شرح أعلام السنة المنشورة  94

شرح أعلام السنة المنشورة 94

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 94، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أمارات الساعة من السنة النبوية

يعدد المؤلف أمثلة على أمارات الساعة من السنة النبوية ويشدد على أهمية التحقق من صحة الأحاديث. يُبين أن العلماء قسموا علامات الساعة إلى صغرى وكبرى.

علامات الساعة الكبرى وفتنة الدجال

يتناول المقطع علامات الساعة الكبرى مركزًا على فتنة الدجال وصفاته وخوارق عاداته، وكذلك الملاحم في آخر الزمان. يُبين عظم فتنة الدجال وأهمية التحذير منه.

تتمة الكلام عن علامات الساعة الكبرى

يتناول المقطع علامات الساعة الكبرى مثل نزول عيسى وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج والدخان والريح التي تقبض أرواح المؤمنين والنار التي تسوق الناس إلى أرض المحشر. هذه العلامات تدل على قرب قيام الساعة.

ختام وتأكيد على الصلاة والسلام

المقطع يشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى. يُظهر الختام احترامًا وتقديرًا للنبي وآله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما مثال أمارات الساعة من السنة؟ في الدرس الماضي ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شيئًا من أمارات الساعة، لكن من خلال النظر في كتاب الله جل في علاه، وفي هذا السؤال سيتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن بعض أمارات الساعة، لكن مما عرفت من السنة. وهذا فيه إشارة من المؤلف إلى أن المسلم في باب الاستدلال لا يخرج عن الاستدلال بهذين المصدرين: الكتاب والسنة. إلا أن الناظر -إخواني في الله- ومن أراد أن يستدل بأدلة من كتاب الله جل وعلا، فهو يحتاج إلى أمر واحد، وهو أن يعرف محل الدلالة فيستدل به. أما من خلال النظر في السنة، فإنك تحتاج لأمر آخر، وهو صحة الحديث. فالقرآن صحيح لا غبار فيه، محفوظ بحفظ الله له، لكن السنة -إخواني في الله- فيحتاج إلى نظر في أحاديثها. فمن أراد أن يستدل بأحاديث السنة، ينبغي أن يتأمل في صحتها أولًا، ثم يستدل بها بعد ذلك. وهذا ما يتعلق بأمارات الساعة، فمن أراد أن يستدل على علامة من علامات الساعة من السنة، ينبغي أن ينظر في صحة الحديث. وقد وجدت طوائف من الناس لو ربما يتعجل بذكر أحاديث من السنة، وأنها فيها بيان لأمارات الساعة، لكن تجد مع التحقيق أن هذه الأحاديث لا تصح. منها على سبيل المثال ما أذكره في مثل هذا المقام: أحاديث السفياني. أحاديث السفياني وردت أحاديث على أن ذلك من علامات الساعة، وأنه رجل يخرج في آخر الزمان. وكم قام بعض الناس بالرفع لهذه الأحاديث، وأنها صحيحة، ثم حاول بعضهم أن يشتغل في إنزالها إلى أرض الواقع، حتى أُلِّفت مؤلفات، وأطنب بعضهم، وأن هذا السفياني هو فلان بن فلان، حاكم العراق في حينه، وأنه هو المعني بهذه الأحاديث السفياني. لكن قبل أن تنضي في استدلالك -يا عبد الله- انظر في هذه الأحاديث المروية. فأحاديث السفياني تحت مجهر التحقيق ضعيفة، ضعيفة لا تصح. وأقوى حديث في هذا الباب ما رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث قال عنه الشيخ الألباني: منكر. ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لم يصح حديث فيما يسمى بالسفياني، وهو الرجل الذي يخرج في آخر الزمان بصفات معينة. فهذا أنموذج -إخواني في الله- لحال بعض الناس، لو ربما يهتم بأخذ الاستدلال من السنة، لكن لا ينظر إلى صحتها، وإلى هل هي يعتمد عليها ويعول عليها أم لا؟ فالمؤلف رحمه الله تعالى من المحققين، والذي ذكر لنا أمثلة ونماذج من السنة الصحيحة التي أخبر فيها نبينا عليه الصلاة والسلام عن بعض أمارات الساعة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما مثال أمارات الساعة من السنة؟ قال: مثله أحاديث طلوع الشمس من مغربها، وأحاديث الدابة، وأحاديث الفتن كالدجال والملاحم، وأحاديث نزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، وأحاديث الدخان، وأحاديث الريح التي تقبض كل نفس مؤمنة، وأحاديث النار التي تظهر، وأحاديث الخسوف وغيرها. استرد لنا المؤلف رحمه الله تعالى بعض الأمارات والعلامات التي هي مسماة عند علماء أهل السنة بعلامات الساعة، والتي وجودها ووقوعها بيان لقرب الساعة. والعلماء -إخواني في الله- في علامات الساعة لهم تقسيمات، وكل قسم باعتبارات. ومنهم من يقسم علامات الساعة من حيث الزمن، ومنهم من يقسم الساعة من حيث الحجم. فبعضهم يجعل علامات الساعة تنقسم إلى قسمين: علامات صغرى وعلامات كبرى. والعلامات الصغرى هي العلامات التي تقع بعيدًا عن الساعة. فمثل إمارة في بعض علامات الساعة قد ظهرت، فبعثة النبي عليه الصلاة والسلام تعتبر على من علامات الساعة. قال نبينا: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وأشار إلى السبابة والوسطى. كهاتين، بمعنى أنه بعث مع قرب الساعة. وأين بعثته عليه الصلاة والسلام؟ فهذه من علامات الساعة الصغرى. وعلامات الساعة الصغرى منها ما قد وقع، ومنها لا يزال يقع، ومنها سيقع بإذن الله. فهذه تسمى علامات صغرى. أما العلامات الكبرى، فهي العلامات التي تلتصق بالساعة، تلتصق بالساعة، فهي مقدمة للساعة، مقدمة للساعة، بحيث إذا ظهرت فإن التوبة تقطع. وأمارة الساعة الكبرى أن إذا ظهرت الواحدة منها، فإن البعدها تتلوها، يتوالى بعضها مع بعض حتى تقوم الساعة. وقد حصر العلماء رحمهم الله تعالى أن علامات الساعة الكبرى تكمن في عشر علامات. وأخذوا هذا الحصر من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام. ومن أشمل الأحاديث المروية في هذا الباب ما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والذي فيه قال عليه الصلاة والسلام: «إنها لن تقوم -أي الساعة- حتى تروا قبلها عشر آيات». فحصر نبينا هذه الأمارات في العشر. ومنها استفاد العلماء لأن هذه العلامات هي العلامات الكبرى. قال عليه الصلاة والسلام: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات»، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. فهذه -لو عددتها يا عبد الله- لوجدتها عشرة. فهذه العلامات العشر يسميها العلماء بالعلامات الكبرى. فمن خلال النظر إلى هذه القسمة، وعند النظر إلى ما سرده لنا المؤلف رحمه الله تعالى، تجد أن المؤلف رحمه الله تعالى إنما سرد لنا منها هنا، ومنها