الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 46، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المحور يتناول أمثلة على الأسماء الحسنى لله تعالى من القرآن الكريم ومعانيها، مثل العلي والكبير واللطيف. يبين استخدام "كان" في حق الله ليدل على الاستمرار والدوام.
يفسر هذا المحور معاني أسماء الله الحسنى مثل الغني والحليم والشهيد، ويوضح دلالتها على صفات الله وأفعاله تجاه خلقه، معبرة عن كمال الله وعظمته.
يتناول شرحًا لأسماء مثل المحيط والحي والقيوم، ويوضح دلالتها ومعانيها. كما يشير إلى شروط أسماء الله الحسنى وعدم جواز إطلاق أسماء غير مناسبة عليه.
يؤكد على عدم جواز تسمية الله بأسماء لم يسمِ بها نفسه، ويعتبر هذا الباب مغلقًا، مع التحذير من ابتداع أسماء غير مشروعة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما مثال الأسماء الحسنى من القرآن؟ هذا السؤال واضح الدلالة بما له من تعلق بدرس أمس وما مضى من الدروس المتعلقة بباب الأسماء والصفات. فكان في سؤال أمس حول الدليل على أن أسماء الله حسنى، وأشرنا إخواني في الله حينها بأن أسماء الله لا تكون إسما لله إلا إذا جاء وردها وذكرها في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهنا شرع المؤلف رحمه الله تعالى بأن يذكر لنا أسماء من كتاب الله جاء ذكرها في القرآن. والمؤلف رحمه الله تعالى ليس في مقام الحصر والاستقصاء، وإنما سيذكر لنا أمثلة. فقال هنا: ما مثال الأسماء الحسنى من القرآن؟ قال: مثل قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. وسرد لنا أسماءً يأتي ذكرها في حينها. لكن هنا مسألة وهي في ذكر هذا الباب بوصف الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، ما معنى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾؟ هذه مسألة ربما يشكل فهمها على بعض الناس في استخدام فعل كان. لأن بعض يقول: كان إنما دلالته على أمرٍ قد مضى، على أمرٍ قد مضى وانقضى. كان الرجل شجاعًا، الآن ليس بذاك. فهل هذا يقصد به في باب الأسماء والصفات: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا﴾، وأن ليس كذلك؟ لا يقول العلماء أن هذا الأسلوب أو استخدام فعل كان ينظر فيه، فهو فعل كان إما أنه أحيانًا يفيد الانقطاع، وأحيانًا يفيد الاستمرار. فقالوا: فإذا كان الكلام في حق الله جل وعلا: بأن الله كان كذا، فهذا معنى الاستمرار، ويكون معناه الدوام، أي أن الله كان ولا يزال. وكما قال العلماء حينها: يتجرد الفعل من الزمان، حينها يتجرد الفعل من الزمان، فيكون القصد من كان الملازمة. فكان الله سميعًا بصيرًا بمعنى أن الله كان ولا يزال سميعًا بصيرًا. كان الله عليمًا قديرًا بمعنى أن الله كان ولا يزال. فهنا كان في حق الله تفيد الاستمرار بمعنى الدوام. وأما الزمان فإنه يجرد من الفعل، فلا يستخدم أن كان مع زمانها، بل تتجرد كان من الزمان. فإذا هذه الآيات التي يذكرها ربنا عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، ﴿كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، بمعنى أنه كان ولا يزال، أي دائم جل وعلا في هذه الصفات. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾، فمن أسماء الله العلي، ومن أسماء الله الكبير سبحانه وتعالى. فربنا العلي الذي جميع أنواع العلو تكون لله: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر. فكل أنواع العلو لله، فما هناك أحد أعلى من الله. وأنت الظاهر فليس فوقك شيء. وهكذا الكبير، فالله سبحانه وتعالى هو الكبير. وقد ذكر العلماء أن معنى الكبير بمعنى العظيم، فما هناك شيء أكبر ولا أعظم من الله سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، كذلك من أسماء الله اللطيف، ومن أسمائه الخبير. ومعنى اللطيف الرفيق بعباده، اللطيف بمعنى الرفيق بعباده. فربنا يرفق بعباده سبحانه وتعالى، وهو الخبير. وهذا أيضًا من أسماء الله الخبير، وهو الذي يعلم ببواطن الأمور. الخبير هو الذي يعلم ببواطن الأمور، فهو فيه معنى العلم وزيادة. يذكر أن هناك جهاز عند الأطباء قديمًا يسمى المخبار، وكان هذا الجهاز عبارة عن أداة يدخل بها في داخل الجرح لكي يعلم مدى مقداره ومدى مقياسه ومدى عمقه. عن طريق هذا المخبار يعرف المقدار، فبهذا الآلة يعرف شيء باطني. والآن عندنا ما يسمى مختبر، لماذا مختبر؟ لأن فيها فحص بواطن الأمور. فالخبير بمعنى العليم ببواطن الأمور. فربنا سبحانه وتعالى اللطيف أي الرفيق بعباده، وهو الخبير أي العالم والعليم ببواطن الأمور. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، كذلك من أسماء الله العليم، ومن أسمائه القدير سبحانه وتعالى. فالله العليم علمه الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، هذا علم الله جل وعلا. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، كذلك من أسماء الله السميع، ومن أسماء الله البصير. السميع الذي يسمع الأصوات كلها، فما هنالك صوت يخفى على الله سبحانه وتعالى. سبحان الذي وسع سمعه جميع الأصوات، ما هنالك شيء يخفى عن سمع الله جل وعلا. وهو كذلك البصير الذي يقصر الأشياء، فما هنالك شيء يعزب أو يغيب أو يخفى عن نظر الله سبحانه وتعالى. فربنا البصير الذي بلغ الغاية في البصر جل وعلا، فلا هنالك شيء يغيب عن بصر الله ولا عن نظره سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، فربنا العزيز، ومن أسمائه الحكيم. عزيز له العزة التي لا ترام والتي لا تضام، وله الحكمة، فله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. ومما يناسب ذكره ونحن في هذا المقام أسماء الله حسنى، وذلك على انفرادها. كل اسم من أسماء الله بلغ المنتهى في الحسن. وله الأسماء الحسنى، أحيانًا إضافة اسم على اسم، ما الذي يفيدنا؟ مثاله: عندي اسم العزيز من أسماء الله، فعزة الله عزة لا يعادله أي عزة أي أحد من خلقه. فعزته لا ترام ولا تضام، وربنا أيضًا الحكيم الذي أحسن كل شيء وأتقنه بحكمته سبحانه وتعالى. لكن تخيل لو جمعنا اسم على اسم: العزيز ضف معها الحكيم، ما الذي يعطينا؟ يعطينا هذا كمال فوق الكمال، يعطينا هذا كمال فوق الكمال. الأصل الإسم الواحد كمال لله، فإضافة اسم على اسم يعطينا كمال على كمال، فيعطينا معنى ثالث. يعطينا معنى ثالث، فمثاله كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى ما يتعلق بما نحن فيه: العزيز الحكيم. العزيز دلالة على عزة الله، العزة التي ما هناك أحد يستحقها إلا الله، هذا كمال لله. الحكيم وحكمة الله هي حكمة بالغة، فهذا كمال لله صفة ثانية. فلو قلنا: العزيز الحكيم، ما الذي يأتي؟ يأتي لنا وصف آخر وهو وصف ثالث زيادة على العزة وزيادة على الحكمة، يأتي لنا بالاقتران الإسمين أن الله جل وعلا عزته قائمة على حكمة، عزته قائمة على حكمة. لأن بعض الناس إخواني في الله قد تكون عنده عزة عن المخلوقين، عنده سلطة عنده هيمنة عنده قوة. لكن ربما هذه العزة ما الذي ولدت؟ تولد له طيش، تأتي له بظلم. فربما أخذته العزة بالإثم، فهذه عزة المخلوق. لكن عزة الخالق لا، فربنا عزته مقرون بحكمة، فلا يظلم سبحانه مع عزته ومع غلبته ومع قهر العبادة، إلا أنه لا يظلم أحدًا، بل تقوم عزته على حكمة. فهذا ربما تبأ جئنا به، جئنا بهذا الوصف بانطباق الإسم مع الإسم. فالأصل أن الإسم الوءاحد كمال، فإذا وضيف إسم على إسم يعطينا كمال فوق الكمال الذي يذيق بالله جل وعلا. قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، كذلك من أسماء الله الغفور، ومن أسماء الله الرحيم. ﴿إِنَّهُمْ بِهِ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ومن