الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا المحور نوعاً من المناولة يتمثل في كتابة العالم حديثه وختمه والإذن بالرواية عنه، وهي درجة دون المناولة المباشرة. وقد عمل بها السلف والخلف وأجيزت الرواية بها عند الجمهور، بينما لم تُقبل الشهادة بها للاحتياط في الأموال.
يبين المحور الفروق الجوهرية بين الشهادة والرواية، فالرواية أوسع وأبنى على المسامحة بخلاف الشهادة الأشد قيوداً. كما يجيز العمل بالوصية المختومة وكتاب القاضي إذا عُرف خطه، مستنداً إلى أقوال أئمة الأمصار، مع التنبيه أن جواز العمل بالخط لا يجيز الشهادة بما لم يُسمع.
يناقش المحور قبول العلماء للكتاب المختوم المشهود عليه دون قراءته على الشهود معتبرين ذلك عملاً بالخط يُسمى وجادة. ويستعرض رواية بشير بن نهيك الذي كتب ما سمعه من أبي هريرة وعرضه عليه فأقره وأذن له، وهو أقصى درجات التثبت.
يذكر المحور أن البخاري نفى سماع بشير من أبي هريرة، بينما صحت الرواية عند الترمذي في العلل. مما يدل على ثبوت السماع أو أن للبخاري اعتراضاً خاصاً منع تصحيحه لهذه الرواية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: ومن أنواع المناولة أن يكتب العالم إلى رجل بشيء من حديثه ويختمه، ويأذن له في روايته عنه. على هذه كتابة مع مناولة، وهي دون المناولة من يده. على أن يكتب له الكتاب ويختمه على أنه كتاب، فهذه مكاتبة مع مناولة. مع أنها تشبه المناولة، لكن هي أقرب إلى المكاتبة، والمكاتبة نوع من أنواع التحمل. قال: قد روى بها خلق كثير من جلة السلف والخلف. قال أيوب، وشعب، ومنصور، وغيرهم: إذا كتب إليك العالم فقد حدثك. قال ابن وهب: كان يحيى بن سعيد يكتب إلى الليث بن سعد، فيقول الليث: حدثني يحيى بن سعيد. وكان هشام يكتب إليه، فيقول: حدثني هشام. وقال: وهؤلاء منهم من طرد ذلك في باب الشهادة، فأجاز الشهادة على الكتاب المختوم نحوه، على أنه يشهد أن هذا كتاب فلان، وإن لم يعلم ما فيه. وحكي ذلك عن الزهري، وهو قول أبي عبيد وأبي يوسف. فأخرجه طائفة من أصحابنا رواية عن أحمد. ومنهم من فرق بين الرواية والشهادة، فأجاز الرواية بالمناولة دون الشهادة على الخط المختوم، وهو المشهور عن الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء. ولأن الشهادة وإن كانت في الأموال وكذا، لكنها يُحتاط لها أكثر، والحديث منتشر. فإذا كتب عالم إلى غيره وختمه، فهذا الحديث لا يستطيع معرفة معانيه إلا من عرف هذا الباب، بخلاف الشهادة. قال: فرق كثير منهم. وفرق كثير منهم بأن الرواية مبنية على المسامحة، فإنه لا يشترط لها العدالة الباطنة، ويقبل فيها قول النساء والعبيد مطلقاً، ويقبل فيها العلعنة، بخلاف الشهادة. وقد ذكر العلماء الفرق بين الشهادة والرواية في عدة أشياء. قال: ومنهم من فرق بين الشهادة... قد يخفى تغيرها وزيادتها ونقصها، بخلاف الحديث فإنه قد حفظ وضبط، فلا يكاد يخفى تغيره. وقيل: إن في كلام أحمد إيماء إلى هذا الفرق. وقد أجاز كثير من العلماء الوصية المختومة وإن لم يشهد عليها، وهو نص أحمد، وقول محمد بن نصر المروزي وغيره. والآن هذا يحتاجه الناس؛ قد يجدون كتاباً، وهذا الكتاب مختوم بختم هذا الشخص، لكنه لم يشهد عليه، أو أشهد عليه أحد أبنائه وكذا، أو أشهد عليه الذي أوصى له. قال: وكذلك أجاز كثير من فقهاء الحجاز عمل القاضي بكتاب القاضي إذا عرف أنه كتابه، من غير شهادة على ما فيه. وقد حكى المعافى بن زكريا ذلك عن جمهور فقهاء الحجاز والشام ومصر والمغرب والبصرة، وحكاه عن مالك، والأوزاعي، والليث، وإسحاق، وأبي عبيد، وسماهم عدداً كثيراً. هذا في الشهادة، ولكن لا يلزم من جواز العمل بالخط المعروف جواز تحمل الشهادة بما لم يسمعه، وإن جاز أن يشهد أنه خط فلان إذا عرفه. قال: ولعل مراد كثير ممن قال بقبول الكتاب المختوم المشهود عليه، وإن لم يقرأ على الشهود، أن يشهد شاهد أن هذا كتاب فلان أو خطه. فهنا يكون العمل بالخط. معنى هذه التي تسمى وجادة، هذه التي يسميها العلماء وجادة. قال: وقد تقدم لنا: لو وقع فرق في المناولة بين العمل والرواية في رواية عنه، فلا يلزم من جواز العمل بما عرف صحته جواز تحمله من غير تحمل، تحمل له. وأما الأثر الذي أخرجه الترمذي من حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة، فقد رواه روح بن عبادة عن عمران بن حدير عن أبي مجلز، قال: قال بشير بن نهيك: كنت أكتب بعض ما أسمع من أبي هريرة، فلما أردت فراقه أتيت بالكتب فقرأتها عليه، فقلت: هذا سمعته منك، قال: نعم. ورواه عثمان بن الهيثم عن عمران به نحوه، وهذا عرض. ورواه أبو عاصم عن عمران بن حدير به، وقال في حديث: فلما أردت فراقه، فقلت: هذا حديثك أحدث به عنك، قال: نعم. وهذا ليس من باب المناولة، ولا من باب العرض المجرد، بل رواية روح تدل على أنه عرض بعد سماع، أنا عرض بعد أن سمع. وفي كلتا الروايتين أنه كان يكتب ما يسمع منه، ثم أقر له به أبو هريرة، وأذن له في روايته، وهذا نهاية ما يكون من التثبت في السماع. مع أن البخاري قال في بشير: لا أرى له سماعاً من أبي هريرة، نقله عنه الترمذي في العلل. لكن هذه الرواية صحت، يدل على صحة السماع، أو لعل البخاري عنده اعتراض في هذه الرواية، ولهذا لم يصحح سماعه من أبي هريرة. بس