هنا، ذكر لنا شيئًا من علامات الكبرى، وذكر لنا شيئًا من العلامات الصغرى. فقال رحمه الله تعالى: مثل أحاديث طلوع الشمس من مغربها. هذه نعم أمارة جاء ذكرها، والإشارة إليها في كتاب الله، كما مر معنا في قول كثير من المفسرين، أو بعض آيات ربك، وأن المعنية بها طلوع الشمس من مغربها. وجاءت مصرحة بالسنة على أن من علامات الساعة الكبرى أن تطلع الشمس من مغربها. معروف أن جهة المغرب هو محل غروب الشمس، لكن تجد أن هذه الظاهرة الكونية تختل، فتظهر الشمس من المغرب. وهذا الأمر الذي غير معتاد عند البشر يعطيهم علامة وإيقان بأن هذا أوان الساعة. فحينها يؤمن كل الخلق، لكن كما مضى معنا: هل ينفع الإيمان؟ لا. يغلق باب التوبة. فإن كل من رآها آمن من في الأرض، لكن لا ينفع الإيمان. فالكافر إذا أسلم لن ينتفع بإسلامه، وهكذا العاصي إذا تاب لن ينتفع بتوبته، وإنما الناس يبقون على أعمالهم. قال رحمه الله تعالى: وأحاديث الدابة. وهكذا مر معنا أن هذا مما جاء ذكره في كتاب الله، وجاء كذلك مؤيدًا بالسنة، وأن الدابة المذكورة في الكتاب والسنة وتعتبر أمارة من أمارات الساعة، لا أحد يعلم بكنهها ولا بحقيقتها. وإن كان بعض العلماء اشتهد في هذا الباب، لكن ليس عندنا نص صحيح صريح يدل على حقيقة الدابة. لكن من علاماتها أنها دابة تتكلم، حيوان يتكلم ويخاطب الناس، ويجعله الله عز وجل حجة على أهل الأرض جميعًا. قال: وأحاديث الفتن كالدجال. كذلك مما جاء ذكره في السنة أحاديث الدجال. والدجال يعتبر أعظم فتنة وجدت في حياة البشر. ما هنالك فتنة أعظم من فتنة الدجال. فقد صرح بهذا نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في قوله: «ما من خلق -أو قال: ما من بني آدم- قال: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال». وفي رواية: «أمر أكبر من الدجال». منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة، ما هناك أمر عظيم كتاب عظيم كأمر الدجال. لأن فتنته عظمى، فتنته كبيرة، ليس بالأمر الهين. هو رجل من بني البشر، لكن ليس كأي رجل. رجل يدعي الربوبية، وأنه رب من دون الله. لكن ليس فقط دعوة يدعيها، بل هذا الرجل يمكنه ربنا عز وجل من بعض خوارق العادات. ولربما يأمر السماء أن تمطر، فتمطر. ويأمر الأرض بالنبات، فتنبت. ولربما تبعته الجمادات والكائنات. لربما يأتي إلى الخريبة، فيستخرج الكنوز التي في بطنها، فتخرج الكنوز تتبعه -يا عاصي- بالنحل. ويأتي ومعه جنة، ويأتي ومعه النار. وينتقل على وجه الأرض انتقالًا أسرع من الريح. ينتقل هنا وهنا وهنا. لا يحتاج إلى شيء يتنقل به، لكن له سرعة عجيبة يتنقل على وجه الأرض. ويأمر الناس بأن يتخذوه ربا من دون الله. ومن أماراته -طبعًا- ومن خلقته التي جعله الله عليه: أنه أعور. وأنه مكتوب بين عينيه: كافر. يقرأه كل أحد من أهل الإيمان، سواء كان من يقرأ أو من لم يعرف القراءة. فإن الله يجعل لأهل الإيمان بصيرة بهذا الرجل، فتقرأ بين عينيه هذه الكلمة: كافر. وفي رواية: كفر. وكما قلنا: لهذا نبينا لعظم خطورة الدجال، فإنه ما من نبي إلا وحذر أمته من الدجال. وقد كان نبينا يكثر من ذكره، ومن التحذير منه، حتى قال من قال من أصحاب رسول الله: حتى ظنن أنه سيخرج في زماننا، لكثرة ما كان يحذر منه نبينا عليه الصلاة والسلام. ففتنته عظيمة. وقد قال نبينا: «أن من سمع به فلينأ عنه». إياك -يا عبد الله- أنك تتحدى فتنته. لا أحد يستطيع على التحدي لقوة ما يأتيه من خوارق العادات. ولعل بعض الناس يستهين في أمر الدجال، يقول: هذا رجل سينكشف أمره، رجل آدمي، يقول: أنا رب، نتبعه. لا والله. ما نتبعه -يا عبد الله-. لا تغتر بهذه الكلمات. لا تذهب عيدًا. أنظر لحال الأمة المحمدية كيف أن الكثير من أهل الإيمان السذج لربما عبدوا أشخاصًا، عبدوهم، اعتقدوا فيهم الربوبية. أن فلان بن فلان بإمكانه أن يأتي بالرزق، وأنه يأتي بالحبل. المرأة إذا كانت عقيم، لربما تذهب إلى قبر فلاني، أو الولي الفلاني، بأنه ماذا؟ تتلمس بركته، على أنه يجعلها تجن، تنجب. أو ذاك الفقير يلتجئ إلى ضريح هذا. هذا حال من؟ هذا هؤلاء الناس وقعوا في الشرك مع عظماء، مع عظام، وما رأوا شيء من خوارق العادات. فبالله عليك لو جاء الدجال بقوته، ما الذي سيفعل؟ سيفعل الكثير. يهلك الكثير. فنحن نرى الناس ربما سجدوا إلى مخلوقين، وهذا المخلوق ما آتاه الله شيء من قدرة. ما آتاه الله إلا دجال يضحك على السذج من الناس بكلمات عابرة، وشيء من الروحانيات، ومن تلاعب الشياطين، فيجعل فئامًا من الناس يعبدونه، يعبدونه. فكيف إذا جاء الدجال بما لم يأت به أحد من الخلق؟ بسماء تمطر، وأرض تنبت، وكنوز، وجنة، ونار؟ فسيفعل الكثير. يهلك الكثير. ومن هنا أمر نبينا أن من سمع به فلينأ عنه بقوة. شبهه التي يأتيها على عباد الله، وهو أمارة من أمارات الساعة. وقد أحدث كثيرًا جدًا متعلقًا بالساعة عن مكان نزوله، وعن أفعاله، إلى غير ذلك. وهذا ليس المقام مقام الاستطراد في هذه الأمارة. قال: والملاحم. كذلك الملاحم من أشراط الساعة. والمقصود بالملاحم هي المعارك الكبرى التي تقع بين المسلمين وبين غيرهم. قوموا ملاحم. مثل ما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بذابق». والأعماق وذابق مناطق موجودة في حلب في الشام. «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بذابق، فيخرج إليهم جيش من أهل المدينة، هم من خيار أهل الأرض يومئذ». جيش، لكنهم من خيار الناس. يخرجون من المدينة إلى أرض الشام، فيتلاقى الجيشان: جيش الروم، وجيش الإسلام. فإذا تلاقوا، قالت الروم للمسلمين: «خلوا بيننا وبين إخواننا». وهذا فيه إشارة أولًا -طبعًا- على قوة الإسلام. لأن الأهل الإسلام سيكون لهم شأن في آخر الزمان، بحيث يكون لهم قوة عظمى. يتواجهان في حروب -إن صح التعبير- بحروب عالمية. وفي هذا الحديث كذلك إشارة إلى أن الكثير من النصارى سيدخلون في الإسلام، لدرجة أن هذا الجيش الإسلامي فيه الكثير من النصارى ممن أسلم. فيقول الروم للجيش الإسلامي: «خلوا بيننا وبين إخواننا، نقاتلهم». هؤلاء معنا، كيف يكون معنا؟ وهؤلاء كفروا بديننا، نقاتلهم. فيقول المسلمون: «لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا». هؤلاء دخلوا في الدين، أصبحوا مننا وفينا. قال: «فيقاتلان فيقتتلان». في أحاديث كثيرة جدًا أخبر نبينا عن شدة الفتن التي تقع حتى أخبر نبينا أن الطائر لربما يمر فقط في السماء، يمر من جنبات المعركة، فلا يتجاوز إلى الغاية حتى يسقط. حتى الطائر في السماء ما سلم من شدة المعارك التي تطحن طحنًا. فيقتل الكثير. أخبر نبينا أن الأسرة الواحدة فيها من أفرادها مئة، فلا يعيش منهم إلا واحد. ما يعيش إلا واحد. حتى ما يفرح بغنيمة، ولا يفرح بقسمة. الشاهد -إخواني في الله- هذه من الملاحم، معارك كبرى. أنصح التعبير: ستقام في قرب قيام الساعة، وذلك بين أهل الإسلام وبين غيرهم. قال: والملاحم، وأحاديث نزول عيسى. عيسى عليه السلام ينزل. فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة، بل من عقيدة أهل الإسلام: أن اليهود الذين زعموا أنهم وشوا بعيسى، وقتلوه، وصلبوه، هذا كذب. فما صلب عيسى، وما قتل عيسى، ولكن شُبه لهم. إنما شُبه عيسى، ألقي على شخص، وهذا الشخص هو الذي صلب. لكن أين عيسى؟ رفعه الله. رفع الله عيسى عليه السلام، يبقى مرفوعًا إلى أن يأذن الله له بالنزول. فنزول عيسى يكون في آخر الزمان، ونزوله يكون من علامات الساعة الكبرى. ينزل عيسى عليه السلام بأحداث كثيرة جدًا، كذلك جاء في الصحاح. وذكر نبينا أن عيسى عليه السلام ينزل حكمًا مقسطًا، عدلًا. فيكسر الصليب، وهذا كذلك من أعظم الحسرة أليت تكون في حق النصارى الذين اتخذوا الصليب. وطبعًا الصليب إنما ظهر بعد موت عيسى بفترة، وهي من البدع التي أقامها النصارى، يعبدون الصليب، يعتقدون أن هذا فيه رضا لعيسى. فإذا نزل عيسى بنفسه، فإنه أول ما يقوم به من أعمال: يأتي إلى الصليب فيكسر الصليب. وذلك بيان لضلال النصارى، وأن الذي عبدوه ما هو إلا حي يرزق. فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويكون العيش بعده من أفضل العيش، كما قال نبي طوبة للعيش بعد المسيح. يأذن الله للسماء أن تمطر، ويأذن الأرض للنبات، فتنبت. حتى لو أنك بذرت في الصفا لنبت. تأتي إلى صفا حصا، لا تراب ولا سماد، تجعل البذور فيه، فينبت. العظم البركة التي تكون بعد عيسى عليه السلام. ومن أعمال عيسى: أنه يقوم بقتل الدجال. لا أحد يقدر على الدجال إلا عيسى عليه السلام، فيقتله. فيقوم مسيح الهداية بقتل مسيح الدجالة. بالمسيح الدجال يقتله. قالوا: أحاديث نزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج. ومرت معنا مسائل يأجوج ومأجوج، وأنهم قبيلتان من قبائل البشر، عظيمتان، فيهم من الشر والفساد ما الله به عليم. قالوا: أحاديث الدخان. مر معناه، والخلاف فيها. اللي حاصل بين السلف: أن الصحيح أنها أمارة إلى الآن لم تظهر، وأنها ستظهر في آخر الزمان، وأنها من علامات الساعة الكبرى. قالوا: أحاديث الريح التي تقبض كل نفس مؤمنة. كذلك من أمارات الساعة. بعدما ينزل عيسى عليه السلام، ويقتل الدجال، بعد كذلك هذا كله بعد الملاحم، وبعدما يأتي عيسى عليه السلام، وينعم الناس بالخير، تبقى مرحلة. ثم يرسل الله عز وجل ريحًا. وهذه الريح -إخواني في الله- من سمتها أنها تتتبع أهل الإيمان، فما من رجل مؤمن فشم هذه الريح، ولابد أن يشمها، فتقبض روحه، فتقبض روحه. وجاء كذلك في وصف هذه الريح، كما قال عليه الصلاة والسلام: أنها ألين من الحرير. ولا تدع رجلًا على وجه الأرض في قلبه مثقال ذرة من إيمان -أي مؤمن- بغض