شرح أعلام السنة المنشورة  126

شرح أعلام السنة المنشورة 126

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 126، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مراتب الإيمان بالقدر و الكتابة

الإيمان بكتابة المقادير هو المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر، حيث كتب الله جميع مقادير العباد والمخلوقات في اللوح المحفوظ. وتدل على ذلك أدلة قرآنية مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ و﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾.

الكتابة والقدر: التغيير والتبديل

الكتابة في الإسلام تشمل كل شيء، بما في ذلك أعمار الناس وأرزاقهم، وهناك فرق بين الكتابة النهائية في اللوح المحفوظ والكتابة المتغيرة في صحف الملائكة. التغيير والتبديل يحدث في صحف الملائكة وليس في اللوح المحفوظ.

التسليم بقضاء الله وقدره

الإيمان بالقضاء والقدر يساعد المؤمن على التسليم بقضاء الله وقدره، كما يستدل بحديث سراقة بن مالك وجواب النبي عليه الصلاة والسلام حول العمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. الإيمان بما كتبه الله تعالى يسلي العبد عن المصائب.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل المرتبة الثانية، وهي الإيمان بكتابة المقادير؟ المرتبة الثانية التي يعنيها المؤلف رحمه الله تعالى في المراتب الإيمان بالقدر، وقد مر معنا أن الإيمان بالقدر يكمن في أربعة مراتب ينبغي أن تستوفى جميعاً وتؤمن بها جميعاً، أولاها العلم. وقد مر معنا إخواني في الله ما يتعلق بالعلم المراد في باب الإيمان بالقضاء والقدر، الإيمان بأن الله علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فهذا هو علم الله السابق. وهذا النوع من الإيمان بالقدر من الأمور الواجبة، بل يعتبر من جحدها كفر. نعم، يوجد من بعض الفرق الضالة من الملاحدة والفلاسفة من ينكر علم الله، فمن قائل بأن الله ليس عنده إلا العلم الحادث، بمعنى أن الشيء إذا لم يقع لا يعلمه الله، أما إذا وقع فإن الله يعلم به. هذا قول من بعض الضلال، وقول آخر من بعض الفلاسفة بأن الله إنما يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات. وعلى كل من أقدم على إنكار علم الله فقد كفر. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ناظروا القدرية بالعلم، ناظرهم في هذا الباب فليثبتوا علم الله. قال: ناظروا القدرية في العلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا. الذي يقر بعلم الله سابق سيقر بالقضاء والقدر ولا محالة، لأنها سلسلة متصلة لا تنفصل، فمن أقر بالعلم خصم، لكن من جحد العلم كفر. الذي يقول بأن الله ما علم ولا يعلم، أعوذ بالله. ومثل هذا سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن القدر فيكفر؟ قال: إن أنكر العلم كفر، إن أنكر العلم كفر. المرتبة الثانية والتي سيذكرها لنا المؤلف رحمه الله تعالى وهي من مراتب الإيمان بالقدر، الإيمان بالكتابة، والذي نعنيه في هذا الباب بأن الله كتب جميع مقادير العباد والمخلوقات والكائنات، ما من شيء إلا وكتبه الله جل وعلا، الصغير والكبير والقليل والكثير والحقير والجليل، ما من شيء إلا وقد كتبه الله. ما كتب في الكتاب؟ كل شيء قد كتب، وأين هذا الذي كتب؟ في اللوح المحفوظ، كتبه ربنا جل وعلا في اللوح المحفوظ. واللوح المحفوظ جاء ذكره في القرآن بعدة أوصاف، سمي بالكتاب، وسمي بأم الكتاب، وسمي بالإمام المبين، سمي بعدة ألفاظ وكلها تعود وتدل على اللوح المحفوظ. وما هو اللوح؟ الله أعلم بكنهه وحقيقته، حجمه مما صنع الله أعلم. ما عندنا علم بهذا، وإن كان هناك بعض المفسرين من رام الخوض في هذا الباب وأقدم على استقراء بعض الإسرائيليات بمعرفة حقيقة اللوح، لكن ليس لنا ذلك، فهذا من علم الله جل وعلا. فربنا سبحانه وتعالى كتب كل شيء في هذا اللوح، ما من شيء إلا هو مكتوب، فالناس الآن والخلق إنما يصدرون ويتحركون ويتنقلون ويفعلون ما يفعلون بما قد كتب لهم، ثبت في اللوح المحفوظ، ما سنخرج عن هذا، ولن يخرج أحد أبداً عما كتب له وقدر عما كتبه الله له في اللوح المحفوظ. فهذا هو الإيمان الراسخ الذي ينبغي يا عبد الله أن تؤمن به. وهذا له أثر، نعم هذا له أثره، فالإيمان بالقدر ليس فقط عقدي محض، بل عقدي عملي يظهر أثره في سلوكك يا عبد الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل المرتبة الثانية وهي الإيمان بكتابة المقادير؟ وسيأتي معنا المؤلف سيذكر لنا الأدلة الدالة على ذلك. قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، كل شيء، كل من أقوى وأعظم صيغ ألفاظ العموم عند الأصوليين، كل ما تترك شيء وإنما تستغرق جميع أفرادها، فكل شيء ما به أحصيناه أحصاه ربنا أي في إمام مبين. فسر المفسرون الإمام المبين بأنهم اللوح المحفوظ، هذا قول المفسرين قاطبة، وما خالف إلا الزنادقة من الروافض والباطنية، إذ أنهم يفسرون الإمام المبين هنا بعلي رضي الله تعالى عنه. وأين هذا من ذلك؟ لكن هذا من تلاعبهم وتحريفهم لمعاني القرآن. قال: وقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾، وهذا من أسماء اللوح المحفوظ أن يسمى بالكتاب، ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾، كل شيء صدره ربنا. وقال تعالى في محاجة موسى وفرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾، هذا استشكال من فرعون عندما واجه موسى عليه السلام، فرعون بالتوحيد ونبذ الشر، قام فرعون واستدل على موسى بمن سبق، فما شأن من مضى قبلي الذين أشركوا؟ ما حالهم وكيف أمرهم ومصيرهم؟ فقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، قول أمرهم إلى الله سبحانه وتعالى، كل ما فعلوه قد علمه الله وكتبه الله، في هذه الآية الجمع بين مرتبتين: العلم والكتابة. قال: وقال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، كذلك هذه الآية جمعت بين مرتبتين من مراتب القدر: العلم والكتابة. وكما بيَّن كثيراً ما يأتي في القرآن بذكر المرتبتين جميعاً، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾، قلنا شيء بعلم الله، ما تضعه الأنثى سواء كانت من الإنس أو من غير الإنس، ما من الأنثى تضع بشيء إلا وعلم هذا الشيء عند الله سبحانه وتعالى، علم به ربنا سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، هذه إثبات لمرتبة الكتابة، الذي يُعَمَّر العمر المديد هذا قد كتب عمره في اللوح، وإذا نقص من عمره فهذا كذلك موجود في اللوح. وسيأتي تأتي مسألة وطائفة مهمة متعلقة بهذا الباب بباب الكتابة، ويتعلق بالكتابة ستأتي أن الكتب عديدة، الكتب التي تُكتب فيها أفعال العباد متعددة، منها اللوح المحفوظ، وهناك كتب تحت دونها، الذي يكون في اللوح المحفوظ لا يُغَيَّرْ وَلَا يُبَدَّلْ أَبَدَاً، ما يُغَيَّرْ وَلَا يُبَدَّلْ هو باقٍ، لكن هناك كتب تُغَيَّرْ كالكتب التي بأيدي الملائكة. لأن هنا مسألة لربما تختلج صدور بعض الخلق، قد يقول قائل: إذا كان كل شيء قد كتب لماذا أدعو؟ أدعو الله يا الله اللهم زدني في رزقي، اللهم أطل في عمري وأحسن عملي، لماذا أدعو في شيء؟ وقد كتب الله كل شيء. أو تلك الأحاديث التي أخبر فيها نبينا عليه الصلاة والسلام أن من فعل كذا فإن الله يزيد في عمره، في صلة الرحم وحسن الخلق من الأعمال، وعطاعة وبر الوالدين من الأعمال التي ثبتت في السنة أنها تُطيل في الأعمار. قد يقول قائل: وكيف سيُطيل الله في عمري وعمري قد رسم، عمري قد رسم؟ قال العلماء: التغيير والتبديل إنما يكون في الصحف التي موجود بأيدي الملائكة. مثاله: يأتي الملك الذي موكل بكتابة أعمال العبد وهو في بطن أمه في الحديث، ويرسل إليه الملك بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، هذا كتابة تكون وأنت في بطن أمك، فالملك سيكتب لك العمر، لكن أي العمر سيكتبه؟ سيكتب لك عدة خيارات، إن كنت واصلاً لرحمك سيكون عمرك ستون سنة، وإن لم تكن واصلاً لرحمك يكون عمرك أربعين سنة، هذا سيجعل الملك في ماذا؟ في صحيفتك أنت. لكن هذا الذي في صحيفتك هذا الذي بالتردد هذا يكون بهذه الصورة، لكن الذي في اللوح المحفوظ هو النهاية، في اللوح المحفوظ سيعلم ربنا بما سيكون عليه أمرك، واصل لأرحامك فتكون ستين سنة، أو لا تكن واصل لأرحامك فتكون أربعين سنة، هذا فترسم في اللوح المحفوظ. أما الذي بأيدي الملائكة لم يحسم، لم يحسم، يمحو الله يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب، المحو والإثبات كما قال ابن عباس، إنما يكون في الصحف التي بأيدي الملائكة، وهذا الذي رجحه وجنح إليه وانقصر إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل العلم، المحو والإثبات إنما يكون في الصحف. قال رحمه الله تعالى: وغير ذلك من الآيات، والآيات كثيرة، المؤلف إنما ذكر شيئاً يسيراً من آيات القرآن الدالة على إثبات الكتابة في اللوح المحفوظ. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾، كل شيء مستطر يا عبد الله في كتاب الله. قال: وقال عليه الصلاة والسلام: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة»، الشاهد: كتبت، فأهل الجنة قد كتبت أسماؤهم في الة المحفوظ بأنه من أهل الجنة، هل هذا يغير؟ لا يغير ولا يبدل. يؤيد هذا المعنى ما ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمر أن نبينا عليه الصلاة والسلام خرج عليه ذات يوم وقال: «هذان كتابان»، وكأن الإشارة إلى شيء محسوس، إلى شيء محسوس، هذا الظاهر في الحديث. قال: «هذان كتابان»، فأشار إلى الكتاب الذي بيمينه، قال: «هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى آخرهم، فلا يزاد عليهم ولا ينقص، فرغ الأمر، انتهى»، حسن، كل شيء قد كتبه ربنا سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ، علم من هو من أهل الجنة ومن هو من أهل النار. لكن هل نحن نعلم؟ لا أحد يعلم، فلا يأتي متهوك ويسيء الظن بالله ويقول: ألا أنا من أهل النار؟ إذ به يتتبع الشهوات، هذا سخف، هذا سخف. يقول: لأحد يا عبد الله، ما من مجتمع إلا وفيه طائفة من الناس، من يكون أغنياء، ومن الناس من يكون من الفقراء، اسعي يا عبد الله فيها، قل: لا، لا، فيها ناس سيكون فقيراً معدماً، أنا ويد الفقر، أنا، قل: أنت ساذج، أنت ساذج، إذا كنت ترضى الدنياك في دنياك، وهكذا يا عبد الله في أمر الدين، والدين أعظم. فهذا العلم استأثر الله بعلمه، لا أحد يعلم بمنزلتك، ما أحد يعلم، لكن هذا في علم الله، ربنا كتب كل نفس منفوسة ومحلها ومكانها في الجنة والنار، إنما عليك العمل كما سيأتي. قال رحمه الله تعالى: رواه مسلم، وفيه قال سراقة بن مالك بن جعشم: «يا رسول الله بيّن لنا ديننا، كأن خلقنا الآن، بيّن لنا ديننا كأن خلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ لماذا نعمل؟ يمكن أن نعمل، بيّن لنا نعمل يا رسول الله»، قال عليه الصلاة والسلام: «كأن خلقنا اليوم فيما العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما نستقبل؟» أي: عندما نعمل يا رسول الله نعمل هذا العمل نعمله الآن، هل نعمل على شيء قد جرت به المقادير؟ كتب علينا في الصحف، جفت به الأقلام، أم لا؟ لن الخيار أن نفعل ما نشاء، ولسنا نسير على شيء. فقال عليه الصلاة والسلام: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»، قال: «لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير»، لا بل فيما جفت به الأقلام، جفت به الأقلام كناية عن ماذا؟ كناية عن الكتابة. وذكر العلماء كما في حديث ابن عباس: «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، جفت الأقلام وجفت الصحف»، معناها: لأن في واقع الكتابة من كتب بمداد، مثلاً مع أثناء الكتابة يبقى التراب على الورق والصحيفة، فيقابل للمسح، قابل للتحريف، قابل للتنويث، لكن إذا جف الحبر والمداد على الورق لا يؤثر، وهذا معنى كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: بأن الأمر قد انتهى. فلما سأل سراقة بن مالك يصف فيما العمل؟ أبما جرت به المقادير وجفت به الصحف؟ أم فيما نستقبل؟ قال: «لا»، قال: «إنما فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير»، قال: «ففيما العمل؟» وهذه الشبهة التي دائماً تراود الكثير، لماذا نعمل؟ إذا كان الأمر في علم الله السابق، وإذا كان الأمر في الكتب المقدرة وفي اللوح المحفوظ مكتوب، إذا ففيما العمل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «اعملوا وكل ميسر لعمله»، وفي رواية: «كل عامل ميسر لعمله»، سيأتيك المدد من الله لعمله، إن كنت يا عبد الله من أهل الجنة فسيعينك الله على عمل أهل الجنة، وإن كنت من أهل النار يا عبد الله ستجد من يدعوك إلى أهل النار والعياذ بالله، وكل ميسر لما خلق له أو لعمله. وهذا الباب إخواني في الله باب الإيمان بالكتابة له أثر، وهو أنك إذا اعتقدت في قلبك وفي ذهنك أن الذي تسير عليه على وفق ما جرت به المقادير، إذا ترضى ترضى بقضاء الله وتقدر، لا تنازع الله في قدره. مثال ما جاء في الصحيحين في قصة محاجة آدم عليه السلام وموسى، أراد أن يحاج آدم عليه السلام في مسألة إخراجه من الجنة، فعاتبه في هذا الباب، قال: «أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، فأكلت من الشجرة فأخرجت نفسك وإيانا من الجنة»، فالآن موسى عليه السلام يعاتب أباه آدم عليه السلام على ما وقع منه من أكله للشجرة. لو لا هذه الأكلة لكنا في الجنة، وما خرجنا إلى أرض البلاء إلى هذه الأرض التي تعبنا فيها، أرض الشقاء. وقال: «أنت أبونا، أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، أخرجتنا ونفسك من الجنة، فأكلت من الشجرة فأخرجتنا ونفسك من الجنة»، فقام آدم عليه السلام بماذا؟ حاج موسى بهذه المسألة التي نحن بصددها. قال آدم لموسى عليه السلام: «أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، في رواية: «على أمر قد كتبه الله علي»، تحاج يا موسى في أمر قد قضاه ربي علي، متى؟ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ومقادير الخلائق قدرها الله وكتبها الله قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فحينها قال نبينا عليه الصلاة والسلام عندما ذكر محاجة آدم لموسى: «فحاج آدم موسى، فحاج آدم موسى، فحاج آدم موسى»، غلبها ثلاث مرات، هذه المحاجة أنك تسلم يا عبد الله بما قدره الله وكتبه الله عليك، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، جفت الأقلام، قلعت الأقلام وجفت الصحف. الإيمان بالقضاء والكتابة يا عبد الله يسلي عنك المصائب التي تقع عليك، يسليك. قيل في قصة ذكرها العلماء في كتب التواريخ عن عبد القادر النابولسي رحمه الله تعالى من أهل السنة، ابتلاه الله بالعبيدية الكفر الزنادقة، فألقوا القبض عليه وأرادوا أن ينكلوه، فنكلوه فعذبوه شر تعذيب، قيل أنه علق فكان يسلق لحمه، جلده عن لحمه وهو حي، فرحمة الله تعالى عليه. هذا الإيمان لماذا كان يتسلى؟ يتسلى بقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْتُورًا﴾، الإيمان بمرتبة الكتابة يسلي عليك يا عبد الله الكثير من الأمور، كلما اعتراك هم، اعتراك غم، أتتك نازلة، أتتك مصيبة، اعلم أن الله قد كتب ذلك عليك، فلا مغيّر لحكمه ولا مبدّل قضائه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.