شرح أعلام السنة المنشورة  62

شرح أعلام السنة المنشورة 62

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 62، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

علاقة أنواع التوحيد الثلاثة وتلازمها

بحث في علاقة توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات ببعضها، حيث بين أن السلف درجوا على تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام متلازمة لا تنفك أبدا. من أخل بنوع منها، فإن هذا الخلل يؤثر على البقية.

مفهوم التلازم في الإيمان والتوحيد

يشرح مفهوم التلازم في الإيمان والتوحيد، حيث يؤكد أن الإيمان بالله يقوم على أصول متعددة متلازمة، وأن الكفر بواحد منها يعني الكفر بالجميع. كما ينطبق ذلك على التوحيد الذي يتكون من ثلاثة أقسام متلازمة.

حدود الشرعية في الدعاء وتوجيهه لله

الدعاء هو العبادة ولا يجوز توجيهه لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، لأن ذلك يعتبر شركاً في العبادة والربوبية والأسماء والصفات. طلب الحاجات من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله يعتبر شركاً.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف كتاب التوحيد رحمه الله تعالى: هل جميع أنواع التوحيد متلازمة، فينافيها كلها ما ينافي نوعا منها؟ هذا السؤال والذي ختم به المؤلف رحمه الله تعالى أنواع التوحيد الثلاثة، حيث إنه كما ذكر وقرر رحمه الله تعالى أن أنواع التوحيد الذي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وعليه عمل الأمة، ومن خلال التتبع والاستقراء التام، إلى أنه على أقسام ثلاثة: توحيد الربوبية، والألوهية، وتوحيد في الأسماء والصفات. وهذه الأنواع الثلاثة قد ذكرناها في أوائل الكتاب، بأن مما درج عليه السلف، مما درج عليه السلف الأوائل رحمهم الله تعالى، وأن هذا ليس من بدع الأقوال، كما يدعي بعض المبتدعة من ذكرهم أن التقسيم بهذه الأنواع الثلاث إنما جاء عند المتأخرين، لا، لم يكن عند المتأخرين، بل كان عند المتقدمين رحمهم الله تعالى، ذكر ذلك في القرن الثالث والرابع والخامس والسادس، على أن أقسام التوحيد ثلاثة، وذلك من حيث النظر إلى المتعلق، وهو الله سبحانه وتعالى، فالتوحيد يكون في حقه إما في ربوبيته، وإما في ألوهيته، وإما في أسمائه وصفاته. فهنا ختم هذا المبحث رحمه الله تعالى بهذا السؤال: هل جميع أنواع التوحيد متلازمة، فينافيها كلها ما ينافي نوعا منها؟ أي هذه الأنواع التوحيد الثلاثة، هل العلاقة بينهم علاقة انفصال وانفكاك، أم أن العلاقة بينهم علاقة ارتباط وارتباط التلازم؟ والصحيح أن الثلاثة متلازمة، بمعنى أنها مرتبطة بعضها ببعض، لا تنفك أبدا، لا تنفك البتة. ولهذا، إخواني في الله، المقرر عند علمائنا أنه من أخل بنوع من أنواع التوحيد الثلاثة، فإن هذا الخلل يعود على البقية، فإن كان خللا في الأداء، فإنه يؤثر في البقية في أدائها، وإن كان الخلل في الوجود، نفيا وإثباتا، فإنه كذلك سيخل بالبقية، فمن أنكر نوعا واحدا من أنواع التوحيد، فكأنه أنكر الباقي، لو أنكر نوعا واحدا فقط من أنواع التوحيد، فإنه قد أنكر الباقي. وهذه المسألة، إخواني في الله، مسألة التلازم، وجدت كثيرا في كتاب الله سبحانه وتعالى، مثاله الإيمان بالله، أو أصول الإيمان الستة، أصول الإيمان الستة تقوم على ستة أصول: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، بالقدر خيره وشره، فمن زعم أنه قد أقر بخمسة منها، إلا أنه لم يقر بباب الملائكة، فإنه كافر بالله، ولو أتى بالخمسة مستوفاة للشروط وبهيئاتها، فما ينفعه الكفر بأحدها. مثاله: لو أن أحدا من الناس زعم أنه آمن بجميع الرسل، من لدن آدم عليه السلام إلى أن يبعث الله الأرض ومن عليها، أو قل على خاتمتهم محمد عليه الصلاة والسلام، إلا أنه في شك من رسالة ونبوة يوسف عليه السلام، ينفعه هذا؟ لا والله، ما ينفعه، لماذا؟ لأن الإيمان بالرسل من الأبواب المتلازمة، ينبغي أن تؤمن بالجميع. وهكذا أصول الإيمان الستة، لابد أن تؤمن بالجميع، وهكذا يا عبد الله التوحيد، فالتوحيد يقوم على هذه الأمور الثلاثة، فمن أتى بها فهو الموحد لله، ومن أخلى بواحد منها فقد أخلى بالتوحيد، فمن زعم مثلا أنه قد وحد الله في ربوبيته وفي ألوهيته، إلا أنه جاحد لباب الأسماء والصفات، مثلا هذا موحد، لا يكون موحدا، ولا ينفعه إيمانه. مثاله: لربما تجد عند رجل يعتقد بأن الله هو المتصرف في الكون سبحانه، وأنه الضار النافع، بيده تيسير الأمور وتيسيرها، هذا أتى بتوحيد ربوبية، وهو كذلك يقبل على الله بالعبادات، فهذا توحيد العبادة وتوحيد الألوهية، لكنه جهمي، جهمي منكر لباب الأسماء والصفات، فهذا الباب ما أقر به، فهذا كفر في باب الأسماء والصفات، أي يكون جزء منه موحد، وجزء منه كافر، لا يقول: كافر بالكلية، من أين كفره؟ لأنه جاحد باب الأسماء والصفات، ومن جاحد بابا من أبواب التوحيد الثلاثة، فإنه مشرك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: هل جميع أنواع التوحيد متلازمة، فينافيها كلها ما ينافي نوعا منها؟ قال: نعم، هي متلازمة، فمن أشرك في نوع منها فهو مشرك في البقية، مثال ذلك سيأتي المؤلف رحمه الله تعالى بمثال، ويتضح به المقال. قال رحمه الله تعالى: مثال ذلك دعاء غير الله وسؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله، ضرب مثال بهذه الجزئية الدعاء، وهو الطلب، دعاء الغير قد يكون دعاء وثن، دعاء صنم، دعاء قبر، دعاء ميت، دعاء ولي فيما لا يقدر عليه إلا الله. وانظر لهذا الضابط: لا ليس كل دعاء منهي عنه، لأنك قلت: دعاء، وهو في اللغة كما قال الشوكاني: الدعاء في اللغة بمعنى الطلب، فكون أنادي فلان، هلم يا فلان، أدعو لي فلان، هذا دعاء، وهل كل دعاء شرك؟ لا، ليس كل دعاء شرك، إذا كان فيه ما يقدر عليه الخلق، فهذا لا إنكار عليه، لكن الكلام على ما لا يقدر عليه إلا الله، كإغاثة ملهوف، أو غفران الذنوب، في أمور هي من خصائص الرب، فتطلب من أحد كائنا من كان أن يؤدي إليك أمرا، وهذا الأمر في حقيقته ما يقدر عليه إلا الله. فكونك تطلبها من غير الله، هذا شرك في العبادة، لماذا؟ لأن الدعاء عبادة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة»، فكما أن الصلاة عبادة لا يصلى إلا لله، فالدعاء عبادة لا يكون إلا لله، فكونك يا عبد الله تدعو غير الله، يا صنم، يا ولي، يا وثن، يا حي، يا ميت، فيما لا يقدر عليه إلا الله، فكأنك تعبده من دون الله، لأن ما هو الشرك؟ هو صرف العبادة لغير الله. قال: وسؤال إياه تلك الحاجة من جلب خير أو دفع شر، معتقدا أنه قادر على قضاء ذلك، هذا شرك في الربوبية، حيث اعتقد أنه متصرف مع الله في ملكوته، الآن انظر لهذا الخلل، كون هذا الرجل المخذول الذي سأل بشرا من البشر، ميتا أو حيا، في أمر لا يقدر عليه إلا الله، من إنجاب ذرية، أو أن يرزقه مالا، ويعطيه ماذا جاه هذا الأمر؟ كونك تطلب من هذا، هذا الشرك في العبادة. ثم إنه لم يدع هذا الدعاء من دون الله إلا مع اعتقاده أنه يسمعه على بعد والقرب، في أي وقت كان، وفي أي مكان، ويصرحون بذلك، وهو شرك في الأسماء والصفات، حيث أثبت له سمعا محيطا بجميع المسموعات، لا يحجبه قرب ولا بعد، إذن أوقع هذا أيضا الشرك في الأسماء والصفات. فاستلزم هذا الشرك في الإلهية، الشرك في الربوبية، والأسماء والصفات، فتأمل يا عبد الله كيف أن الدعاء لغير الله معنى أصالة شرك في الألوهية، شرك في عبادة الله، كيف أنه أدخل صاحبه في الشرك في الربوبية، وأدخله في الشرك في الأسماء والصفات. وهذه دلالة على ما يقرره العلماء بأن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة، بمعنى مرتبطة بعضها ببعض، فالإخلال في واحد منها هو في الحقيقة إخلال في بقيتها، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.