شرح لامية ابن الوردي 12

الدرس في شرح لامية ابن الوردي 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الشرف الحقيقي بالعلم والعمل لا بالنسب

يشرح المقطع بيت ابن الوردي بأن العزة والشرف لا تُنال بالانتساب للآباء بل بما يحققه الإنسان من علم وعمل نافع، مستدلاً بالقرآن والسنة وقصص علماء الموالي. كما يوضح أن السيادة تُنال بالاجتهاد كتنقية الذهب وخروج الورد من الشوك، والنسب الشريف فضل زائد إن اجتمع مع علم وأخلاق الابن.

قيمة الإنسان بالعلم والنفع لا بالنسب فقط

يوضح المقطع أن الشاعر ذكر نسبه لأبي بكر الصديق تحدثاً بنعمة الله، ثم يركز على أن مرتبة الإنسان الحقيقية تكون بما يحسنه من علوم وصنائع تنفع الناس. يستشهد بأثر علي بن أبي طالب ومواقف علماء معاصرين كابن عثيمين ومقبل الوادعي لتأكيد أن الشرف بالعلم والعمل.

خاتمة الدرس وإشارة إلى المترجمة

يختتم المقطع بالعبارة التقليدية "إلى هنا والله تعالى أعلم" معلناً نهاية الشرح. يذكر اسم المترجمة نانسي قنقر مرتين كإشارة إلى من قام بالترجمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال ابن الوردي رحمه الله تعالى في منظومته اللامية: «لا تقل أصلي وفصلي أبدًا، إنما أصل الفتى ما قد حصل». قوله: «لا تقل أصلي وفصلي أبدًا»، الأصل هو النسب من الآباء والأجداد وإن علوا، والفصل وهم الأولاد والأحفاد، أي أبناء الأولاد وإن سفلوا. فيكون المعنى: لا تعتمد ولا تتكلم على ما حصل لآبائك وأولادك من الفضل والشرف، ولا تفتخر بذلك؛ لأنه لا يغني عنك شيئًا، لأنه لا يغني عنك من الله شيئًا. فما ينفع الإنسان إلا ما قدمه، أما ما قدمه آباؤه وأجداده وأولاده وأحفاده فهذا يحسب لمن قدمه. فلا تتكل على أصلك وفصلك، ولا تفتخر بذلك، لا تفتخر بذلك. لا تقل أصلي وفصلي أبدًا. ولذلك جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». لا تقل: أنا من آل البيت، ثم بعد ذلك تفعل ما تشاء من المخالفات الشرعية ومن الظلم والاعتداء. فإذا انتقدت قلت: أنا من آل البيت، أنا جدي رسول الله. النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب أهل بيته: «يا صفية عمة رسول الله، يا فاطمة بنت رسول الله، لا يأتوني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم». فالنسب إذا لم يكن على عمل وتقوى وهدى فإنه لا ينفع صاحبه. لو أن النسب لنفع أبا طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أبا لهب وغيرهم ممن هم من نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم ماتوا على الكفر فلم يغنِ عنهم هذا النسب من الله شيئًا. فإذا: لا تقل أصلي وفصلي أبدًا، يعني مطلقًا. ومعنى: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، أي: منأخره عمله، منأخره عمله السيء وتفريطه في العمل الصالح في الدنيا لم ينفعه في الآخرة شرف نسبه أبدًا، وإن كان هذا النسب عاليًا. فالقرب من الله، بل ومن الخلق والمحبة، إنما تكون بالأعمال. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. هذا شيء معلوم حتى عند الناس؛ يبغضون المتكبر المفتخر، ويحبون العامل النافع لهم. ولذلك قال: «إنما أصل الفتى ما قد حصل». والمراد بالأصل هنا الشرف والسيادة. فالشرف للفتى، والفتى هنا الشاب الحدث، والمراد به هنا مطلق الإنسان ولو كان كبيرًا. فهنا يقول: ليس شرف الإنسان إلا ما قد حصل له من العلم والمشاركة للناس ونفع لهم والخصال الحميدة ونحو ذلك. هذا هو الذي يناله الفتى ويتحصل عليه، لا ما حصل لآبائه وأولاده. الفتى والإنسان إنما