النظر عن إيمانه: من الخيار أو من الدون، لكن رجل محسوب من الأمة، من أهل إيمان، ولو ضعيف في إيمانه. فإن هذه الريح فإنها تلتقطه، ولو كان في مغارة، ولو كان في الجبان، ولو كان في الكهوف. فإن هذه الريح تتبع أهل الإيمان، فتأخذهم من على وجه الأرض، فلا يبقى على الأرض إلا شرار الخلق. لا تقوم الساعة إلا عليهم. هؤلاء يبقى الأشرار: الدجاجلة والمضلون والكفرة وأهل الإجرام. يتسافدون، يتناكحون، يشربون، يسكرون، يعصون الله. وعلى هؤلاء تقوم الساعة. فإن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق. أين أهل الإيمان؟ قبلتهم هذه الريح الطيبة. قال رحمه الله تعالى: وأحاديث النار التي تظهر. كما جاء في حديث أبي سعيد الذي سمعتموه: أن آخر أمارة من أمارات الساعة أن تأتي تلكم النار، نار تخرج من اليمن، فتطرد الناس إلى أرض المحشر. وجاء في رواية: أنها تخرج من قعر عدن. تخرج نار تشتعل من ذلك المكان، ثم تتوزع على أنحاء الأرض، ثم تلف الناس من كل مكان. تلف الناس من كل مكان. وماذا تفعل هذه النار؟ هذه النار تسوق الناس تسوقهم سوقًا. وهذه النار ليست أي نار طبيعية. هذه أمارة من أمارات الساعة. ما الذي تفعل هذه النار؟ هذه النار تمشي مع الناس، تمشي مع الناس. كما قال عليه الصلاة والسلام: «تقيل حيث قالوا، وتبيت حيث باتوا». يمشون تعبوا، استراحوا، تقف الناس تقف النار، تعطي الناس مهلة حتى يرتاحوا. فإذا قاموا تمشي، فيمشون معها. فإذا دخل عليهم الليل، وأرادوا أن يبيتوا، باتوا، باتت النار، تقف إلى أن يقوم من بات، ثم تمشي وتسوقهم سوقًا إلى أين؟ إلى أرض المحشر. وأين هي؟ في أرض الشام. في أرض الشام. وهذا الذي رجحه المؤلف رحمه الله تعالى. وأحاديث -واختلف العلماء- هل هذه النار تظهر من علامات الساعة، أم أنها تظهر بعد البعث؟ لا. الصحيح أنها تظهر في آخر أيام الدنيا، تعتبر أمارة من أمارات الساعة. وهذا الذي رجحه جماعة من المحققين: كالخطابي، وابن كثير، وابن حجر رحمهم الله تعالى، والقرطبي، والقاضي عياض. لأنها أمارة تكون في آخر أيام الدنيا، بدليل أن هناك أحاديث دلت على أن الناس يهربون من النار، وهم ركبان. منهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يركب. وهناك عشرة يتعاقبون على الإبل. يصعد اثنان، فإذا تعب، ينزل، يركب اثنان، ينزل، يركب اثنان. يتعاقبون على الإبل. كلهم يمشون مع النار، حيث تسوقهم. وما تسوقهم إلا في أرض الشام. هناك يكون أرض المحشر والمنشر. قال: وأحاديث الخسوف. وهو خسوف عظيم، خسف يكون بالمشرق، وخسف يكون بالمغرب، وخسف يكون بجزيرة العرب. وهذا خسف عظيم، الله أعلم بعظمته، يكون ذلك أمارة على قرب قيام الساعة. هذا -إخواني فينا- خلاصة هذه الآيات والأمارات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. والأمارات كثيرة، وكثيرة جدًا. وقد ألف العلماء والمصنفون فيها الكتب المتعلقة ببيان ما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام. وكلها تدل على أن الساعة واقعة نازلة، لا ريب فيها. وأن الإنسان -إخواني في الله- إذا رأى مثل هذه الأمارات، يعد العدة لما سيأتي. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.