الدرس في شرح كتاب الطهارة 9، ألقاها
يشرح المقطع شروط وآداب الاستجمار، حيث يُشترط أن يكون بثلاث مسحات على الأقل وأن يُختم على وتر، مع النهي عن استخدام اليمين وأقل من ثلاثة أحجار وبعض المواد مثل العظم وبول وروث الدواب.
يناقش المقطع حكم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في الصحراء بلا حائل، بينما يجوز في البنيان أو بوجود حاجز، مع اختلاف آراء العلماء واستدلالهم بأحاديث مختلفة.
يتناول المقطع كيفية الجمع بين أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وقوله في مسألة استقبال القبلة، حيث يُجمع بين الأدلة بحمل النهي على الكراهة أو التفريق بين البنيان والصحراء، ويُنصح بترك استقبال القبلة لتجنب الخلاف والكراهة.
قال المؤلف: ولا يجزئ في الاستجمار أقل من ثلاث مسحات، لحديث سلمان رضي الله عنه: «نهانا -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- أن نستنجي باليمين، وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستنجي برجيع أو عظم». والحديث في مسلم. حديث سلمان: «أن النبي عليه الصلاة والسلام علمهم آداب الخلاء، أو بعض من آداب الخلاء، وذكر منها: ونهانا أن نستنجي باليمين -وسيأتي الكلام عليه في موضعه-، وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار». هذا في أنه من استنجى، أو في أولا جواز إطلاق الاستنجاء على استعمال الحجر، وهو الاستجمار. قالوا: «أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار»، فيجوز إطلاق الاستنجاء على استعمال الحجر، أو كذلك أيضا الاستطابة على استعمال الماء، قال: «بأقل من ثلاثة أحجار»، في أنه لا بد في الاستجمار بالحجر أن يكون ثلاثة أحجار أقل شيء، ما يجوز أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأنه الغالب لا يحصل بها الإنقاء، غالبا لا يحصل بها الإنقاء، وإن حصل فلا بد من ثلاثة أحجار. لو أنه مثلا استجمر بحجرين وحصل بها الإنقاء، نقول: زد ثالثا، زد ثالثة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام، أو لنهي النبي صلى الله عليه وسلم على الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، لابد أن تستنجي أقل شيء بثلاثة أحجار. وكذلك أيضا ينبغي أن يختم على وتر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن استجمر فليوتر، ومن استجمر فليوتر»، فينبغي أن يختم استجماره بوتر. لو أنه مثلا استعمل أربعة أحجار حصل بها الإنقاء، نقول: زد خامسة حتى تختم بوتر. طيب إذا كان هناك حجر له ثلاثة أطراف، هل يجزئ الاكتفاء به؟ الجواب: نعم، يجزئ الاكتفاء به؛ لأنه يقوم مقام ثلاثة أحجار، يقوم مقام ثلاثة أحجار. قالوا: «أن استنجي برجيع أو عظم»، كذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن استنجاء برجيع أو عظم، الرجيع يعني روث الدواب، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن استعمالها. والسبب في ذلك هو إما لأنها نجسة إذا كانت لحيوان لا يوكى اللحم، كرجيع الحمار مثلا، فيكون عدم استعمالها لكونها نجسة، كما جاء في بعض الروايات في حديث المسعود: «إنها ركس، إنها روثة حمار». وأوه، كون العلة لكونها من زاد الجن؛ لكونها من زاد الجن، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما لقي الجن كما في حديث المسعود في الصحيح، وسألوه الزاد، قال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه أن يكون أوفر ما تجدوه لحما». وهكذا أيضا الروث ذكر أنه علف لدوابهم، أو كما أخبر عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا العلة في أن نهي عن الاستجمار بها واستعمالها. المسألة الثاني: استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، حال قضاء الحاجة في الصحراء بلا حائل، بلا حائل يعني حاجز، أمانع؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الغائطة فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا». قال أبو أيوب: «فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله». والحديث في الصحيحين. هذا الحديث فيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، قال: «إذا أتيتم الغائط»، والغائط يطلق ويراد به المكان المنخفض من الأرض، ويطلق ويراد به ما يخرج من الإنسان، وهو يشمل هنا -يعني- يشمل أو يحتمل كلا المعنيين، يراد به ما يخرج من الإنسان، أو المكان الذي يقضي فيه حاجته، «فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها»، يعني لا تجعل -لا تجلس في قضاء الحاجة تجاه القبلة- تجعل القبلة أمامك، أو تستدبرها تجعلها خلف ظهرك، خلف ظهرك، «ولكن شرقوا»، ولكن شرقوا «أو غربوا»، هذا الخطاب لأهل المدينة ومن كان مثلهم، فإنه يقضي في قضاء الحاجة أنه يشرق أو يغرب، والمقصود أنه لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها فيجعل مجلسه في قضاء الحاجة إلى غير جهة القبلة. فأبو أيوب يقول: «فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض -يعني مواضع عدة لقضاء الحاجة كالحمام نحوه- وجعلت تجاه القبلة»، قال: «فننحرف عنها ونستغفر الله»، يعني لا نستقبل القبلة، بل ننحرف عنها ونبتعد عن استقبال القبلة. طيب هذا النهي اختلف العلماء: هل هو للتحريم أو للكراهة؟ أو هو عام في حال -يعني- البنيان أو في حال الصحراء؟ أو يفرق بين البنيان والصحراء؟ أقوال متعددة في هذه المسألة، ذكر بعض العلم كالحافظ بن حجر رحمه الله نحو من ثمانية أقوال في هذه المسألة. وذكر المؤلف هنا في هذا الكتاب القول الراجح إن شاء الله في هذه المسألة، وهو التفريق بين البنيان والصحراء، فذكر الآن أنه في حال قضاء الحاجة في الصحراء، ليس بينك وبين القبلة حاجز، ليس بينك وبينها حاجز، لا جذار ولا حيوان ولا شيء يحجزك في استقبال القبلة، فهنا لا يجوز. وأما إن كان بينك وبين القبلة بنيان وحاجز، فإنه يجوز، ما هو الدليل؟ قال: «أما إن كان في بنيان، أو كان بينه وبين القبلة شيء يستره فلا بأس»؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول في بيته مستقبل الشام مستدبر الكعبة»، الحديث في الصحيحين، قال: «رقيت يوما على بيت حفصة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة». بعض أهل العلم قال: هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأما بقيت الأمة فإنهم على عموم النهي. لكن يجاب عن هذا: أن الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام التشريع، الأصل في أفعاله التشريع، وكونه عليه الصلاة والسلام قضى حاجته وهو مستقبل الشام مستدبر الكعبة، مع نهيه عن ذلك هنا، لابد أن نجمع بين هذا النهي وبين هذا الفعل، بين هذا النهي وبين هذا الفعل. وأفضل ما يجمع به: أن يحمل النهي على الكراهة، أو على التفريق بين البنيان والصحراء، ففي حال البنيان يقال هذا جائز لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، ويبقى النهي على عمومه في غير البنيان، يبقى على عمومه في غير البنيان. قال: «ولحديثي مروان الأصفر»، هكذا عندي في النسخة، أظن الصواب «بالأصفر»، مروان الأصفر، بعض العلم بهذا، بعض العلم حمل النهي في الاستقبال والاستدبار على الكراهة، قاله: يحمل النهي على الكراهة، لكن القول بالتفريق بين البنيان والصحراء أقرب؛ لأنه سلم نهى، وهذا النهي يشمل البنيان والصحراء، ثم جاء أنه فعل ذلك في حال البنيان، فيخص النهي بماذا؟ في حال الصحراء، ويبقى البنيان على الجواز، يكون هذا أظهر في الجمع بين الأدلة. وإلا لا شك أن هذه قاعدة صحيحة: أنه إذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء ثم فعله، فيحمل النهي على الكراهة. وبعضهم يستعمل قاعدة: أن فعله الخاص لا يعارض قوله العام، فيكون فعله خاص به، ويبقى العموم القول لسائر الأمة. وهذه يستعملها الإمام الشوكاني رحمه الله في بعض المواضع كما في كتاب «نيل الأوطار». لكن في الحقيقة إذا جئت إلى الجمع بين الأدلة، فالأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التشريع، وليس الخصوصية، الخصوصية لا بد لها من دليل يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك على جهة الخصوصية، وأنه خاص به، فإذا لم يكن عندنا دليل على التخصيص، فالأصل هو عموم التشريع، فلابد أن نجمع بين ما ورد من الأدلة والأحاديث التي فيها نهي، وفيها فعل هذا الأمر الذي نهى عنه، فيجمع بما يدل، أو ما هو أقرب للصواب، كالحمل نهي على الكراهة ونحو ذلك. قال: «أناخ ابن عمر بعيره مستقبل القبلة، أناخه -يعني أجلسه- جهة القبلة، قال: يبول إليه -يبول جهة البعير- قال: قلت يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ -يعني عن استقبال القبلة في البول- قال: بلى، إنما نهي عن هذا في الفضاء، إذا في الفضاء»، بمعنى إذا لم يكن بينك وبين القبلة شيء وحاجز، أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. وهذا الأثر رواه أبو داود والدار قطني، وحسنه الحافظ بن حجر والألباني رحمهم الله، وابن عمر فهم من هذا: أنه في حال الصحراء، أما في حال بنيان فإنه لا مانع، مع شدة حرصه على متابعة النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فترك ذلك أولى. قال: «والأفضل ترك ذلك حتى في البنيان، هذا أولى؛ خروجا ماذا؟ من الخلاف». وهكذا أيضا ابتعادا من الكراهة، فيحرص المسلم على أنه لا يستقبل القبلة أو يستدبرها في حال قضائه سواء كان في الصحراء أو كان في البنيان. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، والآله وصحبه أجمعين.