الدرس في شرح لامية ابن الوردي 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المحور معنى النميمة وحرمتها بالإجماع وكونها من الكبائر مستدلاً بالقرآن والسنة، مبيناً أنها تحلق الدين وتفرق بين الناس. كما يفرق بوضوح بين النميمة المذمومة التي تهدف للإفساد، والنقل المباح أو المستحب الذي يقصد به الإصلاح والتحذير من الشر.
يستعرض المحور ستة واجبات على من تنقل إليه النميمة ذكرها الغزالي، منها عدم تصديق النمام ونهيه وحسن الظن بالأخ وترك التجسس. ثم يوضح الفرق الجوهري بين المداراة المحمودة وهي بذل الدنيا لإصلاح الدين أو الدنيا، والمداهنة المذمومة وهي بذل الدين للدنيا.
يبيّن المحور معنى المداراة مع الجار الظالم بأنها ترك مقابلة الإساءة بالإساءة والصبر بلطف الكلام وحسن المعاملة والتنازل عن بعض حقوق الدنيا لكسب وده. ويشير إلى أن الصبر سبب للمداراة، ومن عجز عنه فله الانتقال مستشهداً بقولهم الجار قبل الدار وأحاديث الوصية بالجار.
يؤكد المحور أن أرض الله واسعة وأن الله يعوض من يترك شيئاً لوجهه بخير منه في الدنيا والآخرة، مبيناً أن هذا هو المعنى العميق للبيت الشعري المذكور سابقاً. ويختتم بالتأكيد على الثقة بوعد الله والاكتفاء بهذا القدر من البيان.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال ابن الوردي رحمه الله تعالى في منظومته اللامية: «مِلْ عَنِ النَّمَّامِ وَهَجْرِهِ فَمَا بَلَغَ الْمَكْرُوهَ إِلَّا مَنْ نَقَلَ». «مِلْ» فعل أمر من «مَالَ يَمِيلُ» بمعنى أعرض واجتنب. «النَّمَّامَ» وعما يقوله على وجه النميمة، فلا تصاحبه فتكون شريكه في الإثم، فتكون شريكه في الإثم. والنَّمَّام صيغة مبالغة على وزن «فَعَّال»، نَمَّام، فَعَّال صيغة مبالغة، وهو الذي ينقل الكلام من بعض ويلقيه إلى آخر ليفسد بينهما. ينقل الكلام من شخص إلى آخر من أجل الإفساد، ليوقع بين هذين الرجلين أو هاتين الجماعتين العداوة والبغضاء، فهذه تسمى نميمة. والنميمة حرام بالإجماع، بل هي كبيرة من كبائر الذنوب، وقد جاء في الشرع التحذير منها في نصوص الكتاب والسنة. أما في الكتاب فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. فحذرنا ربنا من اتباع هؤلاء، وهذا معنى قول الناظم: «مِلْ عَنِ النَّمَّامِ»، لا تقترب منه، ولا تصاحبه، ولا تماشيه، ولا تعطيه عين الرضا. ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. وهكذا جاء في السنة، في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ». ومعلوم أن أهل السنة يفسرون مثل هذه النصوص بالدخول الأولي، إن كان على التوحيد، أن النميمة ليست كفراً وإنما هي معصية كبيرة، فمعنى «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» يعني دخولاً أولياً. وجاءت رواية «قَتَّاتٍ» وهي بمعنى النمام، وسماها النبي عليه الصلاة والسلام «الْحَالِقَةَ»، الحديث يحسنه العلامة الألباني: «إِيَّاكُمْ وَالْقَالَةَ، إِفْسَادَ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنِّي لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ». كم تفسد هذه النميمة من اجتماعات وعلاقات وصحبة ونحو ذلك! كم يفترق من أحبة بسبب هذه النميمة! وكم يتقاتل ربما من جماعات بسبب النميمة! فهي تحلق الدين، فشأنها عظيم، فلذلك حذر الشرع منها. وهنا يجدر التنبيه على مسألة قد تلتبس على بعض الناس في باب النميمة، وهي: إن كان نقل الكلام ليس على وجه الإفساد، وإنما على وجه المصلحة والإصلاح، فليس هذا بنميمة. ليس كل نقل للكلام يعد نميمة إلا إذا كان هذا النقل فيه إفساد وفيه شر، أما إذا كان فيه إصلاح وفيه كذلك خير فهذا ليس بنميمة مذمومة. مثاله: إذا أخبرك شخص أن فلاناً يريد أن يبطش بك، يريد أن يمكر بك أو يضربك أو يؤذيك، سمع تهديد ذاك لك فجاء وأخبرك من باب أن تأخذ حذرك، فهذا ليس بنميمة، هذا خير. أو كذلك إنسان علم منه فكر خارجي أو منهج ضال منحرف، فجئت عند آخر وقلت له: احذر من فلان فإنه على منهج كذا وكذا، هذا ليس بنميمة، ماذا فيه؟ خير وإصلاح. وذكروا من ذلك ما يرفع إلى السلطان على سبيل حفظ الأمن والأمان ودفع الشر، فهذا لا بأس به. مثلاً: إنسان عرف أنه يريد أن يفجر أو أن يحدث فتنة في المجتمع، فرفعت أمره إلى السلطان، هذا ليس من النميمة لأن في هذا مصلحة. عرفتم الآن الفرق: النميمة المذمومة هو نقل الكلام من أجل الإفساد، ولا توجد هناك مصلحة. تأتي عند أخيه تقول له: إيش تريد أنت تمشي مع فلان؟ فلان هذا قال عنه كذا وكذا، فذاك يقول: هكذا قال كذا، يقول: نعم، طيب. فإذا به يتقاطع مع صاحبه، وربما يكون الكلام كذا، أو نقل على غير وجهه، أو ذكر ذلك من أجل أن يبين أن الإنسان ليس بمعصوم، فقد يقع منه الخطأ أو نحو ذلك من الأوجه والمقاصد الحسنة، وأنت جئت ونقلت هذا الكلام وأحدثت فتنة بين المتحابين والمتآخين، هذه هي النميمة. ذهبت عند الزوج، قلت: زوجتك رأيتها البارح تكلم فلان. أنت ما تريد مثلاً أن ينتبه لزوجتها، إنما هذه الزوجة كلمت فلان لأنها مثلاً تشتري منه أو تبيع، أو ليس في خلوة وإنما أرادت شيئاً، فأنت ذهبت وحولت الكلام على أنها كلمته من أجل حبها له أو نحو ذلك، فإذا بالزوج يطلق امرأته أو يتشاجر معها ويتخاصم معها بسبب هذا النقل. فهمتم هذا الآن؟ وهكذا في الأولاد: تأتي عند الأب، إيش هذا ولدك؟ رأيت البارح يمشي مع فلان وفلان، فإذا بالأب يأتي ويضرب ولده ضرباً شديداً، فإذا بالابن ينفر من البيت، فإذا بالابن يزداد ضياعاً. ليس هكذا التربية، وليس هكذا الإصلاح، وإنما يكون باللطف. تأتي عند الأب تقول له: يعني لو أنك تنتبه لولدك وتعرف المجتمع فيه كذا وكذا من الشرور ومن المفسدين، ما قل باش تقول: إلا أنا رأيت مع فلان وروح كذا، تجعل الأب يمتلي على ولده، هذا ليس من النصح بل هذا من الإفساد. وهكذا أخطر ما يكون في النميمة: النميمة بين العلماء وطلاب العلم، هذه مصيبة أصيبت بها الدعوة في هذا الزمان. يأتي