الدرس في شرح كشف الشبهات 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المؤلف كيفية الرد على من يزعم أن دعاء غير الله ليس عبادة، وذلك بإثبات أن الدعاء عبادة من خلال الآيات القرآنية. ثم يبين أن دعاء غير الله يعتبر شركاً بالله.
يشرح المقطع أهمية إخلاص العبادة لله وحده، ويستدل بآيات قرآنية على وجوب التوجه بكل العبادات لله. كما يوضح أن من يدعو غير الله يعتبر مشركاً.
يناقش المؤلف معنى الشفاعة لغة واصطلاحاً، ويشرح أنواع شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. ويبين أن الشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة.
النبي محمد صلى الله عليه وسلم له منزلة عالية عند ربه في الشفاعة، حتى في حق الكفار. هذه المنزلة تظهر قدرة النبي على الشفاعة واستجابة الله لدعائه.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. في درس أمس، إخواني في الله، كان الانتهاء من ذكر الشبهات الثلاث التي ذكرها لنا المؤلف رحمه الله تعالى، وهي الأصل عند القبورية، وعند مشركي هذا الزمان. ثم أخذ المؤلف رحمه الله تعالى وسرد لنا بعض الشبه التي يأتي بها المبتدعة. قال: من ذلكم، قال رحمه الله: فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إليهم ودعاؤهم ليس بعبادة، فقل له: أنت تقرأ أن الله افترض عليك إخلاص العبادة لله. فإن قال: نعم، فقل له: بيّن لي هذا الذي فرضه عليك، وهو إخلاص العبادة لله، وهو حقه عليك. فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها، فبيّنها له بقولك: قال تعالى: ﴿أدعو ربكم تضرعا وخفيا إنه لا يحب المعتدين﴾. فإذا أعلمته بهذا، فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلابد أن يقول: نعم، والدعاء مخ العبادة. فقل له: إذا أقررت أنها عبادة، ودعوت الله ليلا ونهارا خوفا وطمعا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيا أو غيرا، هل أشركت في عبادة الله غيرا؟ فلابد أن يقول: نعم. فقل له: فإذا علمت بقول الله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾، وأطعت الله ونحرت له، هل هذا عبادة؟ فلابد أن يقول: نعم. فقل له: فإذا نحرت لمخلوق، نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلابد أن يقول: نعم. وقل له أيضا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلابد أن يقول: نعم. فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك؟ وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم والتجأوا إليهم للحاجة والشفاعة. وهذا ظاهر جدا. هذه في الحقيقة هي الشبهة الرابعة التي يذكرها المؤلف رحمه الله تعالى عن هؤلاء، أنه في حق من يقول... طبعا الشبهات، إخواني، ينبغي حتى لا تتقيد بأمر، لا تظن أنها من متكلم واحد، أو أن المؤلف يجري حوارا مع شخص فيتسلسل معه في الشبهات. هذا ليس بلازم، ولا تجد التشابه لأن المؤلف يفترض افتراضات أن هذا يأتي بشبهة على نسق، وهذا يأتي بشبهة على نسق آخر، وهذا يأتي بشبهة بنسق آخر. فالمؤلف رحمه الله تعالى ينوع لنا الشبهات باعتبار عدة أشخاص، هم الذين يبثون هذه الشبهة، وكل له طريقته. وهذه الشبهة التي بين أيدينا مفادها أن صاحبها يرى أنه أولا ما عبد غير الله، وما وقع في الشرك. وهذه ما أظن أحدا من أهل الدنيا يقول: أنا مشرك. ما أحد يقول بأنه مشرك، بل يرى أنه على التوحيد الخالص الصافي. لكن كل على شاكلته، فهذا الرجل، وهو يتحدث عن شخص يدعو غير الله ويذبح لغير الله، يرى نفسه أنه لا زال على التوحيد، بحجة أنه يقول: أنا ما أعبد غير الله، أنا لا أعبد غير الله سبحانه وتعالى. والأمر الثاني، يرى أن الالتجاء بالدعاء للصالحين ليست عبادة. يرى أن التوجه إلى الصالحين بالدعاء والتضرع، هذا ليست عبادة. هذا هو مناط الشبهة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. بدأ المؤلف بقولي: فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك الإخلاص، إخلاص العبادة، فوحقه عليك. فإن قال: نعم، فقول له: بيّن لي هذا الذي فرض عليك الله عز وجل فرض على العبادة، خلاص العبادة. هذا فرض، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. هذا أمر أمره الله عز وجل على كل أحد. وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُشْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. فالله عز وجل أمر بالإخلاص، وبالمقابل أخبر ربنا جل وعلا أن من خرج عن نطاق الإخلاص، فقد وقع في الشرك، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فأخبر ربنا جل وعلا أن من لم يقم بالإخلاص، فقد وقع في الشرك. ولهذا أمر المؤلف، وأمرك يا أيها الموحد، أنك تثبت على هذا الأصل مع المشركين. قل له: أن الله أمرني وإياك أن نخلص العبادة لله. فما هو الإخلاص؟ بيّنه لي، اشرحه لي. إيش الإخلاص لله عز وجل؟ فتعطي مجالا لهذا أن يتكلم. فإن لم يتكلم، أن تأعنه بالكلام بما آتاك الله من الحجج، وبما آتاك الله من العلم. وهذا أسلوب تعليمي، فيه إشارة أنك يا عبد الله، في باب النقاش، لا تتصور أن خصمك مكابر، بل ربما كان خصمك جاهلا يريد أن تعلمه. فعلمه، وأعظم حجج التوحيد العلم، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿يا أبتي إني جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني﴾. العلم سلطانه قوي في باب الحجج. ولو كان من صغير لكبير، ولو كان من ابن لأب: ﴿إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني﴾. الاتباع يكون لمن له حجة. فأحيانا يأتيك بعض المبتدع، بعض الضلال، بعض من تلوث بالشركيات، يكون جاهلا. تجده والله سبحانه وتعالى تجد في زيارات القبورية، تجد ذاك الرجل المنفعل، ربما معه الميكروفون أو يسير في أوالي الجلائز، أو أنه يتكلم أو يأخذ هذه البدع على محمل الجد. وتجده وأنت تظن أنه رجل أعوذ بالله، هذه أي شهادة؟ فإذا جالسته، تجده لا شيء، لا شيء، وإنما كل هذه الأبهة عاطفة، عاطفة فقط هي التي أججت من حماسه، ليس عنده عقيدة، وليس عنده علم. فأنت عنده في باب النقاش، تصور أن الذي يبتل به في النقاش، ما قد يكون جاهلا، ليس بالضرورة مكابرا. تدخل معه بشدة، وأنا فأنا أبدأ معه بما آتاك الله من الحجج الشرعية، كما بدأ المؤلف. هل تعرف هذا؟ بيّنه لي، وضحه لي. إذا ما استطاع بيّنه، أنت له حتى ترجو منه الهداية. ترجو منه الهداية. وهذا أسلوب علمي أوضحه المؤلف رحمه الله تعالى. وأما معنى العبادة، قد مر ذلك معنى تكرارا ومرارا. هذا معنى العبادة، أن الله كما قال شيخ الإسلام، اسم جامع لما يحبه الله. لكن كيف تدل على العبادات؟ إخلاص العبادة لله، كيف تعلم؟ وكيف تستدل على هذه المسألة؟ أنت الآن تريد أن توضح للمسلم الجاهل أن الله جل وعلا أمرنا بالإخلاص لدينه. هنا قال علماء: أنت بين أمرين اثنين. إما أنك تأتي بالأدلة العامة التي فيها أثبت الله أن العبادات له. تستدل بالأدلة العامة على أن العبادات لله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. هذا من أدلة العامة أن الله أمر كل عبادة، كل ما تظنه عبادة، الله أمرك بأن تتوجه له به، له سبحانه وتعالى. كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. أمرك الله عز وجل بأن تتوجه بالعبادات له. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. هذا الطريق الأولى في إلزام الناس بإخلاص العبادة، أن الله أمر بالتوجه بكل عبادات له. والأمر الثاني، وهو الدليل الخاص، أنك تستدل بكل عبادة على حدى بأنها عبادة. أن تستدل بكل عبادة على حدى بأنها عبادة، أمر الله جل وعلا بأن تقصد به سبحانه وتعالى. فهذه جهتان في مسألة إخلاص العبادات لله. إما أنك تستدل بالعموم، ومن عموم العبادة، وهذا يحوجك إلى أن تعرف ما معنى العبادة، حتى تلزم هذا أن يدخل هذه الأشياء كلها تحت مسمى العبادة. أو تأتي بالدليل الخاص، تأتي بالدليل الخاص على أن الله أمر بهذه العبادة بعينها، أن تفرد له سبحانه وتعالى. والمؤلف رحمه الله تعالى استدل بمسألة الدعاء، من العبادات التي ينبغي أن يخلص فيها لله عز وجل. ذكر مسألة الدعاء، لماذا؟ لكثرة انتشارها. أكثر ما يصر في العبادات لغير الله، مسألة الدعاء، وما تفرع منها: التوجه، القصد، الاستغاثة، الاستعانة، طلب المدد. كل ذلك يتفرع من الدعاء، لأن الدعاء ما معناه في اللغة؟ الدعاء في اللغة والشرع بمعنى الطلب. هذا معنى الدعاء، كما قال إمام الشوكاني وغيره: الدعاء لغة وشرعا بمعنى الطلب. كل طلب دعاء. فبدأ المؤلف رحمه الله تعالى بذكر مسألة الدعاء، لأن من أشهر المسائل التي وقع فيها البلاء، وقعت فيها البلية. والمؤلف رحمه الله تعالى استدل بهذه الآية: ﴿أدعو ربكم تضرعا وخفيا إنه لا يحب المعتدين﴾. وكان هذا من طبيعة كفار قريش وكفار العرب، كانوا يدعون الآلهة ويدعون الله معها، برفع أصواتهم، برفع الأصوات. فأمر الله جل وعلا أهل الإيمان بالتأدب بالتأدب في مقام الدعاء. فأمر الدعاء، قال: ﴿أدعو﴾. ويدخل في الدعاء: دعاء الطلب، ودعاء المسألة، دعاء العبادة، ودعاء المسألة. ﴿أدعو﴾ أمر ربنا جل وعلا بدعائه. ﴿أدعو ربكم تضرعا﴾. الدعاء التضرع، فيها معنى الإلحاح، فيها معنى الإكثار مع الظل، تضرع لله. هذا من أداب الدعاء، الإكثار من الدعاء، كما قال عليه الصلاة والسلام: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل». قالوا: وكيف يستعجل يا رسول الله؟ يقول: «دعوت فلم يستجب لي، فيترك الدعاء». هذا استعجال. كما بعض الناس يريد حاجة من ربه، فيدعو الله، فإذا رأى أن هذا الشيء ما تحقق، ولا ظهرت أماراته، يترك الدعاء. هذا استعجال، لا تستعجل، وإنما انتظر، انتظر. فإن الله يحب أن يسمع الدعاء من عبده. لهذا جاءت في بعض الآثار: «إن الله يحب الملحين في الدعاء». وإن كان فيه ضعف الحديث، لكن المعنى الصحيح: الله يحب الملحين في الدعاء. تكثر من الدعاء، أكثر في أي طلب تدعو الله، في سجودك، في قيامك، في مدخلك، في مخرجك. فإن الله عز وجل بيده كل شيء. هذا التضرع. قال: ﴿وخفيا﴾. وخفيا، ومن الخفية: أنك لا تقصد بدعائك الشهرة، لا تقصد بدعائك الشهرة والسمعة، وأنك تريد مدح الناس بدعائك. هذا خباً. الآن سبحان الله، كثيرا هذا الآن تجد بعض الناس يذهب إلى الحج أو إلى العمرة، أو كان عند الحجر أو كان عند الحجرة النبوية، يقول: اللي يصور، صورها، صور. آه هكذا يرفع يديه، يجعلك تصور، ثاني، ثاني هكذا يرفع يديه، يمنى ويرفع يديه. طب إيش هذا؟ هذا شهرة، شهرة تريد أن ترسل للزوجة والعيال، والله بقوله ما شاء الله، يدعو الله عند الحرم، ما شاء الله. هذا ما يجوز، هذا يا عبد الله. الله أمرك أنك تدعو خفية، أبعد يكون ذلك في جنح الظلام، فيما بينك وبين الله، لا يسمعك إلا إذا عند الحاجة، مثل الخطيب الجمعة يدعو بالاستسقاء، أو يدعو لعامة المسلمين، هذا أمر آخر. لكن فيما بينك وبين الله، اجعله خفية، ابتعد يا عبد الله. ومن ذلكم عدم رفع الصوت، عدم رفع الصوت. لكن هذا من صور الخفية: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾. وصور الاعتداء في الدعاء كثيرة، صور الاعتداء في الدعاء كثيرة. فلا تعتدي في دعائك. فالشاهد أن الله قال: ﴿أدعو ربكم﴾. أمر الله بأن يدعاه، ما هناك أحد يزاحم الرب في الدعاء. فما لنا رب سواه، سواه جل في علاه، فهو الذي يدعى. فإن قال: فإذا أعلمته بذلك، فقل له: هل علمت هذه عبادة لله؟ طيب. ثم بعد ذلك في مسألة: إذا قال شخص ما، يعني المؤلف قال له: إذا أقررت أنها عبادة، ودعوت الله ليلا ونهارا خوفا وطمعا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيا أو غيرا، هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلابد أن يقول: نعم. طبعا. قال: لا، أنا ما أشرك بالله. هذا مكابر، انتهينا. إذا صرح لك بأن الدعاء عبادة، بأن الدعاء عبادة لله، ثم تقول له: طب ما حكم من يدعو غير الله؟ قال: ما في شيء. هذا كافر، مشرك. لا تتعب نفسك في مجادلته، لأنهم مكابر، لأنهم مكابر. يوجد هذا، نعم يوجد أناس من المكابرين، لا يبالون بأن يتفوه بمثل هذه الكلمات. أذكر قبل أيام، كلمني أحد الإخوة، أنا كنت في مجموعة مع بعض الحمقى من الصوفية، فكان يتلاقش معه، وكان هكذا يصار يقول: ما في إيش في الدعاء غير الله؟ ما في شيء. أنا قلت: يا أخي عجيب. قال: أنا والله نقول له هكذا. أنا أظن هذا مغفل، ما هو عاقل، ولا واعي. قال لي: يقول هكذا. إيش في الدعاء غير الله؟ عادي. فبعضهم يعني يتفوه بهذا، هذا كفر، وهذا الشرك، وهذا لا تتعب نفسك، امسك معه، دعه، اتركه. إذا وصل به المكابرة إلى هذا الحد، إلى أنه ينكر... وهذه مسألة، وهذه الفقرة خاصة ذكرها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، في تعليقه على كشف الشبهات، في تعليقه على كشف الشبهات. وذكر هذه الفقرة حول أنك تبين لهذا المشرك أن الدعاء غير الله عبادة، وأنه الشرك وكفر. فعلق الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى على أن هذه مسألة من أعظم المسائل التي وقع فيها الجهل، من أعظم المسائل التي وقع فيها الجهل. ولماذا هذه مسألة عظيمة؟ قال رحمه الله: أولا، لأنه جهل بالتوحيد الذي هو أساس الملة. خطورة هذه مسألة تكمن أنها تدور على مسألة التوحيد. كونك لا تدري من الذي تصرف له العبادات، هذا جهل عظيم، لأنه يتعلق بأمر التوحيد. ثم ذكر المسألة الثانية: الشيخ محمد إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، في تعليقه، له رسالة في تعليقه في الشبهات، ذكر أن الأمر الثاني: أن هذا جهل بأمر مستفيض واضح، بأمر مستفيض واضح. يعني هل تجهل وإن كنت لا تدري، فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. ولا البلية ليجهل بهذا الصورة، بهذه الصورة: أنك تجهل أساسيات التوحيد، وهك تجهل أساسيات الدين. هذا هو الجهل العظيم. ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى: فقل له: فإذا علمت بقول الله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾. انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى عبادة أخرى، وهي الزبح والنحر. الزبح والنحر، والذبح والنحر، هي عملية إزهاق أرواح الحيوانات، إزهاق أرواح الحيوانات، عن طريق ماذا؟ إسالة الدم، عن طريق إسالة الدم. لكن الزبح يكون بالقطع، والنحر يكون بالطعن. هذا الفرق بين الزبح والنحر. الزبح هو إزهاق الروح بإسالة الدم عن طريق القطع. وأما النحر، وهو إزهاق الروح بإسالة الدم عن طريق الطعن. يطعن الجمل في لبته، لهذه الفتحة، يطعن حتى يسال منه الدم، يسال منه الدم فيسقط، فيسقط. فإذا سقط، كانت هذه عملية النحر. فقال: ﴿فصلي لربك وانحر﴾. والإسلام أمر أن المسلم إذا ذبح أو نحر، يتوجه بذلك لفظا وقصدا إلى الله. وذكرنا في مسائل قريبة إلى مسائل الذبح، إلى مسائل الذبحي، وما يتفرع منها من الصور الأربع، وما يتفرع منها من الصور الأربع. ففيها الربوبية، وفيها الألوهية، اجتماعا وافتراقا. ثم قال رحمه الله تعالى: وقل له أيضا: هل كان المشركون الذين نزل فيهم القرآن... بين له على أن الكفار، الكفار كان شركهم في مسألة ماذا؟ كان شركهم في مسألة التقرب، التقرب لغير الله، للأشجار والأحجار والملائكة والأنبياء والأولياء، يتوجه إليهم بالدعاء والذبحي. هنا كانت صورة الشرك. فمن وقع فيما وقع فيه الأوائل، فقد شابههم في شركهم، فقد شابههم في شركهم. حديث ذاك الرجل صاحب بوانة، عندما نذر أن ينحر إبلا ببوانة، فقاله عليه الصلاة والسلام: «هل فيها وثن يعبد؟» قال: لا. فدل ذلك على أن من عادات العرب أنهم كانوا يذبحون الذبائح عند الأصنام، ويتقربون لها عند الأوثان. وبهذا تعلم أن هذه من أعمال الجاهلية، أنهم يتقربون إلى أصنامهم وإلى الأنبياء والملائكة بذبح القرابين، بذبح القرابين. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتبرأ منها؟ فقل له: لا، أنكرها، ولا أتبرأ منها، بل هو صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأرجو شفاعته. ولكن الشفاعة كلها لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾. طيب. انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى شبهة خامسة، وهي شبهة الشفاعة. ومن العجيب سبحان الله، أمس بعد صلاة الظهر، كان معي درس في جامع التقوى، وبعدما انتهيت، أتى لي أخ من الإخوة، وكان يسألني في بعض المسائل في التوحيد. ومن مسائله ذكر لي أنه في مجموعة فيها بعض المتصوفة، يأتون ببعض الشبه، وكان من شبههم في قضية التوجه لغير الله، من الأنبياء والصالحين، الشفاعة. الشفاعة، فيستدلون بمسألة الشفاعة، بشفاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام، من خلالها يتسربون إلى مسألة التوجه لغير الله. والمؤلف متى ذكرها؟ ذكرها قبل مئات السنين، في زمنه رحمه الله، في زمنه رحمه الله. وهاهم نحن في هذا القرن، في القرن العشرين، نفس الشبه يأتون بها. فدل ذلك على أن الشبه، إخواني في الله، تستمر. أنت قد تجدها مفهومة عندك، واضحة عندك، لكن بعضهم لا زال يصر بها الأغمار، يصر بها العوام. فهذه الشفاعة، وهذه الشبهة، الشفاعة التي سنذكرها الآن، هي من الشبهة الموجودة، لا زالت الآن. وهو أن الصوفية والقبورية وعباد القبور، يستدلون بها على مسألة الجواز، السؤال والطلب من غير الله عز وجل. ومن هنا، إخواني في الله، سنذكر بعض المسائل متعلقة بالشفاعة. نبدأ أولا بذكر مسألة تمهيدية متعلقة بأمر الشفاعة، حتى نفهم معنى هذا الباب، وخاصة أن القوم يستدلون به كثيرا، كثيرا على مسألة التوسط لغير الله جل وعلا. أولى المسائل في مسألة الشفاعة: ما معنى الشفاعة؟ ما معنى الشفاعة؟ إذا فهمنا هذا الباب، نفهم هل يصح استدلالهم أم لا يصح استدلالهم؟ هل الدعاء شفاعة؟ هل التوسل بالصالحين شفاعة؟ ما هي الشفاعة أصلا؟ ما هي الشفاعة؟ الشفاعة، قال ابن فارس رحمه الله تعالى: قال: الشين والفاء والعين، الشين والفاء والعين، قال: أصل صحيح، أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين. يدل على مقارنة الشيئين. راجع نعجم مقاييس اللغة. والشفاعة لغة مأخوذة من الشفع، والشفاعة لغة مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر، ضد الوتر، كما قال ربنا: ﴿والفجر وليال عشر والشفع والوتر﴾. والشفع والوتر، فسمي الشافع شافعا، سمي الشافع شافعا، لأنه صار... لأنه صار بالنسبة للسائل زوجا، بعدما كان فردا، بعدما كان فردا. الشفع ضد الوتر، الوتر هو المنفرد، والشفع هو الزوجي، الزوجي. فسمي الشافع شافعا، لماذا؟ لأنه شفع السائل، السائل صاحب الحاجة، كان لوحده، كان لوحده، فجاء عند غيره وطلب منه الشفاعة، فوافق. فماذا أصبحوا؟ أصبحوا اثنين، أصبحوا اثنين، هو واحد، واحد أراد حاجة، متر ما استطاع لوحده، فاستعان بشافع: يا فلان، أنا أريد كذا، تأتي معي تشفع لي؟ يقول: أبشر. فجاء معه، فأصبحوا كم؟ أصبحوا اثنين. أصبحوا اثنين، واضحون. الشفاعة، هذا في باب اللغة. لهذا قال إمام الأزهري رحمه الله تعالى: قال: الشافع، الطالب لغيره، يستشفع به إلى المطلوب، يستشفع به إلى المطلوب. وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: وهو السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم، وهو السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم. ولهذا عرف العلماء الشفاعة اصطلاحا: هو التوسط للغير، لجلب منفعة أو دفع مضرة. التوسط للغير، لجلب منفعة أو دفع مضرة. طيب. هذه الشفاعة، التوسط للغير، لجلب منفعة ودفع مضرة، تأتي مسألة الثانية، وهي ما جاء في عنوان هذه الشبهة: أتنكر شفاعة رسول الله؟ شفاعة رسول الله؟ ينبغي أن نعلم، إخواني في الله، أن شفاعة رسول الله، اسم جنس هنا، اسم جنس، بمعنى أن تحت هذا العنوان، عدة شفاعات، ليست شفاعة واحدة، عدة شفاعات، ليست بشفاعة واحدة. فرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطيه ربنا أنواعا من الشفاعات. فلما نقول: شفاعة الرسول، بمعنى شفاعات الرسول، شفاعات الرسول. وأعظم شفاعة ينالها عليه الصلاة والسلام: الشفاعة الكبرى في الموقف، هذه أعظم شفاعة، وهذا هو المقام المحمود، وهذا هو المقام المحمود. ولهذا من الأذكار الذي يؤتى بها: «وآت محمد الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته». وابعثه المقام المحمود الذي وعدته. فأنت دائما تدعو بهذا الدعاء، أنت دائما، وهذا مما يؤتى به بعد الأذان. وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، المقام المحمود هي الموقف، وهو الموقف الذي سيكون يوم القيامة. وإتيانك بهذا الدعاء، يدل على ماذا؟ يدل أولا بوعد الله لنبيه، ويدلك ذلك على حبك لرسول الله، ويدل على حبك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقول هنا: الشافع المشفع، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله، وتبرأ منها؟ فقل: لا، أنكرها، ولا أتبرأ منها، بل هو صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأرجو شفاعته. فهو الشافع المشفع. ما معنى الشافع المشفع؟ هذا دائما تذكر في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام. الشافع، أي بما أعطاه الله، الشافع بما أعطاه الله. ويقال أيضا: الشافع، أي أنه سأل الله أن يعطي فلانا المطلوب، سأل الله. فهو شافع يشفع لأمته، يسأل ربه عز وجل أن يعطي فلانا المطلوب. وهو المشفع، فإنه يستجاب في من شفع فيهم، مشفع، أي أنه يستجاب في من شفع فيهم. كما جاء في الحديث: «يا محمد، ارفع رأسك، وسل تقض، واشفع تشفع». واشفع تشفع. فهو شافع سائل، ومشفع، أي استجيب له. فشافع مشفع: شافع سائل، طالب، ومشفع أن يتحقق له الشفاعة، تحققت له الشفاعة عليه الصلاة والسلام. فنبي لا يرد، حتى لو شفع في كافر، حتى لو شفع في كافر. نقول: حتى ولو شفع في كافر، كما صار مع ماذا؟ مع عمه، مع عمه. مع أن الله عز وجل قال في حق الكافرين: ﴿ولا تنفعهم شفاعة الشافعين﴾. ما أحد، حرص الأنبياء، ذاك الذي أراد الشفاعة لأبيه، وذاك أراد لزوجته، وذاك أراد لابنه، ما تنفعهم أحد أبدا، إلا في شفاعته لما شفع في عمه. ما رده الله عز وجل، فماذا؟ فخفف عنه العذاب، خفف عنه العذاب. «صلوات ربي وسلامه عليه». فهذه منزلة علية جدا عند ربه، حتى في حق الكفار، لما شفع في عمه، استجاب الله لدعائه، فخفف عنه. أحد قال: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل». لولا أنا لكان في الدرك الأسفل. حين قيل: هل نفعت عمك؟ قد كان يدافع عنك. فأخبره بشفاعة عليه الصلاة والسلام. فالشاهد، إخواني في الله، هذه مسائل في الشفاعة، وسيأتي معنا إن شاء الله، في درسي غد، مسائل كثيرة. وحاول أن ما أأتي عليه، حتى نأتي بمجملها، ما يتعلق بصور الشفاعة، ومجالات الشفاعة. ثم كذلك بيان الشبه التي يستدل بها المبتدعة في أمر الشفاعة. وكما أخبرتكم، هذه من أعظم شبهات القبورية، في هذه الأزمان، يستدلون بأمر الشفاعة. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.