يكون ويسود بعمله وعلمه ونفعه، هذا الذي به يحصل ويسود. لأن الإنسان بفضيلته وشرفه ونفعه، لا بفضيلة آبائه وأجداده، لا بفضيلة آبائه وأجداده. وكما قيل في المثل: «الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية». الرمم يعني الجثث البالية الهامدة. الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية، أو بكسر الراء: الرمة، الرمة، لا بالرمم البالية. الرمة أو الرمم يعني الجثث البالية المتآكلة، ويعني بهم الموتى. فآباؤك وأجدادك قد أكلتهم الأرض وصاروا رممًا بالية، فما ينفع الافتخار بهم، ما ينفع الافتخار بهم. إنما الذي ينفع الإنسان ويعلو من قدره وشرفه همته العالية في نيل المعالي وطلب كذلك الفضائل. هذا الذي به يشرف العبد ويسود، لا بالفخر بالأجداد والآباء. هذا معنى هذا البيت: «لا تقل أصلي وفصلي أبدًا، إنما أصل الفتى ما قد حصل». حتى يوم القيامة ما يغني عنك أبوك ولا ولدك، كما قال الله عز وجل في ذلك اليوم: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾. فماذا يغنيك الافتخار بالآباء والأجداد؟ ما يغني عنك شيئًا. فأصل الفتى ما قد حصل منه، لا بالافتخار. وكم وكم من وضيع النسب أصبح شريفًا سيدًا يُشار إليه بالبنان، وهو ربما يعني ليس برفيع النسب، ليس برفيع النسب. وقد ذكروا أن أكثر علماء القرن الثاني الهجري من الموالي. تعرفون الموالي وهم أنزل رتبة في النسب. فقيل: إن من علماء القرن الثاني الحسن البصري، وقتادة بن دعامة السدوسي، وعطاء بن أبي رباح، ومكحول، وسيبويه في اللغة. هؤلاء كلهم موالي. هم علماء. الإمام البخاري مولى الجعفيين، ومع هذا كتاب أصح كتب السنة. بماذا رفعهم الله؟ بالعلم، أو بالاتكال على النسب والافتخار به؟ رفعهم الله عز وجل بالعلم، رفعهم بالعلم. فهكذا يسود الناس، لا بالافتخار والانتساب إلى الآباء والأجداد، وإنما بالعلم والعمل والأخلاق الفاضلة، وكذلك نفع العباد ونحو ذلك مما به يعلو قدر المرء. ثم قال: «قد يسود المرء من غير أب، وبحسن السبك قد ينفى الزغل». قوله: «قد يسود المرء»، «قد» هنا تحقيقية، ويسود من السيادة، ومعروف ما هي السيادة، يعني يكون سيدًا وعاليًا وذا قدر ومكانة عند قومه، عند قومه. فقد يسود المرء، يعني الإنسان، من غير أب. وقوله: «من غير أب» هناك تقدير على حذف المضاف، فيكون المعنى: قد يسود المرء من غير سيادة أب. فهناك حذف المضاف وهو سيادة، وليس المراد كما ربما يفهم البعض: قد يسود المرء من غير أب، يعني من ولد الزنا. فليس يريد ذلك المؤلف أو الناظم، إنما يريد أن الإنسان قد يكون سيدًا في قومه ولم يكن أبوه أو جده سيدًا قبل ذلك، فيكون هو سيدًا ابتداءً. فدل ذلك على أن السيادة لا تكون بالانتساب للآباء والأجداد. فكم من إنسان صار سيدًا ولم يكن أبوه ولا جده سيدًا. عرفتم هذا؟ فهذا معنى قوله: «قد يسود المرء من غير أب»، يعني من غير سيادة أبيه، لم يكن أبوه سيدًا. «وبحسن السبك قد ينفى الزغل». السبك هو إذابة الذهب والفضة وصبهما في القالب. تعرفون الذهب والفضة المصنوع يكون فيه شيء من الغش، فيه شيء من الغش، يعني مما ليس بذهب. فكيف يخرجون هذا الغش بالسباكة؟ وهو إذابة هذا الذهب بالنار، فإذا أذيب أخرجت الشوائب، أخرجت الشوائب، فصار عيارًا مثلًا إحدى وعشرين، يكون أفضل، عيار أربع وعشرين أو نحو ذلك. فهمتم هذا الآن؟ فإذا قوله: «وبحسن السبك» يعني بحسن إذابة الذهب والفضة وصبهما في قالب وصنعهما مرة أخرى، «قد ينفى الزغل». والزغل هو الغش، الزغل هو ماذا؟ الغش. وهذا الشطر من البيت بمنزلة العلة والسبب للشطر الأول. فيكون معنى البيت: كما أن نفي الزغل وهو الغش والشوائب التي ليست من الذهب ممكن بالسبك الحسن، يعني بإجادة سبك هذا الذهب، كذلك يمكن نيل المراتب العالية والخصال الحميدة بالجهد والتعلم. فهمت هذا الذهب الآن مغشوش، فيأتي صائغ ماهر يحسن هذه الصناعة فيخرج الغش من هذا الذهب. الذهب الأول ليس صافيًا وجيدًا، لكن بسبكه صار ماذا؟ صار صافيًا جيدًا. وهكذا الإنسان قد يكون أبوه أو جده ليس بسيد وليس بذي مكانة، فيتعلم هذا الأمر ويجتهد حتى يكون سيدًا في قومه. فهمتم هذا الآن؟ هذا هو معنى هذا البيت. فمعنى هذا البيت: إن بعض الناس صار ذا سيادة وقدر، ذا سيادة وقدر وشرف، مع أن آباءه ليسوا كذلك. لأن سيادة المرء ليست متعلقة ومرتبطة بسيادة الآباء والأجداد، ليست مرتبطة ولا متعلقة بسيادة الآباء والأجداد. فسيادة الإنسان ممكنة من غير سيادة الآباء، من غير سيادة الآباء، كما أن نفي الزغل والغش وبقاء الذهب خالصًا ممكن بالسبك الحسن، بالسبك الحسن. هذا هو المعنى. ثم قال: «وكذا الورد من الشوك، وما يطلع النرجس إلا من بصل». هذا أيضًا تعليل آخر من الناظم وسبب آخر في إمكانية سيادة الأبناء وإن لم يكن آباؤهم وأجدادهم ذا سيادة. قال: «وكذا الورد»، الورد معروف، زهر حسن في منظره وجميل في ألوانه. فيقول: «الورد من الشوك»، والشوك هو ما يخرج من النباتات شبيهًا بالإبر، فيخرج في أغصانه هذا الشوك أو في سيقانه، فيكون مليئًا بالشوك، وتجد الزهر أو الورد موجودًا بين هذا الشوك، بين هذا الشوك. فهو يقول في هذا البيت: كما أن الورد مع حسن نظارته وحمرة لونه وطيب رائحته يخرج من الشوك المؤذي طبعًا، فكذلك قد يخرج السيد من الأب الوضيع الذي لم يسد ولم يكن ذا شرف. وهذا واقع، تجد بعض الأشجار جميلة لما فيها من الورود، لكن ما تستطيع أن تمسك أغصانها أو سيقانها من شوك يؤذيك، صح؟ وتجد الورد أو الزهر ما شاء الله في هذا الشجر. فإذا أصل الشجرة مؤذية لكن فيها الشيء الجميل خرج من بين هذا المؤذي. فهكذا قد يخرج الإنسان سيدًا من آباء وأجداد لم يكونوا سادة ولا ذا مكانة في قومهم. هذا هو المعنى. ثم قال: «وما يطلع النرجس إلا من بصل». النرجس زهر طيب الرائحة، طيب الرائحة، لما تشمه يعني يطلع منه رائحة طيبة، أشبه بما يسمى اليوم بالفل. اسمعون عن الفل؟ وعبارة عن يعني زهر، عبارة عن زهر الطيب والرائح في... لا لا لا، الفل هذا العدنيون يعرفون أكثر، ما يستخدمون يربطون حتى للإرسال، كان آدم زرعها هنا قبل فترة، أي نعم، وأهل أبين أيضًا، أهل أبين وأهل عدن، حب، نعم، هذا فيه رائحة طيبة يبيعونه، نعم، أي نعم. فهو شبيه بهذا. فهو يقول: «وما يطلع النرجس إلا من بصل». البصل معروف، ذاك الزرع الذي هو ذو رائحة كريهة، ذو رائحة كريهة. فمعنى البيت: كذلك هذا الزهر ذو الرائحة الطيبة يطلع وينبت من بين البصل، من بين البصل تجد بصلًا في الأرض وهذا الزهر بينه. انظر: هذا ذو رائحة كريهة وهذا ذو رائحة طيبة. فهو جمع بين الضدين، فهو جمع بين الضدين. فكأنه يقول: قد يخرج الإنسان من الآباء والأجداد وهم مثل البصل، وهو مثل النرجس. فهمتم؟ يكون هو سيدًا وهم ليسوا كذلك. فلا يلزم من السيد أن يكون آباؤه كذلك. لا يريد أن يثبت ذلك، يريد أن يثبت ذلك مع التنبيه على أن علو النسب إذا اجتمع معه شرف الأبناء وكذلك حسن عمل هذا الابن فهو نور على نور كما يقال، فزاده ذلك فضل على فضل. ليس معنى كلامنا هذا ذم أنساب أو الطعن فيها، لا، وإنما المراد أن العبرة في الشرف والرفعة ليس النسب فحسب. لكن لو اجتمع النسب مع الشرف والعلم والأخلاق والخصال الحميدة فهذا فضل على فضل. ولذلك ذكر العلماء في اختيار الزوجة: لو اجتمعت فيها الصفات الواردة في الحديث فهو أفضل. قال عليه الصلاة والسلام: «تنكح المرأة لأربع: لمالها وجمالها ونسبها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يدك». يعني لو وجدت امرأة ذات دين وهذا نادر جدًا، بل أندر من النادر، امرأة ذات دين وذات مال وذات جمال وذات نسب، وجدت امرأة مثلًا ذات دين وجمال مثلًا، أيهما تأخذ؟ التي اجتمعت فيها الخصال الأربع، صح؟ لأن هذا أكمل. لكن لو مثلًا امرأة اجتمعت فيها الخصال الثلاث الأولى: المال والجمال والنسب، لكن ما عندها دين، أيهما تختار؟ تختار الدين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فاظفر بذات الدين». فهمتم هذا الآن؟ فكلما اجتمعت خصال الخير كلما كان أفضل، وفي ذلك زيادة فضل. وهكذا في السيادة: لو خيرنا بين اثنين، أحدهما ذا علم وشرف وأخلاق فاضلة، والآخر مثله ذا علم وشرف وأخلاق عالية، لكن الأول ذا نسب والثاني ليس بذي نسب، أيهما نقدم؟ نقدم ذا النسب، واضح؟ لأنه زيادة فضل على فضل، وزيادة وصف على وصف. فهمتم هذا الآن؟ فلا يفهم من كلام المؤلف المتعلق بالنسب أن النسب مذموم مطلقًا، مذموم مطلقًا، لا. فالأصل أن من كان ذا شرف... فإن شاء الله يكون... من كان ذا نسب فإن شاء الله يكون ذا سيادة وشرف، والله أعلم. ولذلك حتى لا يظن أن الشاعر حينما نهى عن الفخر بالآباء والأجداد أنه وضيع النسب، حتى لا يظن ذلك أنه وضيع النسب أو مجهول النسب، لوح إلى إزالة هذا الوهم، لوح إلى إزالة هذا الوهم، فقال: «مع أني أحمد الله على نسب، إذ بأبي بكر اتصل». يريد لذلك التحدث بنعمة الله عليه، فإن من نعم الله على العبد أن يجمع له بين علو النسب وعلو الشرف والقدر. ولذلك نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كان من خير العرب نسبًا، فاختاره الله نبيًا ورسولًا لهذه الأمة. فهو يقول ذلك لا فخرًا ولا تكبرًا ورفعًا، لا، وإنما قال ذلك تحدثًا بنعمة الله عز وجل عليه، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. وهكذا إزالة للظن والوهم الذي قد يعني يدور في خلد بعض الناس لما ذم النسب. فبينا أن نسبه ولله الحمد متصل بأبي بكر وهو الصديق، فهو قرشي لأن أبا بكر من قريش، وقريش من أفضل قبائل العرب. فيكون معنى البيت: لا تتوهم أيها القارئ والسامع أن قولي لك: «لا تقل أصلي وفصلي» إلى آخر ما ذكر، ونهي ونهي إياك عن ذلك، من بابي ونهي لك عن الافتخار بالآباء والأجداد، ناشئ من عدم اتصال نسبي، ناشئ من عدم اتصال نسبي بأصل شريف، وإنما هو من النصيحة المأمور بها. وإلا فأنا أحمد الله، فإن نسبي من أعلى الأنساب، فهو يتصل بأفضل من كان ومن يكون بعد الأنبياء والمرسلين، وهو نبينا محمد، وهو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فهو أفضل من كان ومن يكون بعد النبيين والمرسلين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم قال: «قيمة الإنسان ما يحسنه، أكثر الإنسان منه أو أقل». القيمة في الأصل هي الثمن الذي يقابل به المتاع. خذ هذا البر وأعطيني قيمته، يعني ما يقابله ويعادله من النقود. فهذا المراد بالقيمة، والمراد به هنا الرفع والشرف، الرفع والشرف. فهو يقول: قدر الإنسان ورفعة الإنسان وشرف الإنسان على قدر ما يعرفه ويتقنه من العلوم والفضائل والصنائع. «قيمة الإنسان ما يحسنه»، ما تعلُ قيمة الإنسان وما يقدر ويجل ويرفع ويشرف إلا بما يحسنه، أي ما يعرفه ويتقنه من العلوم والفضائل والصنائع. وهناك أثر كأن الناظم يلمح إليه، جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يحسنه». «لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يحسنه». وعندنا مثل شعبي دارج بين العوام: يقولون: «من لا يعرفك لا يقدرك». صح؟ قد أنت مثلًا تكون عالمًا من العلماء، جئت عند شخص عاملك معاملة أي إنسان بدون إجلال ولا تقدير ولا مزية عن بقية الناس، لأنه ما يعرفك، لأنه ما يعرفك. فإذا عرفك ربما استحى على نفسه أنه عاملك بهذه المعاملة. هذا قد يقع لبعض العلماء. يذكرون طريفة عن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: كان يمشي يريد أن يصل إلى الحرم، فأوقف سيارة أجرة فركب في هذه السيارة، فسأله السائق، قال له: «من معي؟» قال له: «معك الشيخ محمد بن صالح العثيمين». العلماء هناك مشهورون بين الناس. فنظر هذا السائق إلى الشيخ وقال له: «أنا معك الشيخ بن باز، عثيمين يركب سيارة أجرة؟» يظن أن ابن عثيمين مثل الأمراء أو الحرس وكذا. فضحك الشيخ ابن عثيمين وقال له: «الشيخ بن باز أعمى، كيف أنت سوق سيارة والشيخ بن باز أعمى ما يستطيع سوق سيارة؟» من باب ممازحة. وقال: «كيف أنت تقول لي أنت ابن عثيمين؟» قال: «نعم والله أنا ابن عثيمين». فتعجب السائق، يعني اعتذر للشيخ. فربما الإنسان أحيانًا ما تعلمه، وقد وقع هذا للشيخ مقبل في بعض المواقف، يأتي شخص ويأتي عند الشيخ مقبل يقول له: «يا أخي وين تدلني على الشيخ مقبل؟» والشيخ يضحك، الشيخ ما يتميز على الطلاب بشيء، يعني مثل واحد من الطلاب. يقول له: «أنا الشيخ مقبل». يقول: «أنت الشيخ مقبل؟» يقول: «نعم». يقول: «أنا الشيخ مقبل»، والطلاب يضحكون. فهكذا الإنسان إذا ما تعرفه ما تقدره، لكن كيف تقدر الإنسان إذا عرفته وعلمت فضله ونفعه وإتقانه وكذلك علوم منزلته في هذه الأمة؟ فكما قال النظم: «قيمة الإنسان ما يحسنه». بهذا فارتفع: «قيمة الإنسان ما يحسنه»، يعني يعرفه ويتقنه من العلوم والفضائل، وهكذا الصنائع والنفع والأثر في الأمة. فتجد كم من إنسان لا قيمة له بين الناس، لماذا؟ لأنهم لا ينتفعون منه بشيء، لا ينتفعون منه بشيء، ولا كذلك يوجد له أثر بينهم. هذا إن سلموا من شره، أما إن كان شريرًا فاسدًا فإنهم يبغضونه ويذكرونه بالشر. لكن من يحسن العلم وكذلك يوصل النفع والخير للناس يبقى له أثر بين الناس، وترتفع قيمته، وترتفع قيمته. ولذلك قال: «أكثر الإنسان منه أو أقل». ومعنى «أكثر الإنسان أو أقل» يعني من الإكثار والإقلال، من الإكثار والإقلال. يعني: إن أكثر الإنسان العلوم والمزايا الحميدة كانت قيمته كثيرة. فميزان قيمة الإنسان بكثرة الفضائل والعلوم أو بقلتها. فيكون تكون منزلته بقدر ما يحسن ويتقن من العلوم والصنائع والنفع. ولذلك يتفاوت الناس في القدر والشرف، هذا التفاوت ناتج عن ماذا؟ عن تفاوت العلم والفضل والنفع، صح؟ فهو يقول: إن كان، إن كان ما يحسنه كثيرًا فمنزلته تكون أعظم وأكبر، وإن كان ما يحسنه قليلًا فمنزلته وشرفه أقل. واضح هذا الآن؟ فالمعنى: شرف الإنسان بحسب ما يعلمه ويتقنه، شرف الإنسان بحسب ما يعلمه ويتقنه من العلوم والصنائع وغيرها، إن كثيرًا فكثير، وإن قليلا فقليل. لا بحسب ما يظنه بعض الناس أن الشرف إنما يكون بالغنى أو المراتب الدنيوية أو حسن اللباس أو نحو ذلك، لا، ليس الشرف والرفع بهذا. إنما الشرف والرفع بما يتقنه الإنسان ويعلمه من العلوم والصنائع والنفع ونحو ذلك. هذا هو معنى قول النظم. وبهذا نكتفي، ونكمل ما بقي إن شاء الله درسًا قادمًا. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.