الطالب ويذهب عند شيخ فيذكر لهذا الشيخ أخطاء فلان وانحرافات فلان، وذاك من أهل السنة، وربما نقلها على غير وجهها، أو نقلها وقد تاب منها صاحبها، فإذا بذاك الشيخ ربما اتخذ موقفاً أو أخرج شريطاً أو نحو ذلك، هذا لا ينبغي. تعالج الأمور في الحكمة والنصح والتأني ونحو ذلك. فإذا نحذر من هذه المسالك، فالنميمة أمرها خطير، فهي والعياذ بالله كالسحر الذي يفرق بين المرء وزوجه. لذلك بعض العلماء أدخلوا النميمة في كتاب التوحيد، النميمة أدخلوها في كتب التوحيد، قالوا: لأنها مثل السحر تفرق بين المرء وزوجه، وبين الأخ وأخيه، وبين الصاحب وصاحبه، فهي كالسحر. فإذن أمرها خطير، فينبغي للمؤمن أن يحذر من ذلك. وقد قال بعضهم: «مَنْ نَمَّ لَكَ نَمَّ عَلَيْكَ»، فلا تثق بمن هذه صفته. «مَنْ نَمَّ لَكَ» يعني نقل لك كلاماً، غداً سينقل عنك كلاماً إلى آخر، لأن هذا ليس موضع ثقة. ولذلك جاء أحدهم عند بعض السلف ونقل له كلاماً عن أخيه، فقال له هذا العالم: «أَمَا وَجَدَ الشَّيْطَانُ أَحَداً يُرْسِلُهُ إِلَّا أَنْتَ؟» هذا من الشيطان، هذا أرسلك الشيطان، ما وجد الشيطان إلا أنت يرسلك إليه. فأنكر عليه لأن هذا النمام إذا اليوم نقل لك، غداً سينقل عنك، فليس هو بموضع ثقة أصلاً أصلاً. صدق من قال: «مَنْ نَمَّ لَكَ نَمَّ عَلَيْكَ»، فلا تثق بمن هذه صفته أصلاً أصلاً. وذكر أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء أن على كل من حملت إليه نميمة وقيل له: فلان يقول فيك كذا، فعليه ستة أمور. إنسان الآن جاء عندك، قال لك: يا أبا طاهر، أبو معاد يقول فيك كذا وكذا وكذا، كلام سوء طمام. فأنت تقف منه موقفاً يتضمن هذا الموقف ستة أمور، ما هي؟ هذا ذكرها أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين، مع التنبيه على أن هذا الكتاب فيه الغث والسمين، ويؤخذ منه ما فيه سمين وما فيه فائدة، كما أن العلماء ينقلون منه ما فيه فائدة وعلم. فمن ذلك هذه الفائدة. قال: كل من حملت إليه نميمة وقيل له: فلان يقول فيك كذا، فعليه ستة أمور: الأول: ألا يصدقه. قال أبو معاذ: أنك كذاب، وأنك ما عندك شيء من الاستقامة، وأنك كذا وكذا. لا تصدقه، لا تصدقه، لأن النمام فاسق، والفاسق لا يصدق، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. فأول شيء: لا تصدقه. انتبه، كل من نقل لك شيء وقع في قلبك، هذا ستنفجر وسيحقق الشيطان منيته في الإفساد بينك وبين إخوانك. لا، كل شيء تصدقه؟ تأنَّ وتثبت وتأكد، هذا أول شيء. الأمر الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح له فعله، يقول له: يا أخي، ما وجد الشيطان أحداً يرسله إلا أنت، كما قال ذاك السلف لمن نقل له كلاماً: لماذا تنقل إلي هذا الكلام؟ تنكر عليه، تنهاه عن هذا الفعل، وتبين له أن فعله هذا ذميم وقبيح. هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث: أن يبغضه في الله تعالى، فإنه بغيض عند الله تعالى، ويجب بغض من أبغضه الله. بعض الناس يحب الذي ينقل إليه الكلام، يجعله صاحبه: إن شاء الله أنقل لي. لا، مثل هذا يبغض، ولا يعطى عين الرضا، ولا يصاحب. ولذلك قال: «وَهَجْرِهِ»، «مِلْ عَنِ النَّمَّامِ وَهَجْرِهِ»، الهجر هنا بمعنى الترك، يعني تركه، اتركه ولا توده ولا تصاحبه. هذا الأمر الثالث. الرابع: أن لا يظن بأخيه الغائب السوء. لا تظن به السوء، وأنه كذا وكذا، فتملأ قلبك عليه. لا، انتبه، كن على الأصل حتى تتثبت، تتأكد. حتى لو صح هذا الكلام، ما الذي حمله على هذا؟ لعله سبق لسان، لعله أراد اختبار هذا الجالس هل ينقل الكلام أو ما ينقل، لعله كذا وكذا. تلتمس له عذراً، ولا تسيء الظن. إن لم تجد عذراً، قل: لعل عنده عذر لا أعلمه، لعل عنده عذر ما علمت، سأتأكد منه، ولا تحمل نفسك: فلان يقول عني فلان كذا، فإذا بك تهجره وتسيء الظن به، وهو بريء، وهو كذلك لم يقل ولم يتكلم ونحو ذلك. هذا الأمر الرابع: لا تظن بأخيك الغائب السوء. الخامس: ألا يحمله ما حكي له على التجسس والبحث عن ذلك. لا يتجسس، لكن يذهب عند أخيه مباشرة ويصارح: يا أخي، فلان يقول أنه قلت، أو نقل إلي، حتى ما يأخذ في نفسه أنه قلت كذا وكذا. إذا قال: لا أبداً، أنا ما قلت كذا وكذا، على طول صدقه. أو: نعم قلت، لكن أقصد كذا وكذا، فتجد عنده عذراً. أما تتجسس وتراقب وتطلع وتنظر من مكان وثقب صغير: هل فعل كذا؟ هل ذهب كذا؟ هل لا؟ هذا ما ينبغي. السادس: ألا يرضى لنفسه ما ينهى النمام عنه، فلا يحكي نميمة عنه، ويقول: فلان حكى كذا وكذا. يعني: ما تقع فيما نهيت غيرك عنه، فلا تقول لغيرك: فلان قال عني كذا وكذا، فأنت تغر صدر أخيك الآخر، وإنما تكتم هذا. فهمت الآن؟ مثلاً: جاء إنسان قال لك: فلان أبو معاد يقول عنك كذا وكذا. فأنت ذهبت عنده: إيش هذا المدرس؟ حقنا الله يهديه، نقل اليوم واحد يقول المدرس كذا وكذا. هذا سيجد في نفسه، إذن أنت الآن فعلت عين ما وقع فيه النمام. فهمتم هذا الآن؟ جاء أبو طاهر ونقل لك كلاماً عني، شوف: أبو معاد يقول عنك أنك كذا وكذا، كلام سوء. طيب، فأنت ذهبت عند الطلاب، سبحان الله، عند رأي: إيش هذا الشيخ أبو معاد يتكلم علي، يقول عني كذا وكذا؟ أنت الآن وأغرت صدور الطلاب، حكيت ما نقل لك. لا تفعل هذا، لا تحكي ما ينقل إليك، لأن هذا من النميمة، فلا تحكي النميمة، فلا ترضى لنفسك ما ينهى النمام عنه. فهمتم هذا الآن؟ فأنت تصير بذلك نماماً. فهذه ستة ذكرها الغزالي، ونقلها العلماء، ونبهوا على هذه الأمور الستة في من ينقل إليه أو تنقل إليه النميمة. ثم قال: «فَمَا بَلَغَ الْمَكْرُوهَ إِلَّا مَنْ نَقَلَ». «بَلَغَ» من البلوغ وهو الوصول، وهو الوصول، فهو يقول: لم يصل المكروه إلا من فعل النميمة وعمل بها، الذي فعل النميمة وعمل بها هذا الذي يصله المكروه. أما الذي نقلت إليه النميمة، إن كان عاقلاً ولبيباً وفطناً، لا تضر هذه النميمة. الآن الذي ينقل النميمة في الحقيقة هو الذي يصل إلى نفسه المكروه أولاً: يبغضه