والجراد، لحديث ابن عمر قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد». والحديث موقوف على ابن عمر، وله حكم الرفع، لأن قوله «أحلت لنا» من الذي أحل لهم هو النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون له حكم الرفع. إذن يستثنى من الميتة ميتة السمك، فإذا وجد الإنسان سمكا ميتا جاز له أكله، لأن ميتته طاهرة. وهكذا الجراد، الجراد إذا أمسكه الإنسان وأراد أن يأكله بعد أن مات، فله ذلك، لأن ميتته طاهرة وحلال، فهو مستثنى من الميتة المحرمة. وقوله: ما لا نفس له سائلة، استدل العلماء بحديث أبي هريرة في البخاري، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسوه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء». الحديث. ومعلوم أن الذباب إذا غمس في الشراب، خاصة إذا كان حارا، أنه سيموت، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغمسه. وإذا كان نجسا لما أمر بذلك، والأمر بإلقائه، فدل ذلك على طهارته. وأن ما لا نفس له سائلة، يعني الحيوانات والحشرات التي ليس لها دم يسيل عند موتها، فهي طاهرة، فيدخل في ذلك جميع أنواع الذباب، وما كان مثله كالعنكبوت والبعوض، نحو ذلك من الحشرات. وكذلك أيضا يلحق بالميتة ما قطع من البهيمة وهي حية، كما في حديث أبي واقد الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة». رواه أبو داود. ومر الكلام على هذه المسألة في أوائل هذا الكتاب. فلو أن إنسانا أراد أن يقطع من الشاة مثلا ذيلها، كانت أن تكون كثير الشحم، فيقطع الذيل حتى يطبخ مرقا، هل يحل له ذلك؟ الجواب: لا، يعتبر ما قطعه نجسا، يعتبر ميتة. ما قطع من البهيمة وهي حية، وهو ميتة. استثني من ذلك ماذا؟ ذكرنا هذا في الدرس الماضي أو الدروس الماضية. من يذكر مما استثني مما قطع من البهيمة وهي حية فلا يكون ميتة؟ نعم، فأرة الغزال أو المسك، فأرة المسك التي تستخرج من دم الغزال، فهذه طاهرة، هذه طاهرة بقول جمهور العلماء. فالمسك يستخرج من دم الغزال، من صورته تربط، ثم إذا جفت انفصلت عن الغزال، فخرج منها المسك. وفي هذا يقول المتنبي: «فإن تفق الأنام وأنت منهم، فإن المسك بعض دم الغزال». والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في المسك: «أطيب الطيب». أيضا مما استثني: ما قطع من الصيد أثناء صيده، ما قطع من الصيد أثناء صيده، يعني يتابع الحيوان ليمسكه، هذا يضربه بسيفه، ذاك يضربه بالسكين، فتخرج منه بعض القطع حتى يتمكن من إمساكه، فما قطع منه لأجل تذكيته، تابع للتذكية، تابع لتذكيته، وبهذا ثبت القول بذلك عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. قال خامسا: المذي، وهو ماء أبيض رقيق لزج، يخرج عند الملاعبة أو تذكر الجماع، لا بشهوة ولا دفق، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه. يعني أن المذي يخرج من غير شهوة، يخرج بعد التفكير أو عند الملاعبة، فينزل هذا الماء، وهو المذي، ماء أبيض رقيق لزج، فلا يخرج بتدفق كالمني، ولا يعقبه فتور، هذه من صفات المني. أما المذي فليس فيه هذه الصفات، لا يخرج بشهوة ولا بتدفق ولا يعقبه فتور. قال: وهو نجس، بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «توضأ واغسل فرجك». والحديث في البخاري، حين أمر المقداد أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «كنت رجلا مذاء» - أي كثير المذي - «فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكانة ابنته مني، فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأله». فقال: «فيغسل ذكره». يعني من المذي. ولم يأمر فيه بالغسل، تخفيفا للحرج، لأنه مما يشق الاحتراز منه. يعني إذا خرج من الإنسان المذي، ما يلزم أن يغتسل، لا، الذي عليه أن يغسل ذكره، ويتوضأ. طيب، وهو نجس باتفاق العلماء. المذي نجس باتفاق العلماء. وإذا أصاب البدن، وجب غسله. وإذا أصاب الثوب، فإنه يكتفى فيه بالرش. كما في حديث سهل بن حنيف، حين سأل النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «كيف بما يصيب الثوب؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به ثوبك». رواه أبو داود. قال سادسا: الودي، قال: وهو ماء أبيض ثخين، يخرج بعد البول. ومن أصابه، فإنه يغسل ذكره ويتوضأ ولا يغتسل. الودي ماء أبيض ثخين، يعني غليظ، يخرج بعد البول، بعد ما يبول الإنسان، أحيانا يشعر بشيء يريد أن يخرج، فيخرج هذا الماء، هذا يسمى ودي، وهو نجس. حكمه حكم البول، يجب غسل الذكر، والوضوء. إذا أراد الإنسان أن يتوضأ، وجب عليه أن يتوضأ، ولا يجب بخروجه الغسل. إذا: عندنا مما يخرج من ذكر الإنسان، أو الذكر، ثلاثة أمور: المني، والمذي، والودي. المني، والمني، والمذي، والودي، والبول، أربعة، أربعة أشياء تخرج من الذكر، وهذا كذا أيضا من المرأة. وهذه الأربعة الأمور كلها نجسة إلا المني، فهو طاهر. إلا المني فهو طاهر، والبقية الثلاثة نجسة، وكلها يوجب الوضوء إلا المني، فإنه يوجب الغسل. المني يوجب الغسل، وأما البول والمذي والودي، فهذه توجب الوضوء. قال سابعا: دم الحيض، كما في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، قالت: «جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض، كيف تصنع؟ قال: «تحته ثم تقرصه بالماء». تقرصه بمعنى تدلكه، تدلكه بأطراف الأصابع، تحكه بأصابعها أو بطرف حجر أو نحو ذلك، ثم تقرصه بالماء، أي تدلكه بأطراف الأصابع بالماء، وتصب عليه الماء حتى يزول. قال: ثم تنضحه، يعني تغسله، تعميه بالماء، ثم تصلي فيه. فالأمر بغسل الثوب من دم الحيض يدل على نجاسته. يدل على نجاسته. ومثله أيضا دم النفاس مثل دم الحيض. دم النفاس، وهو الدم الذي يخرج بعد الولادة. طيب، بعض العلماء أيضا ذكر من النجاسات الجلالة. الجلالة هي: الدابة التي تأكل النجاسة، الدابة التي تأكل النجاسة، كالدجاج مثلا، أو الظأن التي تأكل النجاسة، فإنها ينهى عن أكلها حتى تحبس، ويحصل لها التطهير، لقول النبي عليه الصلاة والسلام أنه «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة، عن أكل لحومها وركوبها». رواه أحمد والنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلالة، عن ركوبها وأكل لحومها. نعم، وجاء في روايات أخرى أنها تحبس حتى يحصل لها التطهير. ذكر في الدجاجة أنها تحبس ثلاثة أيام، وفي الشاة أربعين يوما، وفي الشاة أربعين يوما، يعني ما يغلب على الظن أنه يحصل لها بذلك حصول التطهير من هذه النجاسة. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.