أسماء الله الرؤوف، ومن أسمائه الرحيم. قال: «والله غني حليم»، وهذا أيضًا من أسمائه، فمن أسماء الله الغني الذي استغنى عن خلقه سبحانه وتعالى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، فربنا مستغني عن خلقه. إن يشاء يذهبكم ويأتي بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز، ليس بصعب ولا بعسير على ربنا أن يهلكنا عن بكرة أبينا ويخلف بنا عنا قومًا آخرين، وذلك لكمال غناه، لكمال غناه عن خلق. فهو الغني جل وعلا. قال: «والله غني حليم»، وهو الحليم سبحانه وتعالى الذي بلغ من حلمه أنه حلم حتى الكفار، فها هم الكفار وها هم العصاة، وهم يحادون الله ويعترضون على دينه، بل ويقتلون أولياءه، فلا زال الله يحلم عليهم، فيمهلهم، وهذا من آثار حلم الله سبحانه وتعالى. فهو الحليم بعباده جل وعلا. قال: «إنه حميد مجيد»، كذلك من أسماء الله الحميد، ومن أسمائه المجيد. فهو الحميد بمعنى المحمود، لأن فعيل وزن فعيل: حميد يأتي على معنى المفعول. فحميد بمعنى المحمود، أي أن الله جل وعلا هو الذي يحمد على كل حال، هو الذي يحمد على كل حال. ولهذا أثر عن نبينا عليه الصلاة والسلام: أنه إذا وجد ما يسره قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا وجد غير ذلك قال: «الحمد لله على كل حال». فلا يحمد أحد على أي حال إلا الله سبحانه وتعالى، فهو المحمود، فهو الحميد الذي يحمد على كل حال جل وعلا. قال: «والله على كل شيء حفيظ»، كذلك من أسماء الله سبحانه وتعالى الحفيظ. وقيل: معنى الحفيظ أي هو الذي يحفظ ما فعلوه العباد من خير أو شر، ما يفعل العباد من أي عمل كان، فهو محفوظ عند الله. فالله هو الحفيظ الذي يحفظ أعمال العباد. وقيل أيضًا من معاني الحفيظ: أي الحافظ لهم من كل ما يكرهون. فربنا هو الحافظ، فاحفظ الله يا عبد الله، احفظ الله يحفظك. لأن الله هو الحافظ، فالحفيظ يحمل على أنه حفظ أعمال العباد، ويحمل على أن الحفيظ هو الحافظ لهم من ما يكرهونه. فربنا هو الذي يحفظك يا عبد الله من كل سوء ومن كل مكروه. قال: «إن ربي لقريب مجيب»، وربنا كذلك من أسمائه القريب، ومن أسمائه المجيب سبحانه وتعالى. فهو يجيب كل من دعاه، سواء من دعاه دعاء مسألة، فإن الله يجيب، أن يعطيه ما سأل. أو من دعاه دعاء عبادة، فإن الله يجيبه بمعنى أن الله يثيبه. فكل من توجه إلى الله بالدعاء، وقد مضى معنا في درس أمس أن الدعاء عند العلماء على قسمين اثنين: إما دعاء مسألة بمعنى طلب، يا الله، يسمى دعاء مسألة. وإما أن الدعاء دعاء عبادة، بأنك تتعبد الله، فهذا منك طلب، تسأل الله بالعبادة أن الله يؤجرك عليها. فكل من توجه إلى الله بدعاء مسألة ودعاء عبادة، فإن الله هو المجيب سبحانه وتعالى، يجيب من سأله. فإن سألت الله بدعاء مسألة أعطاك، وإن سألت الله بدعاء العبادة فإنه يثيبك سبحانه وتعالى، لأنه المجيب. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، كذلك من أسماء الله الرقيب. ومعنى الرقيب كما قال علماء بمعنى الراقب، رقيب أي فعيل بمعنى فاعل، أي راقب، وهو الحافظ. قيل: أن رقيب بمعنى الحافظ، الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، الذي لا يغيب عنه شيء. قال: «وكفى بالله وكيلًا»، كذلك ربنا من أسمائه الوكيل سبحانه وتعالى. والوكيل هو الذي توكل بالقيام بجميع ما خلق، فكل المخلوقات يقوم ربنا جل وعلا على القيام بما خلق، بأمر هذه المخلوقات، أي المدبر لأمرها ومدبر لشؤونها سبحانه وتعالى. قال: «وكفى بالله حسيبًا»، كذلك من أسماء الله الحسيب. ومعنى الحسيب قال علماء: هو المحاسب على الشيء، المحاسب على الشيء. لأن الله هو الذي يحاسب العباد على أعمالهم جميعًا، كل عمل يعمله العباد، فإن الله يحاسب عليه: خيرًا فخير، وشرًا فشر. فهو سبحانه وتعالى الحسيب، أي المحاسب لعباده. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾، فربنا المقيت، ومن أسماء الله المقيت. واختلف العلماء كما ذكر ذلك الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، اختلف العلماء ما معنى المقيت؟ وهو اسم من أسماء الله. فذكر الطبري من ذلكم: أن المقيت بمعنى القدير، فهذا قول، قال به جماعة من أهل اللغة: أن المقيت بمعنى القدير. وقيل: أن المقيت بمعنى الحفيظ، وقد مر ذلك معنى بأنه الحافظ الذي يحفظ العباد. وقيل: هو الذي يعطي القوت، المقيت هو الذي يعطي القوت، أي الذي يرزقهم. فما من خلق من خلق الله إلا وقوته يصل إليه، من الذي قوته؟ هو الله سبحانه وتعالى. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، ما من دابة تدب على وجه الأرض، حتى الحشرات، حتى الهوام، حتى النمل في جحرها، رزقها من الذي يقويتها؟ الله سبحانه وتعالى. ﴿لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا﴾، فربنا من معاني المقيت والذي يعطي القوت، أي يعطي الأرزاق. قيل: هذا من معاني المقيت. وقلنا كما قلنا سلفًا: أن العلماء كالطبري وجماعة بيّنوا أن العلماء اختلفوا في معنى المقيت: إما أنها بمعنى الحفيظ، وإما بمعنى القدير، وإما بمعنى الذي يعطي القوت. قال: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، فمن أسماء الله الشهيد. وهنا شهيد: فعيل بمعنى فاعل، أي أن الله شاهد، شاهد على ما يفعله العباد. فما من شيء يغيب عن علم الله، بل كل ما ظنه العباد أنهم يلغيب، فهو عند الله من علم الشهادة، يراه ربنا عز وجل، ولا يغيب عنه شيء. ولو كنت يا عبد الله في أسفل السافلين، فما يعزب عن الله شيء. فربنا شهيد على كل ما يفعله العباد. ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾، وهكذا من أسماء الله المحيط سبحانه وتعالى. ومعنى المحيط: أي الذي أحاط بجميع خلقه بقدرته، قدرة الله أحاطت بجميع خلقه. وهو بكل شيء محيط، أحاط ربنا بقدرته جميع المخلوقات، فما هناك أحد يخرج عن قدرة الله. إذا أراد الله شيئًا من أي أحد من خلقه، فإنما يقول له: «كن»، فيكون. وذلك لعموم وشمول قدرته على خلقه، لأنه أحاط بهم. وقيل كذلك: المحيط هو الذي أحاط بعباده علمًا، فما هناك شيء يغفل عنه الله سبحانه وتعالى أبدًا. كل شيء مصطر في كتاب الله سبحانه وتعالى، فربنا المحيط. قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، كذلك من أسماء الله الحي الذي له الحياة التامة، والحياة الدائمة، والحياة الكاملة. وحياة الله هي الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم، ولا تلحق بزوال، ولا يكون هذا أبدًا إلا لله سبحانه وتعالى. وهو كذلك القيوم، وهذا الاسم يأتي بعدة أوزان: القيوم، والقيم، والقيام، وكلها من أسماء الله. فربنا القيوم، وربنا القيم، وربنا القيام. وكما جاء في صحيح مسلم: «الله في قوله»: «لك الحمد أنت قيام السماوات والأرض»، «لك الحمد أنت قيام السماوات والأرض». فالقيم، والقيوم، والقيام من أسماء الله. وما معناها؟ معناه: هو الذي قام بتدبير أمر عباده، قام بتدبير أمرهم وتدبير شؤونهم. فما نرى من قيام العباد بمصالحهم هو في الحقيقة من تقدير الله لهم. ما نحن فيه من عيش، ومن كسب، ومن رزق، ومن صحة، وما من أمور إلا تعود إلى قيموميته سبحانه وتعالى. فالحي القيوم عليها مدار خلق العباد جل وعلا. قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهذه الأسماء الأربع من أسماء الله. فالله الأول الذي لم يسبقه شيء، وربنا الآخر الذي ليس بعده شيء. وربنا الظاهر الذي ليس فوقه شيء، والله الباطن الذي ليس دونه شيء، فهو أقرب لعباده سبحانه وتعالى من حبل الوريد. قال: وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، من أسماء الله الرحمن، ومن أسماء الله الرحيم، الذي له الرحمة الواسعة الشاملة الواصلة. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس، ربنا الملك الذي ملك جميع الأملاك، فالملك ملكه، والكون ملكه، والخلق عبيده، ما هنالك شيء خرج عن ملك الله. القدوس هو الذي تقدس وتنزه سبحانه وتعالى: السلام، وهكذا من أسماء الله السلام، من أسمائه السلام سبحانه وتعالى. وهو الذي سلم من كل عيب، ومن كل نقص، ومن كل خلل. فربنا سبحانه وتعالى تنزه عن هذا كله، فهو السلام الذي سلم من كل عيب ونقص. قال: «السلام المؤمن»، كذلك من أسماء الله المؤمن. قيل: أن المؤمن مأخوذ من الإيمان بمعنى التصديق، فربنا المؤمن أي المأخوذ من معنى التصديق. فيكون الله المؤمن هو الذي صدق ما وعد به، فربنا المؤمن هو الذي صدق ما وعد الله به. هذا إذا قلنا: أن المؤمن مأخوذ من الإيمان بمعنى التصديق، بمعنى هو الذي وعد أو صدق ما وعد به. فربنا لا يخلف وعده، فهو المؤمن الذي صدق ما وعد به. وقيل: أن المؤمن مأخوذ من الأمان، فيكون معنى أن الله سبحانه وتعالى هو المؤمن، أي بمعنى هو الذي أمن عباده مما يخافونه. أمن عباده مما يخافونه. «المؤمن المهيم»، وكذلك المهيم من أسماء الله. واختلف العلماء في معنى المهيم على عدة أقوال. وقيل: أن المهيم بمعنى الشهيد على خلقه. وقيل: أن المهيم بمعنى الرقيب، الرقيب على عباده. وقيل: هو الأمين، فهذه معاني يذكرها العلماء في معنى المهيم: إما الرقيب، وإما الشهيد، وإما بمعنى الأمين. قال سبحانه: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾، كذلك هذه من أسماء الله، من أسماء الله الخالق، ومن أسماء البارئ الذي برأ النسمة، ومن أسماء سبحانه وتعالى هو المصور الذي صور خلقه على صور مختلفة، كل تميز عن الآخر بصورة. من الذي وضع هذه الصور؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي صور وغاير بين صورها وبين أجسامها وبين هيئاتها، فهذا من فعل الله جل وعلا. فربنا هو المصور. قال رحمه الله تعالى: «هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى»، قال: «وغيرها من الآيات»، أي آيات كثيرة فيها الذكر لأسماء الله الحسنى. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. يقول: هل يجوز أن ندعو الله بأن نقول: يا حبيبي يا الله؟ لا يجوز يا عبد الله، لا تصف الله عز وجل إلا بصفة تليق بالله سبحانه وتعالى. فالمحبة نوع من أنواع الوصف، لكن لا يطلق على الله: يا حبيبي يا الله. فما أطلق هذا على الله عز وجل، وما وصف ربنا عز وجل بهذا الاسم حبيبي، لا، لا تطلق على الله كلمة حبيبي. وإنما يدعو الله عز وجل بأسمائه الحسنى، بأسمائه الحسنى. وأسماء الله عز وجل قبل مرد معنا بشروط، من شروط أسماء الله الحسنى: أن تكون دل عليه الكتاب والسنة، هذا الشرط الأول. الشرط الثاني: أن مما فيها المدح، أن فيها المدح وليس فيها نقص. وما كان من اسم من أسماء وراك، وما كان هناك من اسم يعني هذا الاسم يحتمل أن يكون مدحًا ويحتمل أن يكون ذمًا، فلا يطلق على الله. مثال: المتكلم، المتكلم نعم ربنا يتكلم، لكن هل يسمى الله بالمتكلم؟ لا، ما نسمي الله بالمتكلم. لماذا؟ يقول العمالي: أن المتكلم أحيانًا المتكلم يكون كلامه خيرًا، وأحيانًا يكون كلامه دون ذلك. ولهذا ما يسمى الله بالمتكلم، ولا يسمى الله بالمريد، مع أن الله يفعل ما يريد سبحانه وتعالى، لكن وصفه نعم، نصف الله بالإرادة، فربنا يريد. لكن هل نسمي الله باسم المريد؟ لا، ما يسمى الله باسم المريد. لماذا؟ لأن المريد قد يريد خيرًا، وقد يريد شرًا. فلما تكون الأسماء فيه احتمال كذا وكذا، فلا تطلق على الله أبدًا. ولهذا يقول العلماء: يغلق هذا الباب بالمرة، وليسمى الله إلا بما سمى به نفسه. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.