الناس، معروف أنه نمام. ثانياً: هذه معصية تؤثر على معاشه وعلى قلبه وعلى إيمانه وعلى عبادته. فالمكروه في الحقيقة يصل إلى هذا النمام، لا يصل إلى من نقلت إليه النميمة. فما بلغ المكروه إلا من نقل، إلا الذي نقل هذه النميمة هو الذي يصل إليه هذا المكروه. فيكون معنى البيت: اجتنب وابتعد عن نقل كلام من ناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم، ولا تصاحب النمام، وكن على بعد منه، لأنه ما وصل إلى المكروه إلا من فعل الكلام، أو من نقل الكلام بين الناس على وجهه النميمة وإفساد ذات البين. هذا معنى هذا البيت باختصار، والله تعالى أعلم. ثم قال: «دَارِي جَارَ الدَّارِ إِنْ جَارَ، وَإِنْ لَمْ تَجِدْ صَبْراً فَمَا أَحْلَى النَّقْلَ». «دَارِي جَارَ الدَّارِ إِنْ جَارَ، وَإِنْ لَمْ تَجِدْ صَبْراً فَمَا أَحْلَى النَّقْلَ». ومعنى هذا البيت: أولاً «دَارِي» فعل أمر من المداراة. «دَارِي» فعل أمر من المداراة، وبني على حذف حرف العلة آخره ياء. «عِنْدَكُمُ السُّوءُ، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا صَبْراً، طَيْبٌ، أَعْطِينِي قَلَماً، كلكم ها اش، عِنْدَكُمْ كَمَا قُلْتُ أَنَا، سَنَشْرَحُهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ، أَوَّلاً عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، مَعْنًى وَاحِدٌ». قوله: «دَارِي جَارَ الدَّارِ إِنْ جَارَ». «دَارِي» فعل أمر من المداراة، والمداراة تعريفها: بذل الدنيا من أجل الدنيا، أو الدين، أو كليهما. تبذل من الدنيا من أجل الدنيا، أو الدين، أو من أجل الدنيا والدين، معنى هذا تسمى المداراة. بذل الدنيا من أجل الدنيا أو الدين أو كليهما، هذه تسمى مداراة. وهذه المداراة محمودة ومرغب فيها، لأن بها يندفع شر ومخاصمة ومشاجرة وعداوة، فلا بأس أن تتنازل عن أمور الدنيا من أجل إصلاح دنياك أو أخراك. بخلاف المداهنة، المداهنة تعريفها: بذل الدين من أجل الدنيا. هذه المداهنة وهي مذمومة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. «تُدْهِنُ» يعني تتنازل عن دينك، تسكت عنهم، تعبد آلهتهم، هذه تسمى مداهنة. فالمداهنة لا تجوز، أن تتنازل عن أمور دينك من أجل دنياك، هذا لا يجوز. لكن أن تتنازل عن دنياك من أجل دينك، أو من أجل دنياك، فهذا لا بأس به. ولذلك حث عليه الناظم هنا. قال: «دَارِي» من المداراة فعل أمر، وقوله: «جَارَ الدَّارِ» يعني: من هو جار لك في البيت في السكن، هذا معنى جار الدار. جارك يعني قريب داره قريب من دارك. طيب، وأما قوله: «إِنْ جَارَ»، «إِنْ جَارَ» هنا «جَارَ» من الجور وهو الظلم، فيكون معنى البيت: إن ظلمك جارك أو جار دارك، فلا تقابله بالقصاص والشدة، بل لاطفه وداره ولين كلامك معه. فهمتم الآن؟ خلي السوب، نجيل الآن، جار الدار، تمام. نحن عندنا دار، «جَارَ الدَّارِ إِنْ جَارَ»، طيب. سجلها يا أخي، أنا سجلت حقكم، أنتم سجلوا حقي، نقرأها من قبل: «دَارِ جَارَ السُّوءِ بِالصَّبْرِ، وَإِنْ...» هذه فائدة لابد تعلمونها عند اختلاف النسخ، من باب الفائدة تكتب النسخة الثانية، تمام. تكتب النسخة الثانية من باب الفائدة. نحن الآن نبين أولاً هذا المعنى الذي عندنا النسخة التي عندنا، فيكون معنى هذا الشطر من البيت: يعني إن ظلمك جار دارك وأساء إليك، فلا تقابله بالإساءة أو بالشدة أو بالقصاص، وإنما تلطف معه وداره، وإن تنازلت عن شيء من أمور الدنيا. أحياناً جارك يؤذيك ويجور عليك، أنه يبغى مثلاً شبراً من الأرض، أو يبغى شيئاً من الشارع، أو يريد شيئاً من المال وليس لحقه، لكن أنت من باب كسب هذا الجار تعطيه من هذه الدنيا حتى تكسب وده وتدفع شره. فهمتم هذا الآن؟ هذه هي المداراة، هذه هي المداراة. فيقول: إن ظلمك جار دارك فلا تقابله بهذا الظلم وهذه الإساءة، إنما تلطف معه وداره وأحسن إليه. هذا هو معنى البيت، الشطر هذا في نسختنا. أما على النسخة الأخرى: «دَارِ جَارَ السُّوءِ»، هو بمعنى الجار الذي يجور، يعني يظلم. طيب، «دَارِهِ بِالصَّبْرِ» يعني اصبر عليه، اصبر عليه. ويقول العلماء: أن الصبر، الصبر سبب للمداراة، للمداراة. الصبر سبب للمداراة، فتصبر عليه بالحلم والعطاء والأخلاق، فهذا كله من الصبر، لأن مما يخالف الصبر أن تقابل الإساءة بالإساءة والظلم بالظلم، هذا من ماذا؟ هذا من عدم الصبر. طيب، فالصبر سبب للمداراة، ولذلك قال: «دَارِ جَارَ السُّوءِ بِالصَّبْرِ» يعني اصبر ولا تفقد صبرك وتقابله بما يقابلك به، بما يقابلك به، لا، اصبر وداره، تلطف معه، وهو في الحقيقة بمعنى ما ذكر في النسخة الأخرى. نعم، هذا هو المعنى، فالصبر مما يستعان به على المداراة، الصبر مما يستعان به على المداراة. ثم قال: «وَإِنْ لَمْ تَجِدْ صَبْراً فَمَا أَحْلَى النَّقْلَ». يعني يريد أن من لم يستطع على المداراة وعلى الصبر على جاره، فخير له أن ينتقل، خير له أن ينتقل ويترك هذا البيت، ولا يقابل جاره بما يقابله به، فإن هذه عيشة نكدة، وعيشة فيها من المشاكل وضيق النفس ونحو ذلك. ولذلك المثل المشهور عندنا يقولون: «الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ». هذا مثل طيب، تختار جارك قبل أن تختار دارك. تقول: إذا أردت أن تشتري أرضاً من أصحاب هذه البيوت اللي حوالي، تسأل عنهم. أخبرني أحد العوام قال: لما أردت أن أشتري بيتاً، كلما ذهبت مكاناً سألت عن الجيران، فأخبروني أنهم جيران سو، فتركت ثلاثة وأربع مواضع بسبب هذا. كلما جاء يريد يشتري سألوا، قالوا: هذا الجار كذا، وهذا الجار كذا، ترك هذا البيت، قال: إلى أن وجدت مكاناً جيرانه أهل خير وأهل أخلاق وأدب، فهذا بيت الآن، دلني البيت أو وصف لي البيت، فإذا بي جيرانه ما شاء الله طيبون. فالجار قبل الدار. ويحكون ويحكون عن أحد السلف أنه باع داره بثمن بخس ثمن قليل، فلامه الناس، قالوا: لأنت مجنون، لماذا بعت هذا الدار؟ وكان سبب بيعه لهذا الدار جار السوء، فأنشد أبياتاً جميلة قال فيها: «يَلُومُونَنِي أَنْ بِعْتُ بِالرُّخْصِ مَنْزِلِي وَمَا عَلِمُوا أَنَّ هُنَاكَ جَاراً هُنَاكَ يَنْقُصُ فَقُلْتُ لَهُمْ: قُلْتُ لَهُمْ: أَقَلُّ الْمَلَامَةِ إِنَّمَا بِجِيرَانِهَا تَغْلُو الْمَنَازِلُ وَتَرْخُصُ بِجِيرَانِهَا تَغْلُو الْمَنَازِلُ وَتَرْخُصُ». إذا الناس علموا أن هذا البيت بيت طيب معروض للبيع، لكن الجيران أهل سوء، ما يشتريه الناس ولو بأقل الأثمان. هذا الإنسان الذي هو يريد الهدوء ويريد يعني الحياة الكريمة الطيبة، أما من كان سيئاً فالمسيئة عند السيئة ها. فإذن هنا يقول الناظم: فإن لم تجد صبراً، ما صبرت على سوء أخلاق جارك، فما أحلى النقل. «النَّقْلَ» جمعوا «نُقْلَةً» بمعنى الانتقال من موضع إلى موضع آخر، بمعنى الانتقال من موضع إلى موضع آخر. فيقول لك: انتقل من هذا الموضع. فيحث هنا الناظم على حسن الجوار، وهكذا اختيار المكان الذي فيه جيران صالحون وطيبون وطيبون. وتعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أوصى بالجار خيراً، قال عليه الصلاة والسلام: «مَا يَزَالُ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ». انكثرت ما يوصي بالجار والإحسان إليه. وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ». حذر من أذية الجار، و«وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ»، قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: «الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَ»، يعني مصائبه وغوائله. فإذن فيه دعوة من الناظم إلى هذا الخلق العظيم وهذا الأدب الرفيع، وهو الإحسان إلى الجار. وقد يكون الجوار ليس بالبيت، يكون الجوار في مدرسة، في مسجد، في مركز، أنت عندك جار في السكن، في النوم، في الدرس، في كذا، أيضاً هذا يدخل في باب الجوار. فأحذر أن تسيء إلى جارك، وأن تقابله بالإساءة، وإنما داره وأحسن إليه. فهذا ما يدعو إليه الناظم، هذا ما يدعو إليه الناظم. والمداراة ليست إلى الجار فحسب، بل إلى جميع المسلمين، لكن لماذا خصها هنا بالجار؟ مع أنها مطلوبة مع كل أحد؟ لأن الاختلاط بالجار أكثر من غيره، ولأن الاهتمام به أولى. كل يوم أنت تراه في مدخلك، في مخرجك، في نومك، في يقظتك، في أفراحك، في أحزانك، دائماً وهو جار لك، فلذلك ذكر هنا، وإلا فالمداراة مطلوبة مع أي أحد من المسلمين. فإذن معنى البيت: ألطف جارك وداره، وتحمل أذاه إذا آذاك وظلمك، قدر الإمكان، قدر الإمكان. فإن وجد منك المعاملة الحسنة، ما تشعر إلا وينقلب صديقاً لك، كما قال الله عز وجل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. فإن لم تجد صبراً منك على ظلمه وأذاه وجوره، فعليك بالرحيل، تحول إلى دار أخرى أو إلى مكان آخر. نعم، فإن أرض الله واسعة، والله عز وجل يعوضك من هو خير منه، ومن ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه. هذا معنى البيت